الشرقية: إسلام عبدالخالق
لم تعد الحقول في مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية بالنسبة لأهلها مجرد مصدر للرزق، بل تحولت في أيام قليلة إلى ساحة مفتوحة للخوف والترقب؛ بعدما صار الموت يخرج من بين نباتات الأرز وعلى حواف الترع والمصارف في هيئة ثعبان كوبرا سام يترصد كل من يقترب من الأرض التي عاش منها الفلاحون لعقود طويلة دون أن يتخيلوا أنها قد تتحول في لحظة إلى مصدر للرعب؛ في سلسلة امتد تأثير الرعب والفزع فيها ليحصد ثلاثة أرواح من بني البشر وأخرى من الأنعام، ما خلف حالة أقرب إلى تلك التي قد يتخيلها عوام الناس وهم يتابعون في هلع أنباء قاتل متسلسل يعيث في الأرض فسادًا دون أن يقوى أحد على الإمساك به أو منعه.

الضحايا
دائرة المآسي التي عاشها المركز اندلعت شرارتها قبل أسبوعين؛ في سلسلة بدأت بسيدة خرجت تبحث عن لقمة العيش، ثم طفل كان يساعد والده في الأرض، وطفلة لم تتجاوز سنواتها الأولى كانت تلعب بجوار أبيها، لتنتهي قبل ساعات بحيوان نافق داخل الحقول، بينما يظل الثعبان القاتل طليقًا.
قبل أيام قليلة فقط، كانت قرية «القراقرة» تعيش حياة هادئة كبقية القرى الزراعية، إلى أن خرجت «سهام أحمد مصطفى البسيوني»، ربة المنزل البالغة من العمر 37 عاما، إلى أحد الحقول للمشاركة في أعمال شتل الأرز، لم تكن تعمل ترفا، مثلها مثل آلاف السيدات الريفيات، كانت تسعى إلى توفير دخل يساعد زوجها في أعباء الحياة، ويؤمن احتياجات أطفالها الثلاثة.
كانت «سهام» تعرف أن العمل في الأرض شاق، لكنها لم تكن تعلم أن نهايتها ستكون بهذه الصورة؛ فبينما كانت تتحرك بين المياه الضحلة المزروعة بشتلات الأرز باغتها ثعبان كوبرا سام وغرس أنيابه في جسدها، في البداية ظنت ومن معها أن الأمر مجرد إصابة بسيطة، لكن السم بدأ ينتشر بسرعة هائلة داخل جسدها، وخلال دقائق نُقلت إلى المستشفى وسط محاولات لإنقاذها، إلا أن كل الجهود باءت بالفشل، وفارقت الحياة سريعا، تاركة وراءها ثلاثة أطفال لم يدركوا في تلك اللحظة أن أمهم لن تعود مرة أخرى: «سمير» الابن الأكبر، يبلغ من العمر 13 عاما، وجد نفسه فجأة مطالبا بأن يكون سندًا للأسرة رغم صغر سنه، وشقيقته «نورا»، ذات العشر سنوات، كانت لا تزال تنتظر عودة أمها لتعد لها الطعام وتساعدها في واجباتها المدرسية، أما الصغيرة «هيام»، ذات السنوات السبع، فلم تستوعب معنى الموت، وكانت تسأل بين الحين والآخر متى ستعود والدتها إلى المنزل.
ثلاثة أسماء
لم تجف دموع أسرة «سهام»، حتى تلقى أهالي القرية صدمة جديدة بعد عشرة أيام فقط؛ حين خرج الطفل «عبدالرحمن إبراهيم»، صاحب العشرة أعوام، رفقة والده إلى الأرض الزراعية، إذ كان الطفل يحب مرافقة والده ويشعر بالفخر لأنه يساعده في أعمال الزراعة، لم يكن أحد يتصور أن هذه المساعدة ستكون آخر ما يفعله في حياته، فبينما كان يتحرك وسط الحقل باغته الثعبان السام من نوع «كوبرا»، ولم تمض سوى لحظات حتى بدأت أعراض التسمم تظهر عليه، حمله والده مسرعًا إلى المستشفى، يسبق خطواته الدعاء والأمل، لكن السم كان أسرع من كل شيء، ورحل «عبدالرحمن» لتتحول رحلة عمل عادية إلى جنازة لطفل لم يعرف من الدنيا سوى اللعب والدراسة ومرافقة أبيه.
كانت القرى المجاورة تتابع المأساة بقلق بالغ، لكن أحدًا لم يكن يتوقع أن الضحية الثالثة ستكون طفلة صغيرة؛ ففي الثالث من يوليو الجاري، خرجت «ملك عصام»، صاحبة الإحدى عشرة سنة، بصحبة والدها إلى الأرض الزراعية بقرية «كفر حسين الطوبجي»، إذ كانت تلعب بالقرب منه بينما ينشغل هو بري الأرض، قبل أن تظهر الكوبرا فجأة من بين النباتات وتهاجم الطفلة، صرخت الصغيرة وسقطت على الأرض، بينما هرول والدها إليها في محاولة لإنقاذها، لكن اللدغة كانت قاتلة، وتحولت لحظات اللعب إلى مأساة جديدة، وسارت جنازة «ملك» وسط بكاء لم يتوقف، بعدما أصبحت ثالث ضحايا الكوبرا خلال أسبوعين فقط.
ثلاثة أسماء حفرت نفسها في ذاكرة أهالي منيا القمح خلال فترة قصيرة للغاية: «سهام»، ثم «عبدالرحمن»، ثم «ملك»، ثلاثة بيوت ارتدت السواد، وثلاث جنازات خرجت وسط ذهول الأهالي، وثلاث قصص مختلفة جمعها ثعبان واحد يعتقد الجميع أنه لا يزال يتحرك بين الحقول، ومع كل واقعة، كانت حالة الرعب تتسع؛ الأهالي يؤكدون أن ما يحدث لم يكن مألوفًا في السابق، ويقولون إن الثعابين كانت موجودة منذ سنوات، لكنها لم تكن بهذا العدد ولا بهذه الشراسة، فيما يشير عدد منهم إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة خلال فصل الصيف دفع الزواحف السامة إلى مغادرة جحورها والاقتراب من المناطق الزراعية والكتل السكنية، بينما أسهمت الترع والمصارف الممتلئة بالحشائش والمخلفات في توفير بيئة مناسبة لتكاثرها واختبائها.
وباتت مشاهد ظهور الثعابين داخل الأراضي الزراعية، وعلى أطراف المنازل، وحتى بالقرب من المدارس، تتكرر بصورة أثارت الذعر بين السكان، وسط تأكيدات من الأهالي أن الأطفال أصبحوا يخشون اللعب خارج المنازل، كما بات كثير من المزارعين ينزلون إلى حقولهم وهم يحملون عصيا وأدوات لمحاولة إبعاد أي زواحف قد تظهر فجأة.
صيادو الأفاعى
ويؤكد عدد من السكان أن الخوف لم يعد يقتصر على البشر فقط؛ ففي أحدث حلقات هذه الأزمة، شهدت إحدى العزب التابعة للوحدة المحلية بقرية «شبرا السلام» بمركز منيا القمح نفوق بقرة مملوكة لأحد المزارعين، بعدما تعرضت للدغة ثعبان سام داخل الحقول الزراعية قبل ساعات من كتابة هذه السطور، في واقعة بدت للوهلة الأولى مجرد خسارة لمزارع بسيط، لكنها بالنسبة للأهالي كانت جرس إنذار جديد يؤكد أن الخطر لا يزال يتجول بينهم، وأن الثعبان الذي خطف أرواح البشر قبل أيام لم يختفِ كما ظن البعض.
المزارع خرج إلى أرضه كعادته في ساعات الصباح الأولى، وكانت البقرة تتحرك في الأرض المجاورة له، قبل أن يلاحظ اضطرابها المفاجئ، ثم سقوطها على الأرض وهي تتلوى بصورة غير معتادة، فحاول هو ومن حوله إنقاذها، لكن دقائق قليلة كانت كافية لتلفظ أنفاسها الأخيرة بعدما تركت أنياب الثعبان أثرها في جسدها، ولم تكن الخسارة مجرد نفوق ماشية، بل كانت رسالة جديدة بثت الرعب في نفوس الفلاحين الذين باتوا يخشون النزول إلى أراضيهم، أو السماح لأبنائهم بالاقتراب من الحقول.
وسط مطالبات الأهالي بسرعة تطهير الترع والمصارف وإزالة الحشائش الكثيفة التي أصبحت مأوى للثعابين، إضافة إلى تكثيف حملات المكافحة، قبل أن تسقط ضحايا جدد، ومع تصاعد الأزمة، قرر عدد من أشهر صيادي الأفاعي في مصر التدخل بصورة تطوعية، في محاولة لإنهاء حالة الرعب التي يعيشها الأهالي؛ إذ توجه فريق يضم ستة من المتخصصين في اصطياد الزواحف، بقيادة الخبير أحمد الدكروني، إلى قرى منيا القمح، وبدأ عمليات تمشيط واسعة للحقول والمصارف والمناطق المحيطة بالمنازل، وبالفعل نجح الفريق في اصطياد سبعة ثعابين من أنواع مختلفة، بينها أنواع محدودة السمية مثل «أبو السيور»، إلا أن المهمة لم تنته، حيث أكد الخبراء أن الثعبان الأخطر، وهو «الكوبرا المصرية» التي يرجح أنها وراء الوفيات الثلاث، لم يعثر عليها حتى الآن.
ويرى أعضاء الفريق أن الكوبرا ربما تكون قد اختبأت داخل المصارف العميقة أو تحركت إلى قرى مجاورة بفعل الضوضاء التي صاحبت حملات البحث والتطهير الشعبية، وهذا الاحتمال وحده كان كفيلا بإبقاء حالة الاستنفار قائمة بين الأهالي، الذين أصبحوا ينظرون إلى كل حركة بين النباتات أو على حواف الترع باعتبارها تهديدا محتملا، وفي الوقت الذي تتواصل فيه جهود البحث عن الكوبرا، يعيش مركز منيا القمح أياما استثنائية، اختلط فيها موسم الزراعة بالخوف، وأصبح نزول الأرض بالنسبة لكثيرين مخاطرة يومية.
اقرأ أيضا: إنقاذ حياة شاب من مضاعفات لدغة ثعبان كوبرا بمستشفى قها التخصصي
كتاب رجل الأقدار| شهادة 3 من وزراء الداخلية توثق أخطر مرحلة في تاريخ مصر الحديث
ضربة أمنية موجعة لتجار الدواء المهرب
جريمة تهز القلوب.. أب يقيد ابنته بالجنزير ويعذبها يوميًا بمساعدة زوجته






