لم تكن «سهيلة» مجرد رقم جديد ينضم إلى ضحايا العنف الأسري، بل كانت تجسيدًا حيًا للصبر والكفاح؛ فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها، نبتت في بيئة بسيطة بمنطقة السلام، وحملت مبكرًا طهر المسئولية ونقاء السريرة بعد رحيل والدها، ثماني سنوات من التضحية والصمت، عاشتها خلف أبواب موصدة ونوافذ مغلقة، متشبثة بأمل واهن في أن يستفيق زوجها وأبو طفلتيها من كابوس الإدمان، تتحمل لأجلهما شتى ألوان التنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي، مفضلة إخفاء أوجاعها عن أقرب الناس إليها لئلا تخدش طمأنينة أسرتها.
لكن المأساة لم تمهلها طويلاً؛ ففي مساء يوم عادي، تحول رفيق دربها بفعل مخدر «الآيس» الفتّاك إلى وحش بشري هائج، لم يشفع لسهيلة هدوء طبعها ولا سنوات عزلها الطويلة، لتنتهي رحلة صبرها بنهاية مأساوية صادمة، بعدما أسقطها غارقة في دمائها بضربة غادرة هزت أركان منطقة السوق بالسلام.
تفتح هذه الجريمة المروعة، التي وضعت المتهم خلف القضبان تمهيدًا لمحاكمته، ملفًا شائكًا ومرعبًا حول كيمياء الدماغ وتحولات «الشخصية الانفجارية» تحت تأثير السموم المستحدثة، كما حلل شخصية المتهم أساتذة الطب النفسي وعلماء الاجتماع، والتي تحيل غريزة الحماية والسكينة داخل البيوت إلى هلاوس وضلالات اضطهادية قاتلة، تدفع المتعاطي لاغتيال أقرب الناس إليه بلا وعي أو رحمة.
كانت «سهيلة. ع» فتاة شابة جميلة الملامح تبلغ من العمر 25 سنة، تقيم في شارع اسبيكوا بمنطقة السلام، عرفت منذ صغرها معنى المسئولية نشأت داخل أسرة بسيطة الحال، فقدت والدها مبكرًا ووجدت والدتها نفسها تتحمل عبء تربية أبنائها الثلاثة وفي رحلة كفاح طويلة من أجل توفير حياة كريمة لهم، عرفت بين أفراد أسرتها بحسن الخلق وهدوء الطبع واحترامها للجميع فلم تكن من أصحاب المشكلات أو الخلافات،بل كانت شخصية محبوبة بين جيرانها وأقاربها تتميز بقلب رحيم وروح طيبة جعلتها قريبة من كل من عرفها تخفي معاناتها عن الجميع حتى عن أقرب الناس اليها لم تكن من الشخصيات التي تميل الى الشكوي أو إثارة المشكلات بل عرفت بصبرها وقدرتها على التحمل وكانت تحرص دائمًا أن لا تنقل أوجاعها إلى والدتها أو أشقائها.
فقبل نحو ثماني سنوات بدأت سهيلة «الضحية»فصلا جديدًا من حياتها بعدما تقدم إليها زوجها «القاتل» الذي أغدق عليها في البداية وعودًا معسولة بحياة مستقرة وسعيدة صدقت كلامه ووثقت به وتمسكت بحلمها البسيط في بيت يجمعها بزوج يحبها وأطفال يملأون حياتها فرحًا وبالفعل رزقت منه بطفلتين إحداهما تبلغ من العمر سبعة أعوام والأخرى خمسة أصبحتا محور حياتها والسبب في استمرارها في هذه الزيجة رغم كل ما كانت تواجهه، لكن كل الاحلام التي بنتها الضحية المسكينة سرعان ما بدأت تتهاوى مع انجراف الزوج إلى طريق الإدمان.
طريق الإدمان

في بداية الزواج لم يكن الزوج «القاتل» على الصورة التي انتهى إليها في سنواته الأخيرة ففي بداية حياته بدا شخصًا طبيعيًا يسعى إلى بناء أسرة مستقرة إلا أن مسار حياته بدأ يتغير تدريجيًا بعد ما انجرف إلى رفقة أصدقاء السوء وابتعد شيئًا فشيئًا عن مسئولياته تجاه منزله وأسرته وتحول إلى شخص آخر، ومع تعاطيه «مخدر الآيس»تسارعت وتيرة التغير في سلوكه حتى تحول إلى شخص مختلف تماما، عن الرجل الذي عرفته زوجته الضحية المسكينة في بداية زواجهما، ازدادت نوبات غضبه بصورة ملحوظة وأصبح سريع الانفعال وعنيف التصرف، وتحولت الحياة اليومية داخل المنزل إلى ساحة دائمة للتوتر والخوف وبدلا من أن يكون البيت مأوى للأمان صار مكانًا تعيش فيه الزوجة حالة مستمرة من القلق والترقب، ووفق رواية خالة الضحية وعدد من الجيران، لم يقتصر الامر على العنف الجسدي فقط وتعذيبها وإطفاء السجائر في جسدها، بل امتد إلى فرض عزلة كاملة عليها؛ إذ منعها من الخروج أو زيارة والدتها والتواصل الطبيعي مع عائلتها ما يقرب من خمس سنوات، لم تفكر في تصعيد الامر ليس ضعفًا أو استسلامًا بقدر ما كان خوفًا دائمًا على طفلتيها من الضياع، وعلى أسرتها وأشقائها من تهديدات الزوج المدمن المتكررة،فقد كان يلوح لها بإيذاء أفراد عائلتها كلما طلبت الطلاق أو اعترضت على ما تتعرص له من ضغوط كما أغلق الأبواب والنوافذ عليها في محاولة منه للسيطرة عليها بشكل كامل، وبينما كان الزوج يزداد غرقا في الإدمان ويبتعد أكثر عن مسئولياته الأسرية، كانت سهيلة وحيدة في مواجهة واقع مرير تحاول حماية طفلتيها والحفاط على ما تبقى ورغم ما يلاحقها من إهانات وسباب واعتداءات وما تعرضت له من عنف نفسي وجسدي على يد الزوج ظلت متمسكة بالأمل في أن يعود يومًا إلى طبيعته لكن الامل تلاشى امام زوج تحول إلى وحش بسبب إدمانه المخدرات فانتهت رحلة صبرها نهاية مأساوية.
الجريمة
في مساء يوم الواقعة وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من السابعة مساءً،كانت الضحية تمارس أعمالها المنزلية المعتادة في هدوء تحاول استكمال يومها كما اعتادت كل يوم منشغلة بترتيب شئون منزلها ورعاية طفلتيها بعيدا عن الخلافات التي باتت جزءًا من حياتها اليومية، لم تعلم أن الساعات المقبلة في هذا اليوم ستشهد الفصل الأخير من رحلتها الطويلة مع المعاناة.
ووفق ما ذكرته خالتها؛ أن الزوج افتعل خلافًا معها دون أسباب واضحة وبدأ قي توجيه عبارات حادة إليها قبل أن تتصاعد حدة التوتر داخل المنزل، حاولت الزوجة التي اعتادت الصمت وتجنب الصدام احتواء الموقف كما فعلت مرات كثيرة من قبل، لكن الكلمات الحادة سرعان ما تحولت لمشادة عنيفة وسط أجواء اعتادت فيها الضحية الخوف والصمت، ومع تصاعد الخلاف فقد المتهم السيطرة على نفسه وتحولت المشادة الى اعتداء جسدي عنيف وأمسك بقطعة خشبية «مولة» السرير ووجه بها ضربة قوية إلى الضحية المسكينة زوجته على رأسها لتسقط على الأرض متأثرة بإصابتها لتصارع لحظاتها الأخيرة بصراخ تعالت أصواته قبل أن تلفظ أنفاسها متأثرة بإصابتها.
بلاغ
تجمع الأهالي والجيران أمام المنزل في مشهد امتزجت فيه الصدمة مع الخوف ومع اكتشاف ما تعرضت له الزوجة الضحية على يد زوجها القاتل سارع الأهالي إلى إبلاغ قسم شرطة مدينة السلام وفي غضون دقائق انتقل رجال المباحث إلى مكان البلاغ لكشف ملابسات الحادث، المعاينة المبدئية كشفت وجود إصابات وآثار اعتداءات سابقة وحروق متفرقة ناتجة عن وقائع تعذيب وعنف تعرضت لها المجني عليها على مدار سنوات، فيما نقل الجثمان إلى المشرحة تحت تصرف النيابة، وبدأ فريق البحث في الاستماع إلى أقوال الشهود والجيران وأفراد أسرة الضحية الذين تحدثوا عن خلافات متكررة وعنف الزوج مع زوجته.
وخلال دقائق ألقى رجال البحث القبض على المتهم وأحيل للنيابة، المتهم يدعى «حلمي. م»يعمل بائع ملابس قبل إدمانه المخدرات، اعتاد التعدي على زوجته، وجهت النيابة له تهمة القتل العمد وقررت حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد له في المواعيد المقررة.
كيمياء الدماغ

من جهته قال دكتور أحمد عبد الجواد أستاذ علم نفس السلوك: السؤال في هذه الواقعة كيف يمكن لإنسان أن يتحول إلى وحش يتلذذ بآلام أقرب الناس اليه زوجته؟ الإجابة لا تكمن في تفسير واحد بسيط لكن تتطلب غوصًا عميقًا في البنية النفسية للجاني جرائم تعذيب الزوجات وقتلهن لا تنشأ عادة من سبب واحد بل هي نتيجة تفاعل معقد بين اضطرابات نفسية متجذرة منذ الطفولة وتاثير المخدرات التخلقية الخطيرة وعلى رأسها مخدر «الآيس»، والجاني هنا ومعظم الجناة يكونون قد تعرضوا في صغرهم للعنف أو الإهانة داخل أسرهم وتلك الصدمات النفسية المبكرة تؤدي إلى اضطرابات شخصية تتسم بالسادية والرغبة في التحكم والإيذاء، أضف إلى هذا تعاطي المتهم مخدر الآيس الذي نتج عنه زوال الضوابط النفسية والأخلاقية وقبلهما الأمان، وتحت تأثير هذا المخدر عزل المتهم زوجته عن المحيطين بها وأخذ يمارس ضدها التعذيب النفسي والجسدي بدافع الشكوك والاوهام ومع استمرار المتهم لتعاطي المخدرات تفاقمت السلوكيات العدوانية حتى وصل به الأمر إلى ارتكاب جريمة مروعة في حق زوجته.
ويضيف الدكتور جمال فرويز أستاذ الطب النفسي: بحسب ما تكشفه ملابسات الواقعة قد تميل شخصية المتهم إلى نمط الشخصية الانفجارية وهي من الشخصيات التي قد تبدو في كثير من الأحيان هادئة ومتعاونة ومحبة للمحيطين بها بل وقد تظهر قدرًا من الاهتمام والرعاية تجاه الزوجة والاسرة إلا أن ابرز سماتها تتمثل في عدم القدرة على التحكم في نوبات الغضب؛ حيث تتحول المواقف والخلافات البسيطة الى ردود أفعال عنيفة ومبالغ فيها وفي لحظات الانفعال الشديد يفقد صاحب هذه الشخصية السيطرة على سلوكه، وهو ما يدفعه إلى ممارسة عنف جسدي بالغ الخطورة وقد يتطور في بعض الحالات إلى ارتكاب جريمة قتل، الدراسات النفسية تؤكد تعاطي المواد المخدرة قد يؤدي إلى تغيرات حادة في الإدراك والسلوك وفقدان القدرة على التحكم في الانفعالات وارتفاع معدلات العدوانية والعنف كما قد يصاحب لدى بعض المتعاطين ظهور أفكار اضطهادية أو ضلالات مرضية تدفع الشخص إلى الاعتقاد بوجود خيانة أو مؤامرة من أقرب المقربين المقربين إليه دون وجود أدلة حقيقية وقد تتطور هذه الحالة في بعض الأحيان إلى سماع أصوات أو معتقدات وهمية تعزز تلك الأفكار الخاطئة وتدفع صاحبها إلى سلوكيات شديدة الخطورة وفي مثل هذه الحالات يصبح المتعاطي أسيرًا لتصورات غير واقعية قد تدفعه إلى ارتكاب أفعال إجرامية عنيفة كما نرى في هذه الجريمة، وطالما أنه لم يمتثل للعلاج مبكرًا تصبح الحياة معه تحت سقف واحد ينبئ بالخطورة كما في حالة هذه الزوجة التي دفعت الثمن حياتها.
كتاب رجل الأقدار| شهادة 3 من وزراء الداخلية توثق أخطر مرحلة في تاريخ مصر الحديث
ضربة أمنية موجعة لتجار الدواء المهرب
بعد أن حصدت 3 أرواح.. فريق متخصص في مطاردة الزواحف تمكن من اصطياد 7 أفاعي






