حسين السيد
عادة ما يُنظر إلى كرة القدم على أنها مساحة ذكورية خالصة، يحتكر الرجال تفاصيلها، وحق حكايتها برؤيتهم الخاصة، وبنظرتهم -شديدة الحميمية- إلى ما يعتبرونه جزءًا من عالمهم الخاص، ومصدرًا دائمًا لسعادتهم وذكرياتهم، غير أن للحكاية نصفًا آخر يُغض -فى الأغلب- الطرف عنه، فلكرة القدم مشجعات مفتونات بسحرها، لا يقل حماسهن شيئًا عن حماس الرجال، وحتى أولئك اللاتى لا تشد الكرة انتباههن، ولا يفهمن من طريقة لعبها وقوانينها شيئًا، لم تستثنهن الساحرة المستديرة من تأثيرها وسطوتها التى تطال الجميع..
والمؤكد أن الكل -رجالًا ونساءً- وسواءً أحبوا كرة القدم أو لم يفعلوا، لديهم حكاياتهم ورؤاهم بشأنها، هنا نفرد مساحة لعدد من الكاتبات ليتثنى لنا أخيرًا الاستماع إلى الحكاية كما رصدتها عيونهن، وسجلتها ذاكرتهن..
يصعب عليّ أن أتحدث عن كأس العالم باعتباره مجرد بطولة لكرة القدم. بالنسبة لى هو مناسبة أرى فيها الزمن نفسه وهو يمر أمام عينيَّ. كل نسخة تحمل وجوهًا جديدة، وتودع وجوهًا أخرى، وتترك فى الذاكرة علامات يصعب محوها.
بدأت علاقتى بكرة القدم مبكرًا، أولى الصور التى ما زالت عالقة فى ذهنى يوم اعتزال الكابتن محمود الخطيب. كنت صغيرة ولم أكن أفهم تمامًا معنى الاعتزال، أو لماذا يبكى أحد أمام آلاف الحضور. رأيت يومها رجلًا يحبه الناس ويبكى وهو يغادر الملعب. لم أفهم المشهد، لكننى شعرت أنَّ شيئًا كبيرًا يحدث، والكبار والصغار فى شارعنا يتلقونه بحزن وأسى. بعد سنوات أدركت أن الجماهير لم تكن تودع لاعبًا فقط، بل كانت تودع جزءًا من ذاكرتها وأعمارها.
ربما لهذا السبب بقيت كرة القدم بالنسبة لى أكثر من مجرد لعبة؛ كانت دائمًا حكايات بشر، وانتصاراتٍ وهزائمَ، ووجوهًا تكبر أمامنا ثم تغادر تاركة أثرها.
أتذكر أيضًا أحاديث الكبار عن دييجو مارادونا. كنت أسمعهم يتحدثون عن الهدف الذى سجله بيده، ثم عن الهدف الآخر الذى راوغ فيه لاعبى إنجلترا وكأن الكرة جزء من جسده. كانوا يصفون ذلك الهدف بأنه «عدالة السماء»، وكنت أستمع إلى تلك الحكايات كما لو أنها أساطير قديمة. لم يكن مارادونا بالنسبة لى مجرد لاعب، بل شخصية خرجت من ذاكرة الناس واستقرت فى قلبى إلى الأبد.
ومع مرور السنوات بدأت أفهم أن كأس العالم ليست مجرد بطولة، بل هى المكان الذى تتحول فيه اللحظات العابرة إلى ذكريات جماعية. البطولة التى تجعل طفلًا يشاهد لاعبًا للمرة الأولى ثم يقضى سنوات طويلة يتحدث عنه وكأنه فرد من العائلة.
لهذا أجد نفسى اليوم أفعل الشيء نفسه مع ابنة أخي؛ عندما تبدأ مباريات كأس العالم أناديها لتجلس بجواري. أحاول أن أشرح لها أسماء اللاعبين والمنتخبات، لكنها أحيانًا تخلط الأمور كلها وتهتف فجأة: «أهلى أهلي» حتى لو كانت المباراة بين إسبانيا وكاب فيردي. أضحك من حماسها وأتركها تشجع بطريقتها الخاصة، ثم أعود لأحكى لها عن اللاعبين والمنتخبات وأهمية هذه البطولة.
أقول لها دائمًا: «تعالى شوفى ميسى وهو يلعب». لا أقول ذلك لأجعلها تشجع الأرجنتين، ولا لأننى أريدها أن تحفظ أسماء اللاعبين، بل لأننى أعرف أنها بعد سنوات طويلة ستروى لمن حولها ذكرى مشاهدتها لميسى وهو يلعب. وكما سمعت أنا حكايات مارادونا من جيل سبقني، ستروى هى حكايات ميسى لجيل يأتى بعدها.
أحرص كذلك على أن تشاهد محمد صلاح. أريده أن يكون جزءًا من ذاكرتها المبكرة. أريدها أن تعرف أن الأساطير لا تأتى دائمًا من أماكن بعيدة. أريدها أن ترى قصة نجاح مصرية بدأت من قرية صغيرة، ثم وصلت إلى أكبر ملاعب العالم؛ لتدرك أن الأحلام الكبيرة يمكن أن تبدأ من أماكن بسيطة جدًا. بالنسبة لى محمد صلاح ليس مجرد لاعب موهوب، بل نموذجٌ ملهم لما يمكن أن يحققه الإصرار والعمل والموهبة عندما تجتمع معًا.
وربما لهذا أحب كأس العالم أكثر من أى بطولة أخرى؛ فهو يمنحنى فرصة لرؤية المستقبل وهو يولد، وفى الوقت نفسه يمنحنى فرصة لتوديع الماضى قبل أن يتحول إلى ذكرى.
فى كل نسخة من البطولة أنتظر تألق لاعبين صنعوا فارقًا حقيقيًا فى كرة القدم. أحب أولئك الذين يغيرون شكل المباراة بلمسة واحدة، أو فكرة واحدة، أو لحظة عبقرية واحدة. لكننى فى الوقت نفسه أشعر بشيء من الحزن؛ لأننى أعرف أن بعض النجوم الذين رافقوا سنوات طويلة من حياتى يقتربون من محطتهم الأخيرة.
لهذا سيظل كأس العالم بالنسبة لى أكثر من مجرد منافسة لكرة القدم. إنه أرشيف للمشاعر، ومتحف للذكريات، وكرنفال تجتمع فيه الأعلام والمشاعر والشعوب بالحلم الإنسانى الواحد الذى يتجدد كل أربع سنوات، ثم يبقى فى قلوبنا طويلًا بعد أن تنطفئ الأضواء ويغادر الجميع الملعب.
«الحدّاية».. تراث فلسطينى حاضر فى تشجيع المنتخب المصرى
حكاية قصيدة الوقوف على قدم واحدة للشاعر أمل دنقل
حدود السائل والصلب: الثقافة المستقلة فى مصر بين البقاء والتحول






