عام يوصف بالأسوأ لدى تنظيم جماعة الاخوان الإرهابية التي طالما استظلت بدعم ورعاية الولايات المتحدة الأمريكية بمختلف إداراتها منذ السنوات الاولى لتأسيسها، حازت المنظمة الإرهابية في السابق على الشرعية والتمويل اللازم لتنفيذ مخططات ومؤامرات مشتركة لكلا الطرفين، إلا أن الامور انقلبت رأسًا على عقب في الفترة الأخيرة؛ حيث تزداد إدارة الرئيس ترامب إصرارًا على تصنيف وكشف مؤامرات ونوايا الجماعة الإرهابية لنزع شرعيتها ومكانتها في الولايات الأمريكية لتدخل ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأخطر في العالم.
في يناير الماضي أصدر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بيانًا صحفيًا جاء فيه: «اليوم، وكخطوة أولى لدعم التزام الرئيس ترامب بالقضاء على قدرات وعمليات فروع جماعة الإخوان المسلمين التي تُشكل تهديدًا للولايات المتحدة، كما هو موضح في الأمر التنفيذي رقم 14362، تصنف الولايات المتحدة الفروع اللبنانية والأردنية والمصرية لجماعة الإخوان على أنها منظمات إرهابية».
تحرك جاد
أشارت وزارة الخارجية في بيانها إلى تصنيف فرع جماعة الإخوان المسلمين في لبنان كمنظمة إرهابية أجنبية وكيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص، وفي الوقت نفسه تُصنف وزارة الخزانة فرعي جماعة الإخوان في مصر والأردن كمنظمات إرهابية عالمية، مشيرة إلى أن تلك التصنيفات تعكس الإجراءات الأولية لجهد مستمر ومتواصل لإحباط أعمال العنف وزعزعة الاستقرار التي تقوم بها فروع جماعة الإخوان أينما توجد، واشارت إلى استخدام الولايات المتحدة جميع الوسائل المتاحة لحرمان فروع تلك المنظمة من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه.
جاء تحرك الإدارة الأمريكية الجاد تطبيقًا للأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس ترامب في نوفمبر العام الماضي، ومنح بموجبه وزارتي الخارجية والخزانة الصلاحية لتحديد أفضل السبل لتصنيف فروع الجماعة وفرض العقوبات عليها، ونص الأمر وقتها على تقديم تقرير مشترك للرئيس ترامب خلال 30 يومًا حول آلية تطبيق الأمر التنفيذي، واتخاذ الإجراءات اللازمة خلال 45 يومًا من تقديم التقرير.
حظر عالمى
صنفت العديد من دول العالم الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية على المستوى الوطني، منها مصر والإمارات والسعودية وسوريا، بالإضافة إلى تعامل العديد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا مع فروع محددة أو نشاطات مرتبطة بالإخوان على أنها تهديدًا أمنيًا خطيرًا، ومن داخل الولايات المتحدة الامريكية صنفت ولايتا فلوريدا وتكساس الجماعة كمنظمة إرهابية على المستوى المحلي.
تشير وثيقة الخارجية الامريكية تصنيف الولايات المتحدة للجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية إلى أن جماعة الإخوان تأسست في مصر عام 1928، ومنها تحولت إلى شبكة عابرة للحدود تضم فروعًا في الشرق الأوسط وخارجه، وتشارك هذه الفروع في أنشطة عنف وزعزعة استقرار المنطقة، وتوصي الوثيقة باتخاذ واشنطن إجراءات عقابية ضد الجماعة منها تجميد أي أصول لها في الولايات المتحدة، ومنع دخول أعضائها، ولم تكتف الوثيقة الاستراتيجية للبيت الأبيض بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين رسميا كمنظمة إرهابية أجنبية بل اعتبرت أن التنظيم تسبب في وجود التنظيمات الإرهابية المتشددة كتنظيم القاعدة وداعش، وتوصف الوثيقة بالمنعطف الحاد في مسار السياسة الأمريكية التي تستخدم أدوات التصنيف الجديدة لمواصلة الضغط على شبكات الإخوان العالمية ومنعها من التجنيد أو التمويل ضد الولايات المتحدة.
تصحيح المسار
شهدت الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، سياسة أكثر حزمًا لمكافحة التطرف والإرهاب، واعترفت إدارة ترامب بالتحذيرات المتتالية لخبراء الامن التي ظلت تتغاضى عنها الإدارات السابقة حول دور جماعة الاخوان التي تعمل كمظلة تخرج منها مختلف التنظيمات المتشددة كالقاعدة وداعش، وهو ما راهنت عليه الإدارات السابقة لإحداث فوضى في العالم العربي تحت مسمى ثورات الربيع العربي إلا أن المسار يتصحح اخيرًا لتوصف جماعة الاخوان بمنبع لجماعات العنف والإرهاب في امريكا تحديدًا.
تعكف إدارة ترامب الحالية على اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية أجنبية ضمن استراتيجية البيت الأبيض لمكافحة الإرهاب، وأعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستدرج قريبًا فروعًا إضافية للتنظيم تشمل دولا أخرى مثل اليمن وماليزيا، وعلى المستوى المحلي فرض حاكم ولاية تكساس حظرًا رسميًا بوضع جماعة الإخوان ومنظمة كير (CAIR) على اللائحة السوداء للمنظمات الإرهابية داخل الولاية وشمل القرار منع الجماعة والمنظمات التابعة لها من حق شراء الأراضي داخل الولاية، وتدرس عدة ولايات جمهورية اخرى الانضمام إلى هذا الحظر وتطبيق إجراءات مماثلة، أما عن اهم التبعات القانونية والمالية فتأتي مصادرة الأصول على رأس الخسائر المادية للإخوان؛ حيث تعمل إدارة ترامب على تجميد ومصادرة جميع الأموال والأصول والممتلكات المرتبطة بالفروع المصنفة والموجودة داخل أمريكا، بالإضافة إلى الملاحقة القضائية عبر تجريم الانتماء للجماعة ومحاكمة أعضائها بتهمة دعم منظمة إرهابية أجنبية، وتقييد الحركة ومنع عناصر التنظيم وفروعه المستهدفة من دخول الأراضي الأمريكية أو السفر إليه.
علاقات تاريخية
تحمل علاقة أمريكا وجماعة الإخوان فصولا عديدة منذ عقود، بدأت الاتصالات بين مسئولين أمريكيين والإخوان في مصر منذ تأسيسها على يد عميد إرهابي العالم حسن البنا، وفي الأربعينيات من القرن الماضي كان مدخل الحوار بينهما هو مقالات البنا التي تهاجم الشيوعية حين عرضت امريكا التعاون مع حسن البنا لمحاربة العدو المشترك، واضعة اسس التعاون بينهما «برجالكم ومعلوماتكم ونحن بمعلوماتنا وأموالنا»، ولاقت رسالة الامريكان ترحاب من البنا.
تمثل المخطط الأمريكي في إيجاد شخصية دينية مؤثرة في الشارع وتكوين قيادات في دول العام الثالث للعمل ضد الدعاية السوفيتية وهو ما تمثل في قادة الإخوان ممن نشأت بينهم ووكالة الاستخبارات المركزية علاقة سرية، وفي عام 1953، راسل الدبلوماسيون في السفارة الأمريكية في القاهرة مسئولي الخارجية لعرض اقتراح الجماعة مشاركة صهر حسن البنا وهو سعيد رمضان في مؤتمر يجرى في الولايات المتحدة على أن يتولى التنظيم نفقات رحلته، ووصفت وكالة الاستخبارات المركزية سعيد رمضان في تقاريرها بالشخص الفظ الفاشي الذي يهتم فقط بحشد الناس من أجل السلطة، وبالفعل ظهر رمضان في صورة يلتف فيها قادة إسلاميون حول الرئيس الأمريكي آيزنهاور في المكتب البيضاوي.
دعم وتمويل
تشير التسريبات أيضا إلى مشاركة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية واستخبارات ألمانيا الغربية تمويل بناء مسجد في مدينة ميونخ الالمانية من أجل محاربة الشيوعية، واصبح المسجد فيما بعد أهم مقر للإخوان في ألمانيا، وفي أوروبا بأكملها ودعمت الإخوانى سعيد رمضان لتولي إدارته كقيادي دعائي بارز.
استخدمت الولايات المتحدة جماعة الإخوان الإرهابية، ومولت منظماتها وعناصرها لدعم عملياتها في اليمن وأفغانستان والكثير من الأماكن الأخرى، وفى أواخر السبعينيات طلب الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر مساعدة الإخوان في حل أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران ليتدخل لدى القيادة الثورية الإيرانية للإفراج عن الرهائن.
ظل الدبلوماسيون الأمريكيون في السفارة في القاهرة يترددون على مقر الإخوان لاستطلاع رأيهم في التحولات السياسية والامور العامة في مصر والمنطقة ودراسة الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واتخذ التعاون شكلا آخر؛ حيث بدأت الولايات المتحدة تسمح للعناصر الإخوانية بالتواجد بكثافة على أراضيها، ووصل مئات الاخوان الى امريكا لسبب الدراسة، وأسسوا رابطة الشباب المسلم عام 1963، وتأسس أول فرع لتنظيم الإخوان في الولايات المتحدة تحت اسم « الرابطة الإسلامية لأمريكا الشمالية» المعروفة حتى الآن باسم ISNA، والتي سيطرت على حوالي 75 % من المساجد والجمعيات والمراكز في الولايات الامريكية، حيث يعد تكوين تلك الرابطة بداية العمل التنظيمي الإخوانى في الولايات المتحدة وكشفت وثائق المخابرات الأمريكية عام 1999 أن غالبية أعضاء الإخوان الذين أسسوا «إيسنا» كانوا ينتمون للإخوان في بلادهم قبل الوصول للولايات المتحدة ثم انضم لهم الطلاب الإخوان في الجامعات الأمريكية، وأطلق على هذه المرحلة من الخمسينيات حتى منتصف الستينيات مرحلة التعبئة والتحشيد.
العصر الذهبى
استمر عمل التنظيم الإرهابي الذي حرص كل عام على مدار 30 عامًا على تنظيم مؤتمرات في اكبر المدن الأمريكية في شهر سبتمبر، وكذلك اصدروا مجلات ووسائل دعاية متنوعة، ويوصف عهد الرئيس اوباما بالعصر الذهبي للجماعة لهم منذ بداية رئاسة الرئيس الامريكي باراك أوباما عام ٢٠٠٩ ولمدة ثمان سنوات حتى فاق الرهان الامريكي التوقعات بتقديم الدعم الكامل لهم في عام 2011 لضمان وصولهم للحكم في مصر في مشهد يبرز العلاقة الاستثنائية بين أمريكا والإخوان حين راهن عدد من رؤساء الولايات الامريكية منذ خمسينيات القرن الماضي على دور الجماعة لإنجاح سياساتهم الخارجية في منطقة الشرق الأوسط.
تكرر رهان الجماعة في عهد الرئيس جو بايدن خاصة بعد حالة التضييق التي شهدوها في الولاية الاولى للرئيس دونالد ترامب حين اتخذ عدة قرارات بالتضييق على الجماعة الإرهابية بإعلانه شن حرب على الإرهاب والتطرف بكافة جماعاته ومنظماته، وحين أوشكت فترة رئاسته على الانتهاء تعالت صيحات وآمال جماعة الإخوان ليروجوا إلى فرصة جديدة لهم عبر إدارة الرئيس بايدن وبالفعل قادت المنظمات الداعمة للإخوان في أمريكا حملات مكثفة لدعم الديمقراطيين، وبعد مرور ما يقرب من عامين على رئاسة بايدن لم تكتسب جماعة الشر سوى المزيد من الخيبات وسط نجاح العلاقات المصرية الأمريكية على كافة المستويات.
دعاوى حظر
طوال فترة رئاسة بايدن واجهت جماعة الشر موجات ترفض وجودهم على المستوى الرسمي والسياسي وتكررت دعوات عدد من نواب الكونجرس لحظر الجماعة رسميًا، منها عدة دعاوى تقدم بها السيناتور الجمهوري تيد كروز عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وقتها بمشروع قانون امام الكونجرس يطالب فيه بإعلان حظر الإخوان رسميًا وإدراجهم على قائمة الجماعات المتطرفة مؤكدًا اعتناقهم أيديولوجية إرهابية تستهدف تدمير الغرب، ووجه 32 عضوًا من كبار اعضاء الكونجرس خطابًا إلى وزير الخارجية فى ذلك الوقت لحثه على التحرك لتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، وتقدم كروز وعدد من أعضاء مجلس النواب الجمهوريين منهم جيم إنهوف، ورون جونسون، وبات روبرتس بخطاب الى الخارجية الامريكية للتحقيق بشأن التنظيم ومدى مطابقته للمعايير القانونية وتمويل الإرهاب والترويج له.
تكررت دعوى حظر الإخوان كجماعة إرهابية في الكونجرس الأمريكي عدة مرات فى السابق، المرة الاولى فى عام 2015 وتقدم به النائب الجمهوري ماريو دياز بالارت بمشاركة عدد من النواب ممن اتهموا الجماعة بدعم الحركات الإرهابية وتمويل شبكات إرهابية في كافة أنحاء العالم بما في ذلك تنظيمي القاعدة وحماس، وطالب دياز وقتها الولايات المتحدة بضرورة معاقبة عناصر وزعماء الجماعة كجزء من استراتيجية الأمن القومي، وفي ذلك الوقت وافقت لجنة القضاء بمجلس النواب على تقرير جاء فيه «جماعة الإخوان التي أسسها حسن البنا في مصر تعمل في جميع أنحاء العالم عبر هدف استراتيجي يدعو الى استمرار التطرف تحت مسمى الجهاد وتسعى فيه للقضاء على الحضارة الغربية وتدميرها من الداخل، ودعمت تلك الجماعة الإرهاب بشكل مباشر من خلال جمع الأموال لتصنف كمنظمة إرهابية من قبل العديد من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط»، وتزامن التقرير مع تقرير أمني آخر صدر فى بريطانيا وصفت فيه جماعة الإخوان بالمنظمة الإرهابية التى تعارض القيم الغربية.
توصيات رسمية
استجابت اللجنة القضائية بمجلس النواب في عهد بايدن للتقرير لتوصي وزارة الخارجية الأمريكية باعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابية وأوصت برفض دخول الاجانب المرتبطين بالجماعة وكذلك تقديم كل من يقدم الدعم المادي للجماعة للعدالة لمواجهة عقوبات جنائية فيدرالية، كما أوصت بتدخل وزارة المالية او الخزانة لمطالبة المؤسسات المالية الامريكية التى تسيطر على أموال أو أصول الجماعة الإرهابية بمنع جميع المعاملات المالية لصالح التنظيم الإرهابي، وتزامنت تلك التوصيات مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية إدراج حركة حسم الارهابية رسميًا على قوائم التنظيمات الإرهابية الأجنبية العام الماضي، وكذلك إدراج عدد من القيادات على لائحة الإرهابيين الدوليين، وفقًا لقانون الهجرة والجنسية في ضربة موجعة لجماعة الإخوان ودليل جديد يكشف تبنيها نهج العنف والدم، ولكن لا تزال هناك علاقات وطيدة لأفراد الجماعة وممثليهم مع عدد من نواب الكونجرس الامريكي وأغلبهم من النواب الديمقراطيين، ممن يدافعون عن المنظمات التابعة للجماعة ويساندونهم علانية، ومنها منظمة كير وإسنا وإيمجيدج.
اقرأ أيضا: إخوان كوهين| فضيحة التنسيق مع الصحفى الاسرائيلى تعرى سياسات الجماعة
إعدام قاتل زوجته وأبنائه بولاية أريزونا
عصابات «الفنتانيل» تسيطر على أشهر حدائق لوس أنجلوس
سفاح نيويورك أصبح يسيطر على الرأى العـام الأمــريكى بدلًا من الحرب






