نبض الصحة

د. حسام عبدالغفار يكتب: الوقاية: أن نختار كيف نحيا

د. حسام عبدالغفار
د. حسام عبدالغفار


منذ فجر الطب، تعوّدنا أن نرى الوقاية إجراء احترازيًا محضًا؛ خطوةً تقنيةً باردة تُقاس بجرعة لقاح، أو موعد فحصٍ دورى نُدوّنه فى التقويم كواجبٍ لابد من إنجازه، لكن من يتأمل جوهر «الوقاية» يكتشف أنها أبعد من ذلك بكثير، إنها ليست تأجيلًا للمرض، بل هى موقفٌ وجودى كامل من الحياة نفسها؛ فلسفةٌ فى كيفية أن نُقيم علاقتنا بأجسادنا، وبالزمن الذى نعيشه، وبالمستقبل الذى لم يأتِ بعد.

حين يختار الإنسان أن يعتنى بجسده اليوم، فهو لا يشترى تأمينًا ضد غدٍ مجهول فحسب، بل يُعلن، إيمانه بأن الحاضر يستحق أن يُصان، وأن الحياة ليست مجرد فترة انتظارٍ صامتة بين ميلادٍ وموت، بل مساحةٌ حيةٌ نابضة تستحق الرعاية فى كل لحظةٍ من لحظاتها، لا فى اللحظة التى يُعلن فيها الجسد عصيانه.

بهذا المعنى، تكون الوقاية أقرب إلى الحكمة؛ فالحكيم لا ينتظر الأزمة ليتعلم منها، والمريض بالمعنى الفلسفى العميق ليس فقط من أصابه الداء، بل من عاش غافلًا عن جسده وصوته الداخلى حتى فاجأه المرض بلا سابق إنذار..

أما من يمارس الوقاية، فهو يعيش فى حالة يقظةٍ دائمة، يُصغى لجسده، كما يُصغى لصوتٍ حكيمٍ يستحق الاحترام لا التجاهل، ويتعامل مع صحته بوصفها مسئوليةً يومية لا مكسبًا عرضيًا.

وفى زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتراكم فيه الأعباء والضغوط والمشتتات، تصبح الوقاية فعل مقاومةٍ هادئ وعميق؛ مقاومة للإهمال الذى يتنكر أحيانًا فى ثوب الانشغال المشروع، ومقاومة لثقافةٍ سائدة تُقدّس العلاج وتُبجّل التدخل الطارئ، وتتناسى أن أفضل علاجٍ على الإطلاق هو ذاك الذى لم نحتج إليه أصلًا.

وعلى المستوى الجمعى، فإن الأمم التى تستثمر فى الوقاية لا تُوفر أموالًا وموارد فحسب، بل تصون كرامة مواطنيها من ألمٍ لا داعى له، ومن معاناةٍ كان يمكن تجنبها بيسر لو أُوليت الوقاية اهتمامًا يوازى اهتمامنا بالعلاج.

وكذلك الأمر على المستوى الفردى؛ فحين يتبنى الإنسان الوقاية كفلسفة راسخة لا مجرد نصيحة طبية عابرة يسمعها ولا يأخذ بها، فإنه يمنح نفسه هدية الحضور الكامل فى حياته، اليوم، لا فى يومٍ مؤجلٍ.

فالصحة، فى نهاية المطاف، ليست مجرد غياب المرض، بل هى حضور الحياة بكل معناها وثقلها وجمالها؛ وهذا بالضبط ما تعنيه الوقاية حين نفهمها كفلسفةٍ لا إجراء.