ميدوسا

ميدوسا
ميدوسا


كرم الصبَّاغ

1
فى العادة تنهى رئيسة طاقم التمريض ورديتها اللَّيلية فى الثانية صباحًا، وتغادر المستشفى بعد ربع ساعةٍ بالتمام، وتصل يوميًّا فى الثالثة صباحًا إلى أحد شوارع محطة الرّمل الجانبيّة، حيث يقع منزلها فى نهاية الشّارع. والليلة وصلت فى التوقيت ذاته إلى الشَّارع؛ فصادفته خاليًا من المارّة، ووجدت محلاته قليلة العدد قد أغلقت أبوابها بعد أن فضَّل أصحابها اللُّجوء إلى المنازل مع حلول منتصف اللَّيل؛ اتقاءَ زمهرير يناير والأمطار التى ما تكاد تنقطع حتَّى تعاود الهطول بغزارةٍ أشدّ، ووجدت الأضواء المتسلِّلة من نوافذ البنايات وأعمدة الإنارة شحيحةً، تنعكس وتلتمع على قطع البازلت المبتلّة وبرك المياه الصّغيرة خلفتها الأمطار، على جانبى الشّارع.. ورغم قوّة شخصيّة المرأة الأربعينيّة، التى تشتهر بها فى محيط عملها، والتى تتحاشى ممرضات المستشفى مواجهتها، فإنَّ الخوف سرى فى قلبها، وجلدها اقشعر بمجرد أن وطأ حذاؤها أول قطعةٍ من قطع البازلت القديمة التى رُصف بها الشّارع.. قطعت رئيسة طاقم التمريض عشرات الأمتار بتوجسٍ، ولكنَّ خوفها تضاعف، إذ كان لزامًا عليها الليلة أن تجتاز بمفردها البقعة المعتمة، التى صارت على مقربها منها، والتى تغشى بنايتين قديمتين، تواجهان بعضهما البعض، الأولى فيلا مهجورة نُسِجت حولها حكاياتٌ تخلع القلوب من الصّدور، والأخرى فيلا يملكها طبيبٌ هاجر منذ سنواتٍ إلى كندا، ولا يعود إلّا فى إجازاتٍ قصيرةٍ من العام إلى العام، ترك بنايته بدون حراسةٍ؛ إذ لم يعد داخلها ما يستحق السَّرقة من وجهه نظره. وأمام كل بناية من البنايتين عمود إنارة، كلما غيّر عمال الصّيانة بشركة الكهرباء مصباح أحد العمودين احترق بمجرد أن يغادر العمّال الشارع، ومع تكرار حوادث احتراق المصابيح دونما سببٍ واضح، ملَّ مسئولو الصّيانة، وتجاهلوا طلب سكان الشّارع بضرورة إنارة تلك البقعة بالتحديد.
 نظرت حولها، تمنَّت أن تنشق الأرض عن أحد المارّة، حتى تأتنس بمروره أثناء عبورها تلك البقعة المشئومة، لكنها لم تجد سوى الصّمت والمطر والظّلام والزمهرير.. زفرت بقوَّةٍ، واستجمعت أشلاء شجاعتها المبعثرة فى زوايا قلبها المرتعب، أسرعت الخُطى، حاذت البنايتين، ابتعدت عن بوابة الفيلا المهجورة، واقتربت من بوابة فيلا الطّبيب، تصاعدت دقّات قلبها، جفّ حلقها، شعرت بأن قدميها ثقيلتان عالقتان فى غراءٍ يلصقهما بالأرض، شدّت قدميها من الأرض شدًّا، وبينما هى تحاول، إذ بقوة خفية تجذبها نحو بوابة الفيلا المهجورة، فيرتطم جسدها الممتلئ بجسدٍ آخر خرج من البوابة لتوّه؛ فتنفلت صرخةٌ مدويّةٌ من حنجرة رئيسة طاقم التمريض، وتتحوّل خصلات شعرها فى الحال إلى أسنة أشواكٍ صلبةٍ.. وبحركة لا إرادية وذعرٍ تامّ تتراجع إلى الوراء، وتبحث فى قلب العتمة عن الشَّخص الذى ارتطمت به، والذى زادها صمته رعبًا فوق رعبٍ. وبعينيها المذعورتين حملقت إلى العتمة، وحدقتاها اتسعتا، حتَّى كادتا تنفجران فى محجريهما، والدّماء تجمدت فى عروقها؛ إذ أبصرت امرأةً طاعنة فى السنّ، لها عينان يشعُّ منهما ضوءٌ أحمر مخيفٌ، أنار العتمة، وسمح لرئيسة طاقم التّمريض الميّتة فى جلدها أن تبصر ملامح وأوصاف وشعر العجوز المُهوّش، الذى أطلّت من خصلاته رءوس حيّات وثَّعابين.. رئيسة الممرضات حاولت الصراخ، ولكنَّ صوتها لم يتجاوز حنجرتها.. حاولت الرَّكض، ولكنَّ المرأة المسنَّة قبضت على ذراعها بقوّةٍ، ومنعتها من الحراك؛ فانهارت، ولم تقو أعصابها على تحمُّل الموقف الرهيب؛ فسقطت فى نهايته مغشيًّا عليها. 
  2
 العمّ منصف رجلٌ فى الثَّمانين من عمره، موظفٌ سابقٌ بالسجل المدنى، محالٌ إلى التّقاعد، يقطن الشَّقَّة المقابلة لشقَّة الأرملة الأربعينيَّة، التى يعتبرها هو وزوجته ابنة لهما، إذ لم يرزقا بالذُّرية طوال فترة زواجهما التى تجاوزت الخمسة والخمسين عامًا.. لم يتباطأ العمّ منصف وزوجته فى طرق باب جارتهم رئيسة طاقم التمريض بمجرد عودتها من المستشفى الذى حُجِزت فيه تحت العناية لمدَّة أسبوعٍ كاملٍ بعد أن عثر عليها أهالى الشَّارع فى الصَّباح الباكر ممدَّدةً على البازلت المبتل أمام بوابة الفيلا المهجورة فاقدةً النُّطق والحركة.. بدا العمّ منصف متردِّدّا بعد أن سمع حكاية المرأة العجوز التى اعترضت طريق جارته، وطالبها بضرورة تغيير ورديتها؛ حتى تتجنَّب المرور بجوار تلك الفيلا المهجورة فى مثل هذا التوقيت.. كان كلّ ما يقال عن الفيلا بالنسبة للعمّ منصف مجرد ترهات، أمّا بعد ما شاهدته جارته الأربعينية الصارمة المنضبطة كبندول الساعة، التى تزن الأمور بميزان حساس داخل عقلها الراجح، فقد صار الأمر يحتاج إلى مراجعة وتفكير، ولأول مرة منذ أن جاورت رئيسة طاقم التمريض العم منصف تسمعه يتكلّم عن تاريخ الفيلا، التى كان يملكها ثرى يونانى، تنحدر أصوله من أثينا، كان الخواجة متزوجًا من فاتنةٍ من جاليته.. وفى ذات ليلةٍ سافر الثّرى إلى القاهرة لمتابعة شئون تجارته، وعندما عاد وجد زوجته قد فارقت الحياة مختنقة بيدى مجهولٍ. فانهار أمام الحادث المفاجئ، وشعر بالحزن والاكتئاب بعد مقتل زوجته، ولمّا ساءت صحته؛ قرّر العودة إلى موطنه الأصلى فى أثينا، تاركّا الفيلا وأثاثها لأحد أقاربه، الذى سرعان ما هجر الفيلا بدوره لأسبابٍ غامضةٍ؛ فظلت البناية مغلقة.. فى حين تعافى الثرى اليونانى فى بلاده، وتزوج امرأة أخرى، أنجب منها ولدًا، زار الإسكندرية بعدما صار شابًّا فتيًّا فى منتصف التسعينات، واستخرج من الفيلا كنزًا متمثلًا فى لوحةٍ أثريّةٍ، حاول تهريبها إلى اليونان لكنَّ السُّلطات المصريّة ألقت القبض عليه، وصادرت اللَّوحة. 
 3
 فى كلية الآداب جامعة الإسكندرية يدخل أستاذ التاريخ الإغريقى القديم مدرج المحاضرات، كهلُ خمسينى يكسو الشَّيب شعره، يرتدى نظارةً طبيةً، تضفى على وجهه الوقار والهيبة.. يجلس فى هدوءٍ خلف مكتبه، والمدرج يضجُّ بالطلاب والطالبات، وبينهم كانت نهى ابنة رئيسة طاقم التَّمريض.. تحدَّث المحاضر عن أسطورة (ميدوسا أو ميدوزا وبوسيدون)، وكيف دنَّسا بفعلهما الفاحش معبد أثينا التى غضبت على وصيفتها، فأصابتها بلعنةٍ حوَّلت خصلات شعرها الحريرى إلى حيّاتٍ وثعابين تتلوى وتبث الرعب فى قلب من يبصرها. لعنة حوَّلت ميدوسا إلى امرأةٍ مشئومةٍ، كلما سلّطت أشعة عينيها على شيءٍ حى، سُخِط وتحوّل إلى حجارةٍ. طاردت أثينا وصيفتها، التى فرّت من بطش سيدتها إلى البرارى والصحارى والأحراش، ولما لم يسلم الخلق من شرّ عينيها الملعونتين، ضجوا بالشّكوى؛ فأوكلت أثينا لابن زيوس الفارس بيرسيوس مهمة التخلص من ميدوسا، فلحق بها فى أدغال أفريقيا، واحتمى من نظراتها بدرعٍ عاكسٍ، وبعد مراوغةٍ تمكَّن من قطع رقبتها؛ فتناثرت دماؤها على بلدان شتى من أفريقيا، وكلُّ مكانٍ طاله الدَّم، أصبح يعجُّ بالحيات والثعابين السَّامة.. عندئذ رفعت نهى يدها، وقالت بحماسٍ: هناك روايةٌ أخرى للأسطورة تقول: إن ميدوسا تباهت أمام الجوارى بجمالها، وكانت فاتنة كغزالةٍ، شهية مثل التين، ذات جسدٍ نارى يصهر الحديد، فدبت الغيرة فى قلوب الجوارى؛ فاستفززنها ذات يومٍ، وعايرنها بأنها أدنى جمالًا من حسناوات ذكرن أسماءهن الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلن إلى ذكر سيدتهن أثينا، دفع الغيظ ميدوسا إلى التفوه بكلمات قادتها إلى اللعنة والهلاك، حين صرخت فى وجوه الجوارى، وصرّحت بأنها أجمل من جميع من ذكرن بما فيهنّ سيدتها أثينا، التى بلغها الخبر فى النهار ذاته؛ فغضبت على وصيفتها التى كانت تشعر تجاهها بغيرةٍ طالما كتمتها، فلعنتها، وأرسلت خلفها ابن زيوس بدرعٍ وسيفٍ، شقَّ ميدوسا إلى نصفين، خرج من بينهما حصانٌ مجنحٌ يحمل قبسًا من روحها، راح يجوب الآفاق.. ورغم أن ميدوسا ضحية الغيرة التى لم تفرق بين قلوب نساء الأرض وربات جبال الأوليمب، فقد ظلَّت امرأةً مدنسة السُّمعة بتلفيقٍ من أثينا، تلاحق الخطيئة سيرتها، كلَّما ذُكِرت. عندئذٍ هز المحاضر رأسه وأثنى على تعقيب نهى الطالبة المتحمسة للدفاع عن أى أنثى مظلومة حتّى لو كانت أنثى تعيش بين طيّات أسطورة.
 4
 اصطحبت نهى أمَّها فى فسحةٍ قصيرةٍ إلى المتحف اليونانى الرومانىّ؛ لعلَّها تروح عنها قليلا خاصة أنَّها لم تغادر المنزل منذ عشرة أيَّام، وقد أوشكت إجازتها المرضيّة على الانتهاء.. راحت الفتاة وأمُّها تتجولان ببن أروقة المتحف، وتشاهدان التَّماثيل الرخاميّة البيضاء وقطع الآثار المتنوّعة، ثم دخلتا إلى غرفة الحياة اليوميّة، وهناك قبضت نهى على يد أمّها، وقادتها كخبيرةٍ تحفظ عن ظهر قلبٍ كلَّ شبرٍ بالمتحف وما يحويه من آثارٍ. وعند لوحةٍ مكوَّنة من الفسيفساء توقَّفت نهى، وأخبرت أمَّها أنَّها لوحة ميدوزا الأسطورة الإغريقية القديمة، وما إن اقتربت رئيسة الممرضات من اللَّوحة حتى اتسعت حدقتا عينيها عن آخرهما، وسرت رعشة عنيفة فى قلبها، وراحت تعض أناملها، بينما ثبَّتت بصرها على وجه ميدوزا، وراحت تعتصر ذاكرتها، وبعد لحظاتٍ من الصَّمت أشارت بيدها المرتجفة إلى اللَّوحة وقد امتلأت عينيها بالرُّعب؛ إذ كان وجه ميدوزا الظاهر فى اللوحة يحمل ذات الملامح التى أبصرتها فى وجه المرأة العجوز التى يختلجُ فى شعرها ثعابينُ وحيّاتٌ، تختلج الآن فى شعر ميدوسا.