د. محمود بركة
تساءل العديد من الأصدقاء والجماهير، بعد لحظة فوز منتخب مصر على أستراليا وتأهله إلى دور الـ16، سؤالًا واحدًا: «الفلسطينيون لحقوا يعملوا الأغنية دى إمتى؟». جاء هذا التساؤل فى لحظة جماهيرية عاشتها قلوب العرب بحب وفرح كبيرين. وانتبهت سريعاً إلى ما حدث فى فلسطين، إلى لحظة العناق التى عاشتها الجماهير فى غزة وعموم فلسطين مع الشعب المصرى احتفالاً بالفوز.
امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعى، منذ بداية بطولة كأس العالم، بنوع خاص من الفولكلور الفلسطيني، هو ما يُعرف بفن «الحدّاية»، الذى احتفى بالمنتخب المصرى ولاعبيه بكلمات تعبّر عن جوهر الموروث الشعبى الفلسطينى فى إحياء المناسبات المختلفة داخل فلسطين المحتلة، وإيصال الصوت خارج الحدود الجغرافية ليلامس وجدان شعوب الأرض، فى امتداد وجدانى يعكس أصالة الهوية العربية وجسدها الواحد.
ويأتى فن الحدّاية ضمن أشكال الفنون الفلسطينية المختلفة، حيث رافق هذا الموروث الفنى والشعبى ألواناً متعددة من الفنون، مثل الأهازيج الشعبية، والدحية، والدبكة، والربابة، واليرغول. ويُعد «الحدّاية» أحد أوجه التراث الفلسطيني، ويُعرف أيضاً بـ«الحدّاء» أو «الفنان الشعبي»، وهو الشاعر الشعبى الذى يبتكر الأغنيات بكلمات شعبية يتداولها الناس فى فلسطين، ضمن سياق يقوم على المحاورة والمناظرة بين الحدّائين. ولأجل إثارة الحماسة والتأثير فى الجمهور، يتطلب هذا الفن من الحدّاء امتلاك صوت قوي، وقدرة على مخاطبة وجدان الحضور والتفاعل مع المزاج الشعبى فى القرية أو المدينة. ومن المعروف لدى الفلسطينيين أن إقامة الحدّاية تتطلب، فى كثير من الأحيان، حضور حدّاءين أو أكثر، وقد يصل العدد إلى أربعة، تلبية لرغبة الجمهور فى الاحتفالات والمناسبات، حتى يعيش الحاضرون أجواءً شديدة التفاعل من خلال المناظرة الفنية بينهم، دون أى تحضير مسبق للكلمات أو الأبيات الغنائية، إذ تأتى الكلمة مرتجلة ووليدة اللحظة.
كما يتطلب هذا الفن سرعة البديهة، والقدرة على التخاطب والحوار مع الحدّاء الآخر، مع الالتزام بالإيقاع الشعرى والسياق الغنائى المتداول. فعلى سبيل المثال، يبدأ الحدّاء الأول بمقطع من الشعر الشعبي، فيرد عليه الآخر بجواب شعرى غنائي، فتأخذ الوصلة شكل الحوار القائم على السؤال والجواب، دون الخروج عن سياق البيت الشعرى أو قافيته، حتى يفتح أحدهما قافية جديدة بوزن غنائى جديد. ومن خلال الاستماع إلى فن الحدّاية، يُلاحظ غنى الحداء بمعرفة ثقافية واسعة تشمل أسماء البلاد والقرى، والأساطير، والرموز، والأحداث التاريخية، إلى جانب امتلاكه مهارة لغوية تمكنه من استدعاء أسماء الدول وعواصمها، وحضاراتها، ورموزها، ومواقعها الجغرافية. ويمنحه هذا المخزون الثقافى القدرة على خوض المحاورة الغنائية بحيوية، وإشعال حماسة الجمهور الحاضر أو حتى من يتابعه من خارج البلاد.
ولهذا التراث الشعبى جذور تاريخية تعبّر عن الشخصية الفلسطينية فى القرى وبيادرها، وتحفظ الحكايات والأمثال الشعبية عبر انتقالها من جيل إلى آخر. وتعيش الذاكرة الفلسطينية اليوم واحدة من أصعب لحظات تاريخها، نتيجة ممارسات لسياسات المحو والسرقة لحقوق الشعب الفلسطينى وأرضه وإرثه. ولم يقتصر الاستيطان الاستعمارى على السيطرة على الأرض واتساع المستوطنات فى الضفة الغربية والقدس، بينما تعيش غزة زمن الإبادة، وإقامة الحواجز التى تفصل المدن والبلدات وتعيق الحركة، بل بلغ الأمر أعلى درجات العنف بمحاولة سلب الهوية الفلسطينية خصوصيتها، من خلال سرقة التراث الفلسطينى بمكوناته كافة، من الملابس والطعام والأشجار، وصولًا إلى الاستيلاء على كثير من المفردات الفلسطينية المعروفة.
وهنا يمكن القول إن هناك ما يصعب على الاحتلال سرقته، وهو الوجدان الفلسطينى ذاته، بما يحمله من مهارات وشخصية عربية أصيلة. فالحدّاية الفلسطينية موروث أصيل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنسان الفلسطيني. فاللغة ليست مجرد حروف تُنطق، وإنما تكتسب معناها الحقيقى من ملامسة المشاعر، ومن طريقة التعبير والحركة والأداء. ولهذا نرى ونستمع إلى الحدّاية الفلسطينية فى ساحات الاحتفالات، حيث تشبه اللغة أصحابها، وتطرد من يحاول سرقتها من الغرباء الذين جاءوا لاحتلال فلسطين.
وعلى سبيل المثال، حين استمعنا إلى الفنانين الفلسطينيين شادى البوريني، وصهيب الجماعيني، وقاسم النجار، وما قدموه من كلمات مرتجلة، دون إعداد مسبق، إهداءً إلى مصر ومنتخبها الوطنى بعد كل فوز يحققه فى بطولة كأس العالم، كان السؤال: متى وكيف جرى تحضير ذلك؟ والإجابة عن هذا التساؤل، وما يحمله من محبة صادقة من المصريين، أن ما قُدِّم لم يكن سوى محاورة شعرية تنتمى إلى فن الحدّاية الفلسطينى، ارتجلها الحدّاؤون خلال احتفال أو مناسبة داخل الأراضى الفلسطينية، فى وصلة شعرية غنائية عبّرت عن فرحة الفلسطينيين بانتصارات المنتخب المصري، ومشاركتهم الشعب المصرى فرحته. وهى مقاومة تعبّر عن التماسك والامتداد العربي، وتشابك الإرث واللغة والوجدان، وهو ما يعجز احتلال الأرض عن مصادرته. ويمكن القول إن اللغة والفنون الشعبية تطرد من يحاول سرقتها، وقد جاء ارتجال الحداء الفلسطينى معبراً بصدق عن لحظة فرح جماهيرية امتدت من فلسطين إلى مصر وسائر البلاد العربية.
والسؤال عن الحدّاية الفلسطينية يفتح باب الحديث عن هذا النوع من الموروث الشعبي، الذى يستخدمه الفلسطينيون، على وجه الخصوص، خلال فصل الصيف وفى مناسبات متعددة، مثل الأفراح، لما يحمله من ارتباط وجدانى بخصوصية كلماته ومعانيه، القائمة على محاورة شعرية شعبية مرتجلة تتناول الموضوعات الوطنية والنضالية، وأسماء القرى والمدن الممتدة على طول الأرض الفلسطينية، فى سياق غنائى قريب من الوجدان العربي. ومن الواضح أن اللحظة التكنولوجية الراهنة، وما صاحبها من انتشار واسع لمنصات التواصل، أسهمت فى وصول فن الحدّاية إلى مختلف البلدان العربية، وأثارت التساؤل حول دور الفنون الشعبية، ومنها الفولكلور الفلسطيني، فى ترسيخ الذاكرة الوطنية، وحفظ التراث، فى مواجهة محاولات الطمس والسرقة التى يمارسها الاحتلال.
ومع حضور المنتخب المصرى فى بطولة كأس العالم، وما حققه من انتصارات رياضية عاشت معها الجماهير العربية والمصرية لحظات من الفرح، بادر الفلسطينيون، دون انتظار، إلى التعبير عن مشاعرهم، وعن الروابط التى تجمعهم بمصر. ففى غزة، وعلى الرغم من هول حرب الإبادة، وبين البيوت المدمرة والخيام، وفى ظل انقطاع الكهرباء، صنع الناس لحظات من الفرح ليشاركوا الجماهير المصرية احتفالها بمنتخبها الوطنى وإنجازاته. ومن الضفة الغربية، وجّه فنانو الحدّاية الفلسطينية تحية خاصة إلى مصر بكلمات شعرية غنائية عكست مزاج الشارع المصرى وواكبت تلك اللحظة. كما حظيت هذه المقاطع الفنية بتداول واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستقبلها الجمهور بكثير من السعادة والصدق. فالحدّاية فن يقوم على الارتجال، إذ تولد أبياته مع الحدث والمناسبة، ويستخرج فيها الفنان والشاعر الشعبى كلماته من مخزون ذاكرته. وهى قراءة متبادلة بين الشعوب العربية، فى نسيج اجتماعى ووطنى يجمعه التاريخ والحضارة والحاضر.
إن استعادة هذا الفن، وغيره من الفنون الشعبية، تمثل شكلاً من أشكال مقاومة النسيان، وتسهم فى ترسيخ الهوية العربية الجامعة، التى تحتاج دائمًا إلى من يدوّن ملامحها فى صفحات الحاضر والتاريخ وذاكرة الشعوب، استجابةً لحاجة وجدانية تبحث عن الفرح، وتصنعه رغم قسوة ما يحيط بها من أحداث.
سحر الكرة بعيون نسائية
حكاية قصيدة الوقوف على قدم واحدة للشاعر أمل دنقل
حدود السائل والصلب: الثقافة المستقلة فى مصر بين البقاء والتحول






