الخلاف المشتعل بين غرفة صناعة السينما من جهة، ونقابتى المهن السينمائية والتمثيلية وجمعيتى مؤلفى الدراما وأبناء الفنانين من جهة ثانية حول حق الأداء العلنى، تجاوز حدود تفسير النصوص القانونية ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا، هل تنتهى علاقة الفنان بعمله بمجرد تقاضى أجره، أم يظل شريكًا فى القيمة الاقتصادية التى يحققها هذا العمل لسنوات طويلة؟
غرفة صناعة السينما تدافع عن رؤية تبدو منطقية من زاوية الاستثمار؛ فالمنتج هو من يتحمل التمويل والمخاطرة، ويواجه الخسارة إذا فشل المشروع، ومن ثم يرى أن حقوق الاستغلال المالى انتقلت إليه بموجب العقود التى وقعها مع المؤلفين والممثلين، وأن العقد شريعة المتعاقدين، وفى ظل الارتفاع الجنونى لتكاليف الإنتاج وتراجع الإيرادات، تبدو أى أعباء جديدة تهديدًا حقيقيًا لصناعة تعانى أصلًا من أزمات متلاحقة.
لكن هذه الرؤية، رغم وجاهتها، تغفل أن رأس المال وحده لا يصنع فيلمًا ناجحًا. فالفيلم هو نتاج إبداع جماعى يشارك فيه المؤلف والمخرج والممثل والموسيقى وسائر العناصر الفنية. وإذا كان العمل يواصل تحقيق العوائد عبر القنوات الفضائية والمنصات الرقمية لعقود، فلماذا يتوقف نصيب أصحاب الإبداع عند الأجر الذى تقاضوه يوم انتهاء التصوير؟
المفارقة أن كل طرف يستند إلى القانون، لكن كل طرف يقرأه بما يخدم موقفه، وبين التفسيرات القانونية المتباينة تضيع القضية الحقيقية، وهى غياب منظومة عصرية لإدارة حقوق الأداء العلنى والحقوق المجاورة، على غرار ما هو معمول به فى أغلب الصناعات السينمائية الكبرى، حيث تُحصَّل هذه الحقوق وتُوزَّع بشفافية، بعيدًا عن الصدام بين المنتجين والمبدعين. القضية إذن ليست قانونية فحسب، بل ترتبط بضرورة تحديث صناعة لم تعد تعمل بالآليات نفسها التى كانت سائدة قبل عقود، فقد غيّرت المنصات الرقمية مفهوم استغلال المصنفات الفنية، وأصبح الفيلم أصلًا اقتصاديًا يحقق عوائد متجددة، وهو ما يفرض إعادة النظر فى كيفية توزيع هذه العوائد بما يحقق العدالة ويحافظ فى الوقت نفسه على جاذبية الاستثمار.
إن تصوير الأزمة باعتبارها مواجهة بين المنتج والفنان لن يخدم أحدًا، فنجاح الصناعة يقوم على التوازن بين حماية رأس المال وصون حقوق الإبداع.
ويبقى السؤال الذى سيحسم مستقبل هذه المعركة، إذا كان الفيلم يحقق أرباحًا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا من إنتاجه، فمن الأحق بنصيب منها؟ هل يظل رأس المال وحده صاحب العائد، أم أن الإبداع الذى منح العمل حياته يستحق بدوره نصيبًا من ثماره؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العلاقة بين المنتج والمبدع، وربما مستقبل السينما المصرية نفسها.

فساد «الفيفا» لا يمكن أن يستمر
من «التمثيل المشرّف» إلى «القتال بشرف»
عمرو الخياط يكتب: المشروع الوطنى






