الإسكندرية - محمد مجلى
»قلبي على ولدي انفطر وقلب ولدي عليّ حجر»، لم يعد هذا المثل مجرد تعبير مجازي عن ألم الأمومة، بل بات يُجسد واقعًا ملموسًا في أبشع صوره، فحكايات عقوق الوالدين لم تعد مجرد جفاء أو قطيعة رحم، بل تحولت إلى كوابيس حية تتجاوز حدود العقل البشري وبدلاً من تجسيد عبارة « إكرام الميت دفنه» وهذا التكريم كان من المفترض أن تحظى به أم مسنة بعد أن فارقت الحياة، لكن نجلها أراد لها عكس ذلك وارتكب واحدة من الوقائع التي تهتز لها السماوات بعد أن رفض دفن أمه بصورة شرعية وتلقي العزاء واكتفى بوضعها فى صندوق خشبي أحاطه بطبقات من الأسمنت والخرسانة داخل شقتها فى الإسكندرية ، والسبب أغرب من الخيال ، وهو ما سنتعرف عليه في السطور التالية.
شهدت منطقة المنتزه أول، شرق محافظة الإسكندرية، وقوع جريمة اجتماعية وإنسانية صادمة تخلت فيها المشاعر البشرية عن أسمى معانيها بعد أن تحولت صالة شقة سكنية من مكان مليئ بالذكريات العائلية الدافئة واللحظات التي لا تنسى إلى مسرح لجريمة سعى خلالها الابن الجاحد إلى تجميد مؤقت للموت، واحتجاز لجثمان أم مسنة تبلغ من العمر 76 عامًا تحت كتلة خرسانية صبها ابنها عليها بدم بارد.
لم يكن الهدف الذي سعى من خلاله الابن الجاحد الى إخفاء جريمة قتل، خاصة وأن الوفاة جاءت طبيعية بعد أن حانت لحظة الوداع وجاء موعد رحيلها عن الدنيا، بل كان الهدف هو ضمان استمرار تدفق أموال معاشها الشهري البالغ 22 ألف جنيه شهريًا، وتحقق له ما أراد وخطط له وذلك على مدار 4 أشهر كاملة، عاش خلالها الابن الجاحد، والبالغ من العمر 40 عامًا حياته اليومية بشكل طبيعي إذ مارس طقوسه اليومية بشكل طبيعي فوق جثة أمه الموضوعة فى صندوق خشبي مغطى بالأسمنت، في واحدة من أبشع صور الجحود الإنساني التي سجلتها دفاتر التحقيقات الرسمية.
الحكاية
وبحسب سير التحقيقات عن الواقعة المشينة، فإن الأم المسنة لها ثلاثة من الأبناء لكنها عاشت السنوات الأخيرة من حياتها داخل شقة سكنية عادية بنطاق حي المنتزه، شرقي الإسكندرية، وذلك تحت رعاية نجلها الأربعيني الذي بات وحيدًا بعد انفصاله عن زوجته قبل ثلاث سنوات، حيث كانت الأم مصدر الخير والبركة والعطاء والأمان لهذا المنزل، لكن بالنسبة للابن، فكانت بمثابة «الدجاجة التي تبيض له ذهبا»، إذ أنها كانت تمثل مصدر دخل ثابت بعد أن اعتاد على وضع يده على معاشها الشهري ومعاش زوجها المتوفى، والذي يبلغان معًا نحو 22 ألف جنيه مصري.
قبل أسبوع واحد من حلول شهر رمضان المبارك، صعدت روح الأم إلى بارئها إثر وفاة طبيعية ناتجة عن أمراض الشيخوخة، إذ توفيت فى العقد الثامن من العمر، وهو ما اكتشفه ابنها أثناء محاولة إيقاظها من نومها لكنه كان النوم الأخير، وبدلاً من أن يحل الحزن والبكاء عليه في تلك اللحظة، التي يقف فيها الأبناء عادة في ذهول وصدمة، ويسارع فى أخبار أشقائه وأهله وجيرانه من أجل أن يسارعون لإكرام الميت بدفنه وتشييع جنازته وسط دعوات الأهل والأقارب والجيران.
لكن هذا الابن اختار طريقًا مختلفًا تمامًا؛ طريقًا تحكمه المادة والجشع وتغيب عنه الفطرة الإنسانية السوية.
تحول البكاء إلى دهاء ودارت أفكار سوداوية بداخله متسائلاً فى نفسه حول مصير المعاش الذي تتقاضاه أمه وتضعه بين يديه، فوقف الابن ينظر إلى جثمان والدته المسجى أمامه، وبدلاً من أن يذرف دمعة حزن واحدة، بدأ في حساب الخسائر المادية التي ستلحق به بعد توقف المعاش بمجرد استخراج شهادة الوفاة، فنالت الوساوس الشيطانية من عقله وأحكمت غلق قلبه وضميره وصدر قراره الشيطاني، بأن يبيع حرمة جسد أمه مقابل حفنة من الجنيهات، ضاربًا عرض الحائط بكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية.
صندوق خشبى
إخفاء خبر وفاة الأم وإخفاء جثمانها لم يكن بالأمر الصعب، فلم يتنصل الابن من مسئولية الدفن فحسب، بل ابتكر طريقة هندسية بشعة لإخفاء الجثمان داخل الشقة السكنية التي يقطنها بمفرده، وسارع فى إحضار صندوق خشبي كبير الحجم، يتسع لجسد أمه النحيل، ووضع الجثمان داخله بعناية فائقة لا تنم عن مراعاة حرمة الموتى بل عن رغبة عارمة في تنفيذ مخططه.
الفكرة الشيطانية التي استحوذت على عقل الابن الضال، لم تقف عند هذا الحد بالاكتفاء بوضع جسد الأم في الصندوق، بل سارع في شراء كميات كبيرة من الرمال والأسمنت والزلط.
وبدأ في خلط الخرسانة داخل صالة منزله، وصَبّ طبقة خرسانية ثقيلة وكثيفة فوق الصندوق الخشبي، قاصدًا من فعلته المشينة عزل الجثمان تمامًا عن المحيط الخارجي لمنع خروج أي روائح كريهة قد تثير أي شبهات من الزائرين أو الجيران، وسارع فى تحويل الصندوق إلى ما يشبه قطعة أثاث أو مصطبة إسمنتية غريبة في مكانها كان منتصف الصالة.
أنهى الابن مهمته التي ظن انه نجح فيها خاصة بعد مرور يوم تلو الآخر وأسبوع ورا أسبوع وشهر يمر تلو الآخر حتى نجح فى إخفاء جريمته على مدار 120 يومًا، عاش خلالها المتهم بصورة طبيعية يستيقظ فى كل صباح ويمارس حياته بشكل طبيعي، فكان يتناول طعامه وشرابه، ويمارس حياته اليومية، وينام على بعد خطوات قليلة من جثة أمه المحاصرة بالأسمنت، دون أن يهتز له جفن أو يستيقظ ضميره ليلاً، ثم يمر بجانب الكتلة الخرسانية التي تحوي جثمان أمه، يلقي عليها نظرة عابرة، ثم يتوجه إلى ماكينة الصراف الآلي ليصرف المعاش الشهري.
قلق الأشقاء
مرور الأيام والأسابيع لم يكن بالأمر الهين على أشقائه الذين كان ينتظرون تجمعهم خلال شهر رمضان، لكن لم يحدث ومع غياب الأم لفترات طويلة شعر الأبناء بالقلق وبدأ أفراد العائلة والأسرة فى السؤال عنها ووقف الابن المتهم أمام محاولات أشقائه الذين حاولوا زيارتها مرارًا وتكرارًا أو التحدث إليها عبر الهاتف، لكنهم كانوا يواجهون دائمًا بحائط صد منيع من شقيقهم الأكبر، فكان يختلق الأعذار لإبعاد الشبهة عن نفسه، فتارة يدعي نومها وتارة أخرى عدم وجودها فى المنزل لقيامها بزيارة أحد الأقارب وتارة أخرى يبلغهم فيها بأنها مريضة ولا تقوى على الكلام.
لم يجد الابن الضال سبيلا للهروب من أسئلة أشقائه والعائلة والمحيطين أمام إلحاحهم لرؤية والدتهم فقرر نسج رواية خيالية لا تصدقها عقول عاقلة إذ ادعى أن أمه المسنة، البالغة من العمر 76 عامًا، قد تزوجت سرًا من رجل مسن وغادرت معه إلى مكان مجهول خارج المحافظة، وأنها لا ترغب في التواصل مع أحد من أبنائها، فلم يقتنع الأبناء بتلك الرواية المتضاربة التي أثارت الشك والريبة بداخلهم، متسائلين كيف لسيدة في هذا العمر، تعاني من أمراض الشيخوخة، أن تتزوج فجأة وتختفي دون ترك أي أثر أو أن تودع أبناءها؟
أدرك الأشقاء أن هناك أمرًا كارثيًا يخفيه شقيقهما، وقررا كسر حاجز الصمت العائلي والتوجه إلى القانون لكشف الغموض، فقررا التقدم ببلاغ رسمي إلى قسم شرطة المنتزه أول، يفيد باختفاء والدتهما المسنة منذ عدة أشهر، واتهما شقيقهما بشكل مباشر بمنعهما من رؤيتها وتقديم معلومات متضاربة ومضللة عن مكان تواجدها وعلى الفور انتقلت الأجهزة الأمنية إلى الشقة السكنية التي يقطنها الابن وبمجرد دخول الشقة لاحظوا وجود صندوق خشبي ضخم مغطى بطبقة سميكة من الخرسانة والأسمنت والرمال في مكان بارز من الصالة، فى مشهد غير مألوف ولا يتناسب مع طبيعة ديكور الشقة السكنية.
تلقى المقدم شهاب مصطفى، رئيس مباحث قسم شرطة المنتزه أول، البلاغ باهتمام كبير، ونظرًا لخطورة المؤشرات، تشكل فريق بحث وتحرىٍ مكثف تحت إشراف القيادات الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية، إذ بدأت الأجهزة الأمنية في فحص سجلات الأم، وتبين أنها لم تصرف معاشها بنفسها، وأن عمليات السحب تتم بانتظام عبر بطاقة الفيزا الخاصة بها.
انتقلت قوة أمنية برئاسة رئيس المباحث إلى الشقة السكنية المستهدفة لمعاينتها وسؤال الابن بشكل مباشر وتفصيلي.
بمجرد دخول ضباط المباحث إلى صالة الشقة، استرعى انتباههم وجود صندوق خشبي ضخم مغطى بطبقة سميكة من الخرسانة والأسمنت والرمال في مكان بارز من الصالة، فكان المشهد غير مألوف ولا يتناسب مع طبيعة ديكور الشقة السكنية.
بمواجهة المتهم حاول المراوغة والتلويح بأن الصندوق يحوي بداخله مجموعة من قطع غيار سيارات القديمة والتي يسعى للحفاظ عليها لكن ضباط المباحث بخبرتهم الكبيرة نالت من ثباته وانهار أمام الجميع واعترف بأن الصندوق الخشبي بداخله والدته المتوفاة منذ ٤ أشهر وقبل أسبوع من حلول شهر رمضان المبارك، مؤكدًا أنها توفيت وفاة طبيعية وأنه سعى للحفاظ على صرف معاشها الشهري ومعاش زوجها المتوفي والذي يبلغ نحو ٢٢ ألف جنيه شهريًا، فكانت هذه الاعترافات بمثابة الصدمة على الأجهزة الأمنية الحاضرة؛ فالجرم هنا تجاوز حدود السرقة أو النصب ليلامس قاع الجحود البشري والتنكر لأبسط حقوق الأمومة على ولدها.
اتخذت كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة وتم التحفظ على المتهم وإيداعه الحبس وعرضه على النيابة العامة لإعمال شئونها وبدء استخراج جثمان أمه ودفنها بالصورة الصحيحة بعد استبيان حالة الأم وسبب الوفاة.
انهيار وبكاء
فى وقت لم يعد يفلح فيه الندم وقف المتهم مرتجفا خائفا ليروي تفاصيل الواقعة ويؤكد من خلال الكلمات التي كانت تخرج من فمه ثقيلة لتكشف عن الحقيقة البشعة، معترفًا بأن الجثمان الموجود داخل الصبّة الإسمنتية هو جثمان والدته المسنة، مؤكدًا أنه قرر الاحتفاظ بجثتها داخل هذه الكتلة الخرسانية لضمان استمرار صرف معاشها ومعاش زوجها المتوفي والذي كان يمثل مصدر دخله الأساسي بعد تعثر أعماله التجارية في مجال قطع غيار السيارات.
من جانبها باشرت نيابة أول المنتزه بالإسكندرية، برئاسة المستشار أحمد طارق جاد رئيس النيابة وتحقيق المستشار أحمد راشد أبوزيد وكيل النائب العام، وأمرت باستخراج الجثمان وتم الأمر تحت إشراف وكيل النائب العام المستشار أحمد أبوزيد، وبحضور رجال الشرطة والجهات المختصة رفقة خبراء الأدلة الجنائية وفريق من الطب الشرعي، إذ قامت بكسر الصبة الخرسانية بحذر واستخراج الصندوق الخشبي لفحص الجثمان.
نقلت جثة الأم المسنة إلى المشرحة تحت تصرف النيابة العامة، لإجراء الصفة التشريحية والوقوف على السبب الحقيقي والنهائي للوفاة، حيث جاءت الفحوصات الطبية الأولية والتقرير المبدئي ليؤكد أن الوفاة طبيعية تمامًا ولا توجد بها أي شبهة جنائية تعمدية كالقتل أو التسميم، مما أكد صحة جزء من أقوال المتهم بأن دافعه كان ماديًا بحتًا لإخفاء الوفاة وليس لإخفاء جريمة قتل.
وبناءً على التحقيقات الموسعة واعترافات المتهم التفصيلية، أصدرت جهات التحقيق قرارها بحبس المتهم ١٥ يومًا على ذمة التحقيقات ووجهت له تهمة دفن جثة بدون تصريح رسمي وفي غير الأماكن المخصصة للدفن، والاستيلاء على أموال الدولة بدون وجه حق عبر استخدام بطاقات بنكية لشخص متوفى، و تضليل العدالة وتقديم بلاغات ومعلومات كاذبة للأجهزة الأمنية ولذوي المتوفاة.
عبر شقيق وشقيقة المتهم عن صدمتهما وخيبة أمل كبيرة إيذاء ما قام به شقيقهما من أفعال لا تتناسب ولا تعبر عن مدى تقديرهم واعتزازهم بأمهم التي سهرت الليالي وتعبت فكان مصيرها عدم اكرامها وعدم دفنها والاكتفاء بوضعها داخل صندوق محاط بطبقات من الأسمنت.
اقرأ أيضا: حل لغز العثور على جثة طفل ملقاة بمقلب قمامة بـ الإسكندرية
حملات أمنية مكثفة تُسقط عصابات سرقة المواد البترولية وبيعها في السوق السوداء
مناقشة حول مشروع قانون الأحوال الشخصية
بسبب أسبقية الري.. المدرس فقد حياته على يد ابن عمه





