عمرو الخياط يكتب: المشروع الوطنى

عمرو الخياط
عمرو الخياط


هناك لحظات فى عمر الأوطان لا تُقاس بنتيجة مباراة، ولا بعدد الأهداف، وإنما بما تتركه فى النفوس من مشاعر، وما تبنيه فى الوجدان من انتماء. وما حدث فى مصر عقب الإنجاز التاريخى الذى حققه المنتخب الوطنى فى البطولة العالمية لكرة القدم لم يكن مجرد احتفال رياضى، بل كان مشهدًا وطنيًا نادرًا أعاد اكتشاف العلاقة بين المواطن ووطنه.


لأيام متتالية، لم يكن الحديث فى البيوت والمقاهى ووسائل المواصلات سوى عن منتخب مصر، ولم تكن الشوارع تكتسى إلا بلون واحد هو لون العلم المصرى. والأكثر دلالة أن السلعة الأكثر رواجًا ومبيعًا خلال تلك الفترة لم تكن هاتفًا أو جهازًا إلكترونيًا أو منتجًا استهلاكيًا، بل كان العلم المصرى. وهذه ليست مجرد حركة بيع وشراء، وإنما رسالة عميقة تؤكد أن الانتماء حين يجد من يوقظه يتحول إلى سلوك يومى يفتخر به الجميع.


لقد أثبتت التجربة أن المصريين لا تنقصهم الوطنية، وإنما يحتاجون إلى حدث يجمعهم حول هدف واحد، وإلى إنجاز يشعرهم بالفخر، وإلى قصة نجاح تجعلهم يلتفون حول راية الوطن بعيدًا عن أى اختلاف. وعندما تحقق ذلك، اختفت الفوارق الاجتماعية، وتلاشت الانقسامات، وأصبح الجميع يهتف باسم مصر قبل أى شىء آخر.


إن ما صنعه الفريق القومى لم يكن مجرد إنجاز رياضى، بل إنجاز مجتمعى أعاد الروح إلى الشارع المصرى، ورسخ لدى الأجيال الجديدة معنى الانتماء، وأثبت أن الرياضة يمكن أن تكون إحدى أقوى أدوات بناء الوعى الوطنى وتعزيز الهوية المصرية.
غير أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى صناعة هذه الحالة، وإنما فى الحفاظ عليها وتنميتها. فالانتماء لا ينبغى أن يكون موسميًا يرتبط ببطولة أو مباراة، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة دائمة وسلوك يومى. وهذا يتطلب دورًا متكاملًا من مؤسسات الدولة، والمدرسة، والجامعة، والأسرة، والإعلام، والأندية الرياضية، ومنظمات المجتمع المدنى.


ففى المدارس، يجب أن تُرسَّخ قيمة احترام العلم والنشيد الوطنى، وربط الطلاب بتاريخ وطنهم وإنجازاته.

وفى الإعلام، ينبغى أن تستمر النماذج الإيجابية وقصص النجاح التى تمنح الناس الأمل والثقة، بدلًا من الاكتفاء بمساحات الجدل والإحباط. أما الرياضة، فقد أثبتت أنها ليست مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، وإنما قوة ناعمة قادرة على توحيد الملايين حول هدف واحد.


كما أن الحفاظ على هذه الروح يتطلب الاستثمار فى الشباب، وتوفير الفرص أمام الموهوبين، وتشجيع المبادرات الوطنية والتطوعية، حتى يشعر كل مواطن بأنه شريك حقيقى فى صناعة مستقبل بلده، وأن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، وإنما مسئولية تُمارس.


لقد أعاد المنتخب الوطنى للمصريين شيئًا ربما افتقدوه منذ سنوات، وهو الشعور بالفخر الجماعى. وأعاد للعلم المصرى مكانته فى الشوارع وعلى الشرفات والسيارات، ليس باعتباره قطعة قماش، بل رمزًا لوطن التف الجميع حوله فى لحظة صدق نادرة.


إن الحفاظ على هذا المكسب المعنوى مسئولية وطنية لا تقل أهمية عن أى إنجاز اقتصادى أو تنموى، لأن الأوطان القوية لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالقلوب التى تؤمن بها، وبالمواطنين الذين يرفعون علمها عن قناعة واعتزاز.


فإذا كان المنتخب قد نجح فى إعادة المصريين إلى الالتفاف حول علمهم، فإن الواجب الآن هو تحويل هذه اللحظة الاستثنائية إلى مشروع وطنى دائم، يبقى فيه العلم المصرى حاضرًا فى الوجدان، كما كان حاضرًا فى الأيدى، ويظل الانتماء هو أعظم انتصار حققته مصر، وأغلى مكسب خرجت به من تلك الملحمة الرياضية.