إســـلام عفيفى يكتب: الأوكتاجون والضبعة والمنتخب

إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى


فى أسبوع واحد، كانت مصر على موعد أمام صورتين لمعنى الدولة حين تتحول من إدارة اليوم إلى صناعة المستقبل، الأوكتاجون من جهة، والضبعة من جهة أخرى، الأول يرمز إلى عقل الدولة فى إدارة الأمن والردع والقيادة والسيطرة، والثانى يرمز إلى إرادة الدولة فى امتلاك التكنولوجيا والطاقة والمعرفة.

وبينهما تظهر الفكرة الأعمق: مصر لا تبنى القوة كى تذهب إلى الحرب، بل تبنيها كى لا تُفرض عليها الحرب، ولا تبنى الطاقة النووية السلمية كترف سياسى، بل كجزء من استقلال القرار وحماية المستقبل. الأوكتاجون ليس مبنى عسكريًا ضخمًا يمكن اختزاله فى حجمه أو تصميمه، هو إعلان عن طريقة تفكير، فى عالم تتغير فيه الحروب، لم يعد الخطر يأتى فقط من جيش يعبر الحدود، الخطر اليوم قد يأتى من طائرة مسيّرة، أو هجوم سيبرانى، أو اضطراب فى ممر ملاحى، أو انهيار دولة مجاورة، أو ميليشيا عابرة للحدود، أو حرب معلومات تستهدف الوعى قبل الأرض، لذلك فإن الدولة الحديثة لا تحتاج إلى سلاح فقط، بل إلى عقل قيادة قادر على الرؤية المبكرة، والتنسيق السريع، واتخاذ القرار فى لحظة لا تسمح بالارتباك.

هنا يصبح الأوكتاجون رمزًا لفلسفة الردع الجديدة. الردع ليس أن تقول إنك قوى، بل أن تمتلك بنية تجعل الآخر يعرف أنك ترى وتفهم وتستطيع التحرك، الردع ليس صراخًا، ولا استعراضًا، ولا رغبة فى الاشتباك، بل قدرة منظمة تجعل تكلفة المغامرة ضدك أكبر من أى مكسب مُحتمل، وهذه هى الرسالة التى تحتاجها دولة مثل مصر، محاطة بإقليم مضطرب من ليبيا إلى السودان، ومن غزة إلى البحر الأحمر، ومن شرق المتوسط إلى ملفات الطاقة والملاحة والهجرة غير الشرعية.

أما الضبعة، فهى الوجه الآخر للقوة، هناك مَن لا يرى القوة إلا فى السلاح، وهذا فهم ناقص، فالدولة التى تملك مصادر طاقتها وتنوعها لا تحمى مصانعها ومدنها فقط ، بل تحمى قرارها السياسى من الابتزاز، والضبعة ليست مجرد محطة نووية لإنتاج الكهرباء، بل دخول منظم إلى مجال كان مُؤجلًا لعقود طويلة، حلم قديم ظل حاضرًا فى الخطاب المصرى، لكنه ظل مُؤجلًا حتى وجد دولة تستطيع نقله من الورق إلى التنفيذ.

الضبعة تعنى أن مصر لا تريد أن تظل أسيرة مصدر واحد للطاقة، ولا لتقلبات الأسواق، ولا لضغوط الوقود، ولا لحسابات اللحظة، دولة تريد صناعة ومدنًا جديدة واستثمارًا وتصديرًا، لا تستطيع أن تتعامل مع الطاقة باعتبارها ملفًا فنيًا فقط، الطاقة فى هذا العصر جزء من الأمن القومى، مثل: الحدود والمياه والغذاء والسلاح. 

لذلك فإن اجتماع الأوكتاجون والضبعة فى توقيت متقارب ليس مصادفة معنوية، نحن أمام مشروع دولة يبنى جناحين فى وقت واحد: جناح الحماية وجناح التنمية، الأوكتاجون يحمى القرار من الخارج، والضبعة تحمى المستقبل من الداخل، الأول يقول إن مصر لن تكون دولة مكشوفة أمام التهديدات، والثانى يقول إنها لن تترك مستقبلها للطاقة التقليدية وحدها، وكلاهما يقول إن الدولة التى تريد البقاء مؤثرة لا تكتفى بإدارة الأزمات، بل تبنى القدرة قبل أن تأتى الأزمة.

وهنا يجب أن نربط القوة بالسلام، مصر ليست دولة تبحث عن الحرب، وتاريخها القريب يؤكد أنها تتحرك دائمًا لإطفاء الحرائق، فى غزة، تتحرك للتهدئة ورفض التهجير وفتح مسارات المساعدات، فى السودان تدفع نحو الحفاظ على الدولة ومنع الانهيار الكامل، فى ليبيا وضعت خطوطًا حمراء لمنع انتقال الفوضى إلى حدودها، وتواصل دعمها للحل السياسى، فى البحر الأحمر تدرك أن حماية الملاحة لا تعنى التورط غير المحسوب، بل إدارة المصالح بحذر وقوة، هذه هى الدولة الرشيدة: تبنى الردع، لكنها تستخدمه لكى تمنع الحرب لا لكى تستدعيها.

وهنا يظهر الفرق بين القوة العاقلة والقوة المتهورة، القوة العاقلة تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، متى تحشد ومتى تفاوض، متى تضع خطًا أحمر، ومتى تفتح قناة اتصال، أما الضعف فيُغرى الآخرين باختبارك، والتهور يورطك فى معارك لا تريدها، مصر تحاول أن تقف فى المنطقة الصعبة بين الاثنين: لا ضعف يسمح بالابتزاز، ولا اندفاع يحرق الدولة فى حروب الآخرين.

فى هذا السياق، يصبح افتتاح الأوكتاجون ومشروع الضبعة رسالة مزدوجة، أن الدولة لا تعيش على ردود الفعل، بل تبنى أدوات المستقبل. وأنها دولة سلام، لكن سلامها ليس سلام العاجز، بل سلام القادر، تريد التهدئة، لكنها لا تقبل التهديد، تريد الاستقرار، لكنها لا تترك نفسها بلا أدوات، تريد التعاون، لكنها تفهم أن التعاون الحقيقى لا يحترمه الآخرون إلا إذا صدر عن دولة قوية.

ووسط هذه الصورة، يأتى استقبال منتخب مصر رسميًا بعد تجربته فى كأس العالم كجزء من المعنى نفسه، وإن بدا بعيدًا عن الأوكتاجون والضبعة، فالدول لا تُبنى بالقوة الصلبة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى قوة ناعمة تجمع الناس حول علم واحد، المنتخب خاض تجربة كبيرة، وخرج المصريون خلفه بالفرح والقلق والغضب والأمل، وهذه فى حد ذاتها قيمة؛ أن يكون هناك رمز قادر على جمع البيوت والشوارع والمقاهى حول مصر.

الاستقبال الرسمى للمنتخب يعنى أن الدولة ترى الرياضة جزءًا من صورتها وروحها وقوتها الناعمة، المنتخبات لا تُبنى من بطولة واحدة، والخبرة لا تتراكم إلا بالمشاركة والاحتكاك والاعتراف بما تم وما نقص، قد لا تصل إلى كل ما حلمت به، لكنك تخرج بجيل عرف معنى اللعب تحت ضغط العالم، وجمهور عرف أن الفرح الوطنى ليس تفصيلًا صغيرًا فى حياة الشعوب.

ومن هنا، تبدو المشاهد الثلاثة، رغم اختلافها، متصلة: الأوكتاجون يحمى الدولة، والضبعة تبنى مستقبلها، والمنتخب يجمع وجدانها، الأولى قوة صلبة، والثانية قوة تنموية وتكنولوجية، والثالثة قوة ناعمة، والدولة الذكية تعرف أن النفوذ لا يصنعه السلاح وحده، ولا الاقتصاد وحده، ولا الصورة وحدها، بل توازن كل هذه الأدوات.

الذين ينظرون إلى الأوكتاجون باعتباره مبنى فقط، أو إلى الضبعة باعتبارها محطة فقط، أو إلى المنتخب باعتباره فريق كرة فقط، يفقدون المعنى الأكبر، مصر تحاول أن تقول إنها دولة قادرة على حماية قرارها، وبناء طاقتها، وصناعة صورتها، وإعطاء شعبها أسبابًا للفخر، وقد يكون الطريق مكلفًا وصعبًا، وقد تكون هناك تحديات اقتصادية وأسئلة مشروعة حول العائد والأولوية، لكن الدول التى لا تبنى أدوات القوة اليوم تدفع غدًا ثمن الاعتماد على الآخرين.

الأوكتاجون والضبعة ليسا حلمين يريان النور فقط، بل علامتان على انتقال الدولة من منطق البقاء إلى منطق القدرة، مصر التى عاشت سنوات من الاضطراب فهمت أن السلام لا تحميه النوايا، وأن التنمية لا تصنعها الأمنيات، وأن المستقبل لا ينتظر المترددين، لذلك تبنى قيادة استراتيجية، وتدخل عصر الطاقة النووية السلمية، وتحتفى بمنتخبها كجزء من قوتها الناعمة.

هذه هى الرسالة: مصر تبنى قوتها كى تصنع سلامًا محترمًا، لا سلامًا هشًا، تبنى ردعها كى تمنع المغامرة ضدها، لا كى تبحث عن مغامرة، وتبنى أحلامها القديمة كى تقول إن الدولة التى استعادت نفسها قادرة على أن ترى أحلامها وهى تتحول إلى واقع.

الأوكتاجون يحرس القرار، والضبعة تحرس المستقبل، والمنتخب يحرس لحظة الفرح، وبين الثلاثة تظهر مصر كما تريد أن تكون: دولة قوية، عاقلة، تسعى للسلام، لكنها تعرف أن السلام فى هذا العالم لا ينجو إلا إذا كان وراءه قوة.