فى فرنسا.. محكمة الاستئناف تسمح لـ«ماريان لوبان» بالترشح لانتخابات الرئاسة 2027 بسوار مراقبة

ماريان لوبان
ماريان لوبان


شهدت العاصمة الفرنسية باريس واحدة من أخطر المحطات القضائية والسياسية في تاريخ الجمهورية الخامسة، حيث أصدرت محكمة الاستئناف حكمًا ضد ماريان لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، في قضية اختلاس أموال عامة، والمعروفة باسم «المساعدين البرلمانيين الوهميين»، والذي أعاد تشكيل الخارطة السياسية لفرنسا بالكامل قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

ولكن القضية التي استمرت تحقيقاتها ومداولاتها لأكثر من عشر سنوات، وضعت زعيمة اليمين المتطرف فكي كماشة، والمتمثلة في الإدانة الجنائية الموصومة بعقوبة السجن وارتداء «السوار الإلكتروني الذكي»، في مقابل منحة قضائية غير متوقعة تمثلت في تقليص عقوبة الحرمان من الترشح، مما أتاح لها قانونيًا فرصة البقاء في سباق الرئاسة، والذي كان بمثابة النجاة من الإعدام السياسي، ودخولها التاريخ كأول مرشحة رئاسية تخوض السباق وهي مدانة بجناية ماليّة.

تعود الجذور الجنائية للقضية إلى عام 2014، وفقا لصحيفة لوباريزيان، عندما أطلق البرلمان الأوروبي تحقيقات موسعة بناءً على بلاغات تفيد بوجود شبهات حول الهيكل الوظيفي لمساعدي نواب حزب «الجبهة الوطنية»، وهو الاسم القديم للحزب قبل تحويله إلى حزب التجمع الوطني.

وأظهرت وثائق القضية أن المنظومة بدأت تحت إدارة مؤسس الحزب جان ماري لوبان، ثم تعاظمت واستقرت بشكل مؤسسي صارم عندما تولت ابنته مارين لوبان رئاسة الحزب في 2011، وحسب تحقيقات القضاء الفرنسي، فإن لوبان مارست سلطتها في توجيه نواب الحزب الأوروبيين لتوظيف أشخاص لا علاقة لهم بالعمل التشريعي في بروكسل.

ومن أبرز الأمثلة التي تضمنها ملف الإحالة الجنائية، تعيين الحارس الشخصي لمارين لوبان كمساعد برلماني أوروبي براتب كامل من أموال الاتحاد الأوروبي، دون أن يطأ قصر بروكسل، بجانب تعيين السكرتيرة الخاصة ومرافقة ماريان لوبان في باريس تحت المسمى الوظيفي ذاته.

وفي 31 مارس 2025، أصدرت محكمة الجنايات في باريس قرارًا كان بمثابة الصدمة الأكبر لليمين المتطرف الفرنسي، حيث قضت المحكمة بسجن لوبان لمدة 4 سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ، وسنتان مع النفاذ، على أن تُقضى السنتان النافذتان تحت نظام الإقامة الجبرية مع ارتداء السوار الإلكتروني.

كما قررت حرمانها من حق الترشح للمناصب العامة والانتخابات لمدة 5 سنوات متتالية مع النفاذ العاجل، وهي النقطة الأخطر في الحكم، حيث يدخل الحظر الانتخابي حيز التنفيذ فورًا بمجرد النطق بالحكم، ولا يتم تجميده حتى لو قامت لوبان باستئناف الحكم، وإلزامها بدفع غرامة مالية قدرها 100 ألف يورو.

هذا البند، المتعلق بالتنفيذ العاجل، اعتبرته لوبان محاولة صريحة لـ «إقصائها سياسيًا» من سباق الرئاسة في 2027 قبل حتى أن تبت محكمة الاستئناف في قضيتها، إلا أن المحكمة الدرجة الأولى بررت النفاذ العاجل لحظر الترشح بأن المتهمين أظهروا «عدم اعتراف بالخطأ»، وأن واجب المحكمة حماية النزاهة الديمقراطية للمناصب المنتخبة.

مؤامرة قانونية

وطوال سنوات التحقيق دفعت لوبان امام المحاكمة ببراءتها، معتبرة أن القضية مجرد «مؤامرة سياسية» و»حملة مطاردة ساحرات» تقودها المفوضية الأوروبية والقضاء الفرنسي الموالي للنظام الحاكم لتقويض صعود اليمين المتطرف، حتى أنها أجرت تسوية مالية في عام 2023 وردت بموجبها 330 ألف يورو للبرلمان الأوروبي، غير أن المحكمة أكدت أن هذا الرد المالي لا يسقط الجريمة الجنائية ولا ينفي صفة القصد الجنائي في الاختلاس.

وأمام صرامة هذا الحكم الابتدائي الذي كان يعني حرفيًا الإعدام السياسي لها وحرمانها من دخول قصر الاليزيه، لم تقف ماريان لوبان مكتوفة الأيدي، بل خاضت معركة قانونية وإعلامية شرسة، وتقدمت لوبان وهيئة دفاعها بطعن فوري أمام محكمة الاستئناف بباريس ضد الحكم الصادر عن محكمة البداية.

ورغم أن بند «النفاذ العاجل» للحظر الانتخابي كان يمثل عقبة دستورية تمنع تجميد العقوبة بمجرد الاستئناف، إلا أن دفاعها ركز في مذكراته القانونية على أن حرمان مرشحة تمثل ملايين الناخبين قبل صدور حكم نهائي يعد انتهاكًا لسيادة الشعب والمسار الديمقراطي، وهو الضغط القانوني الذي جعل محكمة الاستئناف تعجل بنظر القضية وتصدر حكمها المعدل.

حكم تاريخي

ويوم الثلاثاء 7 يوليو 2026، أعلنت الغرفة المختصة بالجرائم الاقتصادية والمالية بمحكمة الاستئناف في باريس حكمها الجديد في القضية، والذي جاء معدلا للحكم الابتدائي الصادر في مارس 2025 من المحكمة الأدنى درجة، والذي كان بمثابة طوق نجاة ومأزق سياسي في نفس الوقت لزعيمة التجمع الوطني.

بالنسبة للعقوبة السالبة للحرية، فقد قضت المحكمة بسجن ماريان لوبان لمدة 3 سنوات، تم تقسيمها قانونيًا إلى سنتين مع وقف التنفيذ، وعام واحد نافذ، أما عن آلية إنفاذ العقوبة، قضت المحكمة بتبديل السجن الفعلي داخل أسوار المؤسسات العقابية بنظام المراقبة الإلكترونية وهو ما يعنى إلزامها بارتداء السوار الإلكتروني داخل منزلها أو محيط جغرافي محدد.

أما بخصوص العقوبة المالية، فقد ثبتت المحكمة الغرامة الصادرة بحقها بقيمة 100,000 يورو كعقوبة مالية شخصية، بالإضافة إلى إلزام الحزب والمتهمين الآخرين برد مبالغ مالية كتعويضات للبرلمان الأوروبي.

وحول عقوبة الحرمان من الأهلية السياسية، عدلت محكمة الاستئناف العقوبة من 5 سنوات إلى الحرمان لمدة 45 شهرًا، مع وقف التنفيذ لـ 30 شهرًا منها، أما الـ 15 شهرا المتبقية، فقد اعتبرتها المحكمة مستنفذة بالكامل، بما أن هذه المدة الـ 15 شهرًا بدأت في السريان الفعلي منذ صدور الحكم الابتدائي العام الماضي، وبالتالي أعلنت المحكمة رسميًا استعادة لوبان لأهليتها السياسية وحقها في الترشح.

أكدت المحكمة في حيثياتها أن الجرائم المنسوبة إلى لوبان وبقية المتهمين البالغ عددهم 11 مسئولاً من قادة ونواب الحزب، هي جرائم على درجة عالية من الخطورة، وأوضحت أن التحقيقات أثبتت بما لا يدع مجالا للشك إدارتهم لمنظومة احتيال ممنهجة امتدت طوال 11 عامًا، وتحديدا في الفترة ما بين 2004 و2016.

وشددت المحكمة على أن هذا النظام كان يقوم على استغلال المخصصات المالية التي يمنحها البرلمان الأوروبي في بروكسل لنواب الحزب من أجل تعيين مساعدين برلمانيين، وتحويلها بشكل غير قانوني لدفع رواتب موظفين وسكرتيرات وحراس شخصيين يعملون حصريًا لصالح الحزب وهياكله الإدارية داخل فرنسا، وهو ما يمثل اختلاسًا مباشرًا لأموال دافعي الضرائب الأوروبيين قدرته المحكمة بنحو 2.8 مليون يورو.

وفي تبريرها لتقليص عقوبة الحرمان من الترشح، ذكرت الحيثيات نصًا، وفقًا لصحيفة لوفيجارو، أن المحكمة حرصت على تقييم العقوبة في ضوء عدم المساس بحق الترشح وحرية الناخبين في الاختيار، واعتبرت القاضية ميشيل آجي، أن إطالة أمد الحرمان من العمل السياسي لسنوات إضافية كان سيشكل خللاً بالعملية الديمقراطية ومبدأ التعددية، وأن فترة الـ 15 شهرًا التي قضتها لوبان محرومة من بعض حقوقها كانت كافية كعقوبة زجرية وتصحيحية للنزاهة السياسية.

معركة «السوار الإلكترونى»

قبل صدور الحكم بأيام، صرحت ماريان لوبان بأن إجبارها على ارتداء سوار إلكتروني في كاحلها سيعني النهاية العملية لطموحها الرئاسي، مؤكدة أن مرشح الرئاسة يجب أن يتمتع بحرية حركة مطلقة لإدارة حملته والتقاء الجماهير، والسوار يتنافى مع هيبة الرئاسة.

ويفرض ارتداء السوار الإلكتروني قيودًا غير مسبوقة على تحركات المرشحة الرئاسية، حيث سيتطلب عمليًا البقاء في المنزل مع ساعات حظر تجول محددة مسبقًا ومنطقة حركة مقيدة، حيث يُمكّن هذا الجهاز السلطات من التحقق بدقة من التزامها بهذه الالتزامات، وفي حال حدوث أي مخالفة، قد تُفرض عليها عقوبة فورية.

وفي ظل تلك القيود، أصبح قيامها بإدارة حملة إعلانية مثقلا بأعباء إدارية هائلة، بحسب صحيفة لوموند، حيث من المتوقع في كل رحلة انتخابية أو تجمع أو زيارة ميدانية، ستخضع مارين لوبان لموافقة القاضي المسئول عن تنفيذ الأحكام، وذلك على أساس كل حالة على حدة.

ووفقًا للمحامين فلن يتم تركيب السوار فورًا، إلا بعد استدعاء القاضي لها للمثول أمامه خلال شهر من الحكم، حيث يجب أن يتم تركيب الجهاز المتعقب خلال الأشهر الأربعة التالية، أي بين شهري يوليو وديسمبر القادمين، أما بالنسبة لمدة العقوبة، فيمكن تخفيضها بموجب الإجراءات القانونية.

يأتي ذلك بناءً على سلوكها وتنفيذ عقوبتها، بما في ذلك دفع غرامتها البالغة 100 ألف يورو، حيث يُمكنها وقتها بحسب القانون الفرنسي أن تأمل في تخفيف العقوبة، وفي أفضل الأحوال يُمكن إزالة السوار في يناير 2027، قبل انطلاق المرحلة الأخيرة من السباق الانتخابي، أما في أسوأ الأحوال، فسيتعين عليها ارتداؤه حتى ديسمبر 2027، مما سيُعيق حملتها الانتخابية.

حيل قانونية

ولكن لتجاوز مأزق «السوار الإلكتروني» لوجستيًا وسياسيًا، أعلنت لوبان وفريق دفاعها، اللجوء فورًا إلى محكمة النقض الفرنسية، حيث يمثل هذا الطعن بالنقض خطوة قانونية حاسمة لما يتمتع به من أثر في وقف للتنفيذ في القانون الفرنسي،ـ والذي بموجبه يتم تجميد تنفيذ عقوبة السجن وعقوبة ارتداء السوار الإلكتروني فورًا وبشكل مؤقت لحين قيام محكمة النقض بمراجعة القضية.

وفي تلك الدرجة لا تقوم محكمة النقض بإعادة محاكمة المتهم في الوقائع المنسوبة إليه، بل تراقب  فقط مدى صحة تطبيق محكمة الاستئناف للنصوص القانونية، والتي تستغرق شهورًا طويلة، وتراهن لوبان على أن القرار النهائي لن يصدر إلا مع اقتراب الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة في أبريل 2027، مما يمنحها الوقت الكافي لإدارة حملتها الانتخابية بدون قيود السوار الإلكتروني في الوقت الراهن.

ولكن إذا رفضت المحكمة العليا الاستئناف وأيدت حكم محكمة الاستئناف، سيصبح الحكم نهائيًا، وسيتعين على مارين لوبان قضاء عقوبتها لمدة عام واحد رهن الإقامة الجبرية مع سوار إلكتروني، ووفقًا لتصريحاتها، لن يكون أمامها سوى خيارين، إما مواصلة حملتها الانتخابية باستخدام هذا الجهاز أو سحب ترشيحها.

اقرأ  أيضا: بعد الحكم عليها بالسجن.. قضاة محاكمة ماريان لوبان يتلقون تهديدات بالقتل

;