رحلة

صورة تعبرية
صورة تعبرية


محمد‭ ‬عطية‭ ‬محمود

ــ أين مسبحتك؟

لم أدرِ إن كان الصوت يأتينى من خلفى، أو من فوقى، أو عن يسارى، لكن اليد الخشنة الغليظة التى احتوت كتفى الأيمن، والتفت بساعدها حول ظهرى، شدت بصرى نحو وجه غائم اقترب من وجهى، تاهت ملامحه القديمة وأطلت من خلال صفحة جديدة نبتت فيها لحيته ببشرة وجهه التى كانت تبرق من كثرة عنايته بها وحلاقتها.. 

شدَّ يدى التى كانت أناملها منغمسة فى حالة تسبيح وذكر.. لم يستول علىَّ شعورى بأنى قد نسيت مسبحتى، أو ربما فقدتها، إلا فى تلك اللحظة التى ترددت فيها نظراتى بين أصابع يمناى، ووجه رجل أعرفه تمامًا، ربما عاد فى التو واللحظة من وعثاء رحلة سفر بعيدة، وبقعة غائرة فى ذاكرتى ووعيى، أدركه بالفعل اسما وشخصا ولمحات من ذكريات مشتركة لنا معًا: مكانه الذى كان يستضيفنا فيه كى يقص لنا شعورنا كحلاق ماهر تلتف أنامله فى الحرير كما كان يقال، ورائحة عطر مميزة كانت تغلف حركته النشطة فى محيط تعامله مع رؤوسنا، وانزياحاته فى عالم الفن والترنم بألحان فاتنة لملحنين يعشقهم، وحديثه عن الثقافة من منظور ضيق لكنه موحىٍ بمعرفة وظلال قراءة، واختراقه لعالم صداقتنا كمجموعة جمعتها الدراسة وسكنى الحى البحرى العتيق، ومشاركتنا بعض الرحلات الصيفية. 

نطق اسمى بأريحية كبيرة وثقة وألفة، وهو يضع فيما بيننا – على أرض المسجد الكبير - شنطة بلاستيكية اكتظت بمزيد من أغراض غير مرتبة، تبدو حوافها من قمتها المفتوحة كبطن مبقورة، تدعو للاستغراب.. بالرغم من حرارة الجو بدا قميص آخر تحت قميصه الذى تعلَّق زره قبل الأخير فى أول عروة بالصف الآخر فبدت هيئته متنافية تماما مع مظاهر الأناقة التى كان يخرج بها من حجرته الداخلية الملحقة بصالون حلاقته المجتزأ من بيت عائلة قديم، أو عندما كنا نلتقى فى جلسة سمر بعيدا عن الحى! 

تحسست يسراى بلا إرادية الجيب الأيسر لبنطالى الذى بدا ضيقا بما يكفى لأن أشعر بما فيه من عدمه بمجرد مرور أناملى عليه.. فيما أنامل يدى الأخرى تنسلخ من طقوسها، لتغيب فى كفه وبين أنامله التى خلتها تعملقت كما تعملقت ملامح وجهه الذى اقترب منى حد الالتصاق واختلاط الأنفاس التى – وللغرابة - لم تثر جزعى، ربما لمح قشعريرة سرت فى بدنى، ولم تكن آثارها قد بدت بالصورة الفاضحة، مع مفاجأة الموقف، فى اللحظة ندت عنه ابتسامة صافية كاشفة، متحدثا بثقة العارف أنى أتذكره تماما كما يتذكرنى، وأحمل له ما يحمل لى من ود: 

ــ كيف حالك؟.. لا تقلق أنا لا أحتاج نقودا.. أنا لا يزال معى الكثير.. بالرغم مما حدث معى.. الصالون الجديد الذى اشتريته بالشراكة مع إخوتى.....

تخبطت الكلمات فى جوفى، محاولا إخراجها، دفعا لإحراج كلماته لى، تمتمت: 

ــ أنعم الله عليك بخيراته.. وعوضك 

ــ لم نلتقِ منذ زمن بعيد، ولكنى لا أزال كما أنا.. هل تذكر حينما كنت تأتينى لتقص شعرك، وعندما أتيت إليك لأقص شعرك فى يوم زفافك.. هل تعلم.....؟

وقفت الكلمات على شفتيه كما توقف علامات الاستفهام على ملامحى وعينىَّ اللتين كانتا تهربان منغمستين فى النقوش الممتدة للسجاد من تحتى..

ندت عنى ابتسامة امتدت سنوات وعقوداً. رمحت كما ترمح الخيل بأقصى سرعتها فى ساحات الدهشة، فتحسست لحيتى وشاربى اللذين اخترقهما المشيب، وتغضنات بدأت فى الزحف على جبهتى، أشعر بها كما أراها.. وتمتمت فى سرى: «الحمد لله على نعمة الصحة والولد»، لكنه قطعت تيهتى مواصلا:

ــ أنا لا أقصد إزعاجك.. فقط عندما رأيتك تذكرت أيامنا الطيبة... فانتظرت حتى تكمل صلاتك، و......

ــ لا عليك.. يسعدنى لقاؤك على أية حال..

ــ لم أقل لك.. لم يبقَ لى غير أختى الطبيبة..

ــ بارك الله لك فيها، وعوضك أخيرًا.. لكن أين أخوك؟

ــ سامحه الله... مات بمرض غامض بعد أن....

توقفت الكلمات مع توقف عضلات وجهه وارتفاع نظرة عينيه إلى السقف العالى، ثم ارتدت ليتلفت بها فى ساحة المسجد التى بدأت تفرغ من المصلين، تمهيدا للدخول فى طقوس جديدة للخاصة منهم... لم يمهلنى كى أعزيه فى أخيه، فقد أدخلتنى كلماته فى طرقات متعددة للحيرة، واستقر فى داخلى سؤال: «وماذا بعد؟..» لكنى لم أنطق به.. 

ــ سامحهما الله أبى وأمى.. دللاه حتى استولى على نصيبى فى المكان الذى ادخرت فيه كل مالى..

لمعت عيناه باحمرار يوشك أن يكون دمعا خفيفا، وابتلعت غصة بحلقه جاهد فى إخفائها ولم يستطع.. 

ــ تعرف... أختى أيضا مصابة بالمرض الغامض نفسه..

ــ شفاها الله وعافاها...

ــ تعرف أنا لا زلت على اتصال بمحيط مَن كانوا بجوارى فى المول الكبير.. مجموعة من الناس المحترمين أمثالكم.. لكن شلتنا القديمة لم يعد أحد يأتى لى...

صمت ثم قال فى حنو بالغ

ــ ربما لم أعد أعنى أحدا..

ــ لا تقل ذلك.. أكثر الله لك من معرفة الخيرين.. ربما كانت ظروف الحياة ومشاغلها أنت تعرف أن الأيام تمضى فى منحنى صعوبتها وقسوتها كلما مرت 

ــ لديك حق، لكن.... هل أنت من مريدى المكان ومرتاديه الدائمين

ــ أرتاح فى هذا البيت..

ــ تعرف أنى لم أتزوج حتى الآن.. هل لديك أو تعرف سيدة تناسبنى تقوم على خدمتى فى هذه الظروف التى تآكلت فيها كل الأشياء.. فقط ترد على نفسى؟

شعرت بإحساس مَن وقع فخ، وأنا الذى لم يتورط من قبل فى مثل هذه الوساطات التى أعتبرها مطبات تضعها الحياة أمامنا لنقع فيها، لكنى استدركت: 

ــ رزقك الله بكل جميل تستحقه

ــ جميل.. سأنتظرك إلى أن تفرغ من باقى صلاتى.. سأعطيك أرقام هواتفى النقالة، فرقم البيت القديم الذى كان معك لم يعد له وجود، كما لم يعد للبيت وجود.. سامحهم الله! 

مضى بأشيائه بعدما لملمها، ثم التفت إلىَّ مرة أخرى، بعدما حلَّقت نظراته فى السقف، وكأنما يوجه كلامه لطيف بعيد:

ــ أرجو ألا أكون أثقل عليك بكلامى وشجونى.. كل ما يسعدنى أن نجلس سويا ولو لحظات نستعيد فيها نفحة من جلساتنا السابقة، و.....

ــ يسعدنى..

ــ أسعدك الله

حينما فرغت من طقوسى، كان قد ذاب وسط من كانوا يتهيأون لجلسة ذكر، كانت قد بدأت همهماتهم تعلو فيها، حجبته عنى تماما، ربما أزالت حرجا فى نفسى، وقلصت فرصة فى لقاء قادم ربما كان يشتهيه! فى المسافة بين جمعهم وباب المسجد الذى طوى إحدى ضلفتيه تمهيدا لغلقه على مَن مكثوا فيه للذكر، كان قد غاب عنى تماما أو ربما نسينى، فمضيت أتحسس مسبحتى التى تذكرت أنها كانت مختبئة فى أحد جيوبى، ولم أشعر بها إلا فى تلك اللحظة!

اقرأ  أيضا: الهوى هوانٌ