حين تُروى حكايتنا بلسان غيرنا

القراءة الغربية لمصر القديمة وصناعة الخرافة

الملك رمسيس الثالث يرفع يده تحية لـ «رع حوراختى»
الملك رمسيس الثالث يرفع يده تحية لـ «رع حوراختى»


د. مونيكا حنا

الجدل الدائر اليوم حول القراءة «الصحيحة» للحضارة المصرية، على ضجيجه، ليس إلا عرَضًا لمرضٍ أقدم بكثير. فالسؤال الحقيقى ليس من يملك الحقيقة حول مصر القديمة، بل من يملك حكايتها؛ من له حق روايتها، وبأى لغة، ولأى جمهور. ومنذ أكثر من قرنين ونصف الإجابة العملية واحدة: يرويها غيرنا، ونستمع نحن إلى قصتنا مترجمةً، منقوصةً، وأحيانًا مشوَّهةً إلى حد الخرافة. إن غياب السردية المصرية لم يترك فراغًا محايدًا، بل ترك مساحة احتلتها سرديات أخرى، بعضها علمى استعمارى النزعة، وبعضها خرافى صريح، وكلاهما يتقاسم فرضية واحدة مسكوتًا عنها: أن المصريين ليسوا أصحاب هذا الميراث، ولا رواته الشرعيين.
وُلد علم المصريات ولادة ملتبسة. فقد جاء مع حملة عسكرية، وصدر أول نص تأسيسى له، «وصف مصر»، بوصفه جردة حساب لغنيمة معرفية. ومنذ فك شامبليون رموز الخط الهيروغليفى عام 1822 صار المصرى القديم يتكلم من جديد، لكنه صار يتكلم بالفرنسية والإنجليزية والألمانية، داخل جامعات ومتاحف لا يدخلها أحفاده إلا زائرين. رسّخت الفلسفة الأوروبية هذا الاغتراب نظريًا: فهيجل أخرج مصر من أفريقيا ومن التاريخ الحى معًا، وجعلها مجرد عتبة صامتة يعبر فوقها «العقل» فى طريقه إلى اليونان. هكذا تحولت الحضارة المصرية فى السردية الغربية إلى «مهد الحضارة الغربية»، أى إلى ماضٍ يخص أوروبا أكثر مما يخص وادى النيل، وجرى الفصل الحاسم الذى تقوم عليه كل الخرافات اللاحقة: الفصل بين المصرى القديم والمصرى الحديث، وكأن سكان هذا الوادى طارئون على أرضهم، حرّاسًا بالوكالة على أمجاد غيرهم.
لم يكن هذا الفصل بريئًا، فقد كان الغطاء الأخلاقى لنقل عشرات الآلاف من القطع إلى متاحف الغرب: ما دام المصرى الحديث «ليس وريثًا حقيقيًا»، فلا ضير فى أن تُحفظ الآثار عند من «يقدّرها». وكان أيضًا غطاءً لإقصاء المصريين عن إنتاج المعرفة نفسها. تكفى قصة أحمد باشا كمال، أبى المصريات المصرية، الذى أنجز قاموسًا للغة المصرية القديمة فى اثنين وعشرين مجلدًا، بالعربية والفرنسية، مقارنًا بالقبطية والعبرية، فرفضت لجنة مصلحة الآثار، التى كان يرأسها الفرنسيون آنذاك، نشره، حتى نشرته مكتبة الإسكندرية مؤخراً. جيل كامل من الرواد، من رفاعة الطهطاوى الذى نادى مبكرًا بحماية الآثار وتدريس التاريخ القديم، إلى سليم حسن صاحب «موسوعة مصر القديمة»، حاول أن يستعيد الحكاية بالعربية، لكن المؤسسة الدولية للعلم ظلت تتعامل مع المصرى بوصفه عاملًا فى الحفائر أو مفتشاً للأثار، لا مؤلفًا للمعرفة ذاتها.
فى هذا الفراغ تحديدًا نبتت الخرافة وازدهرت. فالقارئ الغربى الذى فُصلت أمامه الحضارة عن أهلها صار مهيأً لتصديق أى رواية تنسبها إلى غيرهم: إلى قارة أطلانتس الغارقة، أو إلى كائنات فضائية كما فى كتب فون دانيكن التى بيعت بالملايين، أو إلى حضارة سابقة غامضة تمتلك «علومًا مفقودة». وقبل ذلك كانت «علوم الهرم» الزائفة فى القرن التاسع عشر قد جعلت من الهرم الأكبر نبوءة مشفرة بالتواريخ المقدسة، وجاءت حكاية «لعنة الفراعنة» بعد وفاة اللورد كارنارفون عام 1923 لتكمل تحويل مصر إلى مسرح غيبى. واللافت أن هذه الخرافات جميعًا تتنكر فى زى الإعجاب، بينما هى فى جوهرها إهانة مقنَّعة: فالقول بأن كائنات فضائية بنت الأهرام معناه ببساطة أن أجداد المصريين لم يبنوها، وأن هذا الشعب عاجز عن إنجاز عظمته بيديه وعقله. الخرافة هنا ليست نقيض السردية الاستعمارية، بل ابنتها الشرعية.
ولم يقتصر التجاذب على الغرب وخرافاته. فحين رد الأفارقة على إقصاء هيجل بمركزية أفريقية تعيد مصر إلى القارة، كما فعل الشيخ أنتا ديوب، وردت عليهم مارى ليفكوفيتس فى «ليست من أفريقيا»، دار السجال كله تقريبًا فوق رؤوسنا وبغير مشاركتنا: الجميع يتنازع نسب مصر، متوسطية أم أفريقية أم شرقية، والمصريون خارج القاعة. والمفارقة أن لدينا فى تراثنا العربى نفسه ألف عام من الانشغال بمصر القديمة جرى شطبها من تاريخ العلم؛ فقد بيّن الباحث الدكتور عكاشة الدالى أن علماء العصور الوسطى المسلمين، من أمثال ابن وحشية وذى النون المصرى، حاولوا فك رموز الهيروغليفية قبل شامبليون بقرون، وتعاملوا مع مصر القديمة بوصفها ميراثهم لا ميراث الغرباء. حتى هذه «الألفية المفقودة» احتاجت إلى من يكتشفها من جديد لأن السردية السائدة قررت أن قصة العلم تبدأ من باريس.
وقد عرفت مصر لحظة واعدة كادت تستعيد فيها الحكاية. فبعد ثورة 1919، ومع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، صعدت «الفرعونية» تيارًا وطنيًا وأدبيًا: نحت محمود مختار «نهضة مصر»، وكتب توفيق الحكيم «عودة الروح»، وافتتح نجيب محفوظ مشروعه الروائى بثلاثية فرعونية، من «عبث الأقدار» إلى «كفاح طيبة»، مستعيدًا الماضى البعيد ليقول شيئًا عن الحاضر المحتل. كان الأدب حينها يفعل ما عجزت عنه المؤسسة العلمية: يعيد وصل المصريين بماضيهم بوصفه قصتهم هم. لكن هذا المد انحسر مع تحولات السياسة والهوية، ولم يتحول قط إلى مشروع معرفى مؤسسى مكتمل، فبقيت الاستعادة الأدبية جزيرة معزولة لم يسندها تعليم ولا بحث علمى بالعربية.
أما فى الداخل اليوم، فقد تركنا نحن أيضًا الحكاية شاغرة. فالمصريات تُدرَّس فى جامعاتنا بمعزل عن العلوم الإنسانية، وينشر باحثونا أهم أعمالهم بالإنجليزية والألمانية لجمهور المتخصصين فى الخارج، بينما لا يصل إلى القارئ العربى العام إلا الفتات، أو الإثارة التلفزيونية. والمدرسة المصرية تختصر ثلاثة آلاف عام فى صفحات معدودة عن الملوك والمعابد، فيخرج التلميذ وهو يعرف اسم توت عنخ آمون ولا يعرف شيئًا عن الفلاح الذى زرع، والعامل الذى بنى، والمرأة التى تعاقدت وورثت وطلّقت، وعمال دير المدينة الذين نظموا أول إضراب مسجل فى التاريخ فى عهد رمسيس الثالث. حين تغيب هذه المعرفة الحية من التعليم والإعلام، يصبح السوق مفتوحًا أمام بضاعتين رائجتين لا ثالث لهما: خرافة مستوردة تنسب الحضارة للفضائيين، وخطاب فخر صاخب يكتفى بترديد «عظمة أجدادنا» دون أن يقرأ لهم سطرًا واحدًا.
ما الذى ينبغى تعليمه إذن؟ ينبغى أولًا تعليم أن هذه الحضارة صنعها بشر، لا آلهة ولا كائنات خارقة ولا عبيد مسخَّرون؛ فحفائر مدينة عمال الأهرام أثبتت أن البناة كانوا عمالًا منظمين يتقاضون أجورهم خبزًا وبيرة، ويُعالَجون إذا مرضوا. وينبغى تعليم التاريخ الاجتماعى لا تاريخ الملوك وحدهم: الحياة اليومية، والطب، والقانون، ومكانة المرأة، وأصوات الناس العاديين فى برديّاتهم ورسائلهم. وينبغى تعليم الاستمرارية: أن المصرى الحديث امتداد لغوى وثقافى لسكان هذا الوادى عبر تحولاته القبطية والعربية والإسلامية، وأن القطيعة المزعومة أكذوبة استعمارية قبل أن تكون خطأ علميًا. أما ما لا ينبغى تعليمه، فهو الحضارة بوصفها كنزًا وذهبًا ولغزًا، أو سلعة سياحية نتغنى بها ولا نفهمها.
وأعود إلى سؤال الملف: من يتحدث باسم هذه الحضارة؟ الجواب عندى أنها لا تحتاج إلى ناطق رسمى ولا إلى حارس أوحد، فالعلم لا يُحتكر، والحضارة المصرية ميراث إنسانى يدرسه الجميع. لكنها تحتاج إلى أصحابها فى مقعد المؤلف لا فى مقاعد المتفرجين: مدارس مصرية للمصريات تنتج معرفتها وتنشرها بالعربية أولًا، ومناهج تصل الطفل بتاريخه بوصفه قصة أسرته الممتدة، ومجتمعات محلية شريكة فى مواقعها الأثرية لا غريبة عنها. إن أخطر ما فى المشهد الراهن ليس أن يختلف عالمان على قراءة، فالاختلاف صحة، بل أن يظل الخلاف كله دائرًا حول بيت كتب صك ملكيته آخرون بلغاتهم. مهمتنا، نحن جيل ما بعد الاستعمار المعرفى، أن نعيد كتابة الصك بلغتنا، بأدوات العلم لا بمزايدات الهوية، حتى لا يجد أطفالنا حكايتهم فى المرة القادمة إلا وقد رواها لهم غيرهم مرة أخرى.