إمكانيات المنطقة الاقتصادية والجيوسياسية تمكنها من قيادة أمنها القومى وحماية مصالحها
محمد رياض
فى 2015، وخلال القمة العربية السادسة والعشرين بشرم الشيخ، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسى مبادرة لتشكيل «قوة عربية مشتركة» على غرار حلف «الناتو»، يسهم فيها كل بلد بقوات من مختلف الأسلحة وفقاً لإمكانياته. وكان هدف المبادرة إنشاء قوة تتدخل بشكل سريع لمواجهة التهديدات الأمنية، الإرهاب، وحماية الأمن القومى للدول الأعضاء. ورغم موافقة القادة العرب على المبادرة، إلا أنها لم تترجم لواقع لخلافات حول آليات التمويل والقيادة.
كما تحفّظت بعض الدول لاعتمادها على قواعد وقوى أجنبية، لتأتى الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية لتثبت استشراف الرئيس السيسى للمستقبل ومدى احتياج المنطقة لمنظومة دفاع إقليمية صلبة تذود عن أمنها واستقرارها بدلاً من الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية كما يقول اللواء أسامة المندوه، وكيل جهاز المخابرات العامة الأسبق، الذى يرى أن القواعد الأمريكية ببعض دول المنطقة كانت عبئًا عليها وسبباً لاستهدافها بدلاً من حمايتها.
ويرى المندوه أن استراتيجية الدفاع الإقليمى لابد وأن تعتمد على توظيف القدرات والمزايا الجيوسياسية المتاحة لإدارة الضغوط دون الانزلاق لمواجهة عسكرية. فمثلاً إيران استخدمت هرمز كأداة ضغط لتحول الصراع لأزمة دولية تمس الجميع. وهذا يعنى أن الاستخدام الذكى للمزايا الاستراتيجية والجغرافية أكثر فاعلية من القوة العسكرية التقليدية، لما له من أثر مباشر وحاسم على صناعة القرار فى العواصم الكبرى.
ويؤكد المندوه أن التكتل الرباعى «مصر، السعودية، تركيا، باكستان» يمتلك مقومات وثقلاً استراتيجياً فريداً، حيث تمثل مصر محوراً أساسياً وتتمتع بتأثير إقليمى واسع، ناهيك عن تحكمها فى أحد أهم الممرات المائية العالمية وهى قناة السويس. وامتلاكها لكتلة بشرية تتجاوز 100 مليون نسمة، وقوة عسكرية كبرى وموقع جغرافى متميز. فيما تتمتع السعودية بتأثير إقليمى وثقل استراتيجى فى القارة الآسيوية، وقوة اقتصادية هائلة وهى من الدول المتحكمة فى سوق الطاقة عالمياً.
تركيا أيضًا تملك كثافة سكانية عالية وقوة عسكرية كبيرة، وتتحكم بمضيق البوسفور وتتميز بموقع فريد بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن عضويتها فى «الناتو». اما باكستان فتضيف ثقلاً استراتيجياً للتكتل كدولة نووية. كما تتمتع الدول الأربع بعلاقات دولية متشعبة وجيدة ما يجعلها قادرة على التأثير، بخلاف مقوماتهم الاقتصادية والعسكرية المتنوعة والمكملة لبعضها البعض.. وهو يرى أن هذا التكتل يجب أن يتحول لهيكل مؤسسى دائم يعمل بشكل مستمر على حفظ التوازن بالمنطقة وخلق قوة إقليمية مشتركة تحافظ على الأمن الإقليمى، وأنه إذا أُحسن استغلال مقوماته سيتحول لقوى فاعلة ومؤثرة على الساحة العالمية.
اما العميد سمير راغب، رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، فيرى أن المواجهة الأمريكية- الإيرانية أثبتت أن الضمانات الأمنية الخارجية مجرد حسابات براجماتية تديرها واشنطن وفق مصالحها. لأنه رغم دعوات الحلفاء لتجنب التصعيد، مضت أمريكا فى خياراتها، وتحملت دول الخليج أضراراً مباشرة جراء حرب لم تشارك فى قرارها.
ويرى راغب أن هذه الحرب أظهرت حدود التضامن البينى بين دول المنطقة. وتعويضاً عن عدم اليقين تجاه الالتزام الأمريكى، اتجهت العواصم الخليجية لشراكات إقليمية، إذ أبرمت السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان. وسلكت أبوظبى مساراً مشابهاً مع الهند، فيما تواصل الدوحة الاعتماد على التواجد العسكرى التركى.
هذا التعدد فى المسارات، وفقاً لراغب، يعكس غياب فاعل عربى يملك القدرة على قيادة الأمن الاستراتيجى للمنطقة، وهنا يبرز دور مصر التى تمتلك أقوى جيش عربى وإفريقى، وتربطها علاقات راسخة بالدول العربية، وقنوات تواصل مع أطراف الصراع الإقليمى، فضلاً عن ثقلها الدبلوماسى. كل هذه العوامل تجعل انخراط مصر بالمنظومة الدفاعية والأمنية شراكة أقران، لا استعانة بطرف خارجى.
اما الرباعية الإقليمية –مصر والسعودية وتركيا وباكستان– فتستمد قوتها من تكامل عناصر يصعب جمعها بمحور آخر، فباكستان توفر العمق العسكرى والردعى، وتركيا تقدم خبرة التصنيع الدفاعى، والسعودية تمنح الثقل المالى والطاقى، بينما تضيف مصر الحضور العربى والإفريقى. وأثبتت الدول الأربع فاعليتها ميدانياً، إذ كانت شريكاً فى هندسة التسوية التى أدت «لمذكرة التفاهم».
واختتم راغب بالتذكير بدعوة الرئيس السيسى لتطوير هذا المسار ليصبح إطاراً مؤسسياً قادراً على التعامل مع أزمات المنطقة وصياغة حلول شاملة ومستدامة. وهو ما يتطلب مأسسة الاستدامة على 3 أسس: قيادة عسكرية مشتركة، وبروتوكول موحد للتدخل السريع، وصناعة دفاعية تكاملية تحقق الاكتفاء الذاتى. كما إن الأمن العربى يوجب الاستثمار فى قدرة دفاعية مشتركة، مع إعادة هيكلة العلاقة مع واشنطن وتوسيع شبكة الشركاء.
حملة حصد الفاسدين فى العراق تتوسع وتطال مسئولين كبارًا وكتلاً سياسية
الموت حراً| «القبة الحرارية» تشعل درجات الحرارة وتحول العواصم الأوروبية لأفران مفتوحة
سقوط مدوٍ لحزب العمال فى بريطانيا.. والأزمة الاقتصادية فى قفص الاتهام






