في ظل التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، عاد قانون الأحوال الشخصية إلى صدارة النقاشات العامة من جديد، بعد إدراجه ضمن ملفات الحوار الوطني الشامل، باعتباره أحد أكثر القوانين تأثيرًا على حياة المواطنين واستقرار الأسرة المصرية، ويترقب الملايين الملامح النهائية لمشروع القانون الجديد، خاصة مع طرح عدد من المواد التي أثارت جدلًا واسعًا بين القانونيين والمتخصصين والمهتمين بالشأن الأسري، من بينها الرعاية المشتركة للأبناء بعد الطلاق، واشتراط موافقة الزوجة الأولى على الزواج الثاني، والمواد المرتبطة بالحضانة والرؤية والاستضافة، فضلًا عن المقترحات الخاصة بفسخ عقد الزواج في بعض الحالات المرتبطة بعدم الإنجاب.
تتواصل المناقشات بحثًا عن صيغة تحقق التوازن بين حقوق جميع الأطراف وتحافظ على مصلحة الطفل باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا بأي نزاع أسري، ومع استمرار النقاشات داخل الحوار الوطني، تتجه الأنظار نحو الصيغة النهائية للقانون، أملاً في أن يحقق التوازن المطلوب بين الحقوق والواجبات، وأن يضع حدًا لسنوات طويلة من الجدل حول ملفات الحضانة والرؤية والرعاية المشتركة وغيرها من القضايا الأسرية الشائكة.

في البداية تحدثنا مع المحامية المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية والمشاركة في جلسات الحوار الوطني نهى الجندي التي اكدت لنا؛ أنها تقدمت بعدد من المقترحات والتوصيات التي تستهدف تحقيق التوازن بين حقوق جميع أطراف الأسرة.
وأوضحت أنها طالبت بإلغاء الشق الجنائي في قائمة المنقولات الزوجية، وأن يتم التعامل معها كدعوى مدنية تُنظر أمام محاكم الأسرة، بما يضمن تسوية النزاعات الأسرية في إطارها الطبيعي بعيدًا عن العقوبات الجنائية، كما دعت إلى إقرار نظام الاستضافة والمبيت للأب، بما يتيح له قضاء وقت أطول مع أبنائه، مؤكدة أهمية تعزيز دور الأب في حياة الأطفال وعدم اقتصار العلاقة على الرؤية لساعات محدودة.
وفيما يتعلق بالطلاق الشفهي، شددت على ضرورة إلزام الزوج بتوثيق الطلاق خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا، معتبرة أن عدم التوثيق يتسبب في تعليق أوضاع كثير من النساء اللاتي لا يعرفن على وجه اليقين ما إذا كانت العلاقة الزوجية قائمة أم انتهت، وأضافت أن العلاقة الزوجية يجب أن تظل قائمة قانونًا في حال إنكار الزوج وعدم استكمال إجراءات التوثيق.
واعترضت على المقترحات الخاصة بإلزام الزوج بإخطار زوجته الأولى كتابيًا قبل الزواج بأخرى، معتبرة أن ذلك يتعارض من وجهة نظرها مع أحكام الشريعة الإسلامية التي أباحت التعدد، وكذلك مع بعض المبادئ الدستورية.
وفي ملف النفقات، أشارت إلى أن الدولة بدأت بالفعل في تطبيق آليات أكثر فاعلية لتنفيذ أحكام النفقة، موضحة أن وزارة العدل اتخذت إجراءات لوقف عدد من الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن السداد، بما يسهم في ضمان حصول المستحقين على حقوقهم.
كما طالبت بتمكين الخاطب من استرداد الشبكة في جميع حالات فسخ الخطبة، سواء كان الفسخ من جانبه أو من جانب المخطوبة، من خلال دعوى قضائية مستقلة تحت مسمى «دعوى استرداد الشبكة» تُنظر أمام القضاء المختص، اما بالنسبة للرعاية المشتركة قالت: إنها تمثل أحد الحلول المهمة التي يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال بعد الانفصال، وأوضحت أن من حق الأب أن يشارك في تربية أبنائه ورعايتهم، مشيرة إلى أن الطفل السوي ينشأ بعيدًا عن الصراعات المستمرة بين الوالدين، وأن التعاون بين الأب والأم بعد الانفصال ينعكس بصورة مباشرة على الصحة النفسية للأبناء.
وأضافت؛ أن مصلحة الطفل يجب أن تكون الأولوية القصوى عند مناقشة أي تعديلات تتعلق بقانون الأحوال الشخصية، مؤكدة أن الهدف من الرعاية المشتركة ليس انتقاص دور أي من الوالدين، وإنما الحفاظ على حق الطفل في الحصول على الرعاية والتوجيه من الطرفين معًا.
وترى أن النزاعات المستمرة بين الآباء والأمهات بعد الطلاق تترك آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة على الأبناء، وهو ما يتطلب وجود آليات قانونية تضمن استمرار العلاقة الطبيعية بين الطفل ووالديه بعيدًا عن الخلافات الشخصية.
الزواج الثاني
ويعد ملف الرعاية المشتركة من أبرز الملفات المطروحة للنقاش خلال الفترة الحالية، حيث يطالب عدد من الآباء بإعادة النظر في نظام الرؤية التقليدي الذي يقتصرعلى ساعات محدودة أسبوعيًا، معتبرين أنه لا يتيح مشاركة حقيقية في تربية الأبناء.
ويقوم مفهوم الرعاية المشتركة على استمرار مشاركة الأب والأم في اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بالأبناء، بما يشمل التعليم والرعاية الصحية والأنشطة الاجتماعية، حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
في المقابل، تثار تساؤلات حول آليات تطبيق الرعاية المشتركة في الحالات التي تشهد نزاعات حادة بين الوالدين، ومدى قدرة الطرفين على التعاون في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأبناء.

تحدثنا مع المحامي عصام كمال المشارك ايضا فى مناقشة الحوار الوطني لقانون الاحوال الشخصية حيث يرى؛ أن أي تعديلات جديدة على قانون الأحوال الشخصية يجب أن تنطلق من مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات، مع مراعاة خصوصية المجتمع المصري وطبيعة العلاقات الأسرية داخله.
ويؤكد أن الرعاية المشتركة من حيث المبدأ تمثل فكرة إيجابية إذا تم تنظيمها بصورة دقيقة وواضحة، تضمن عدم تحولها إلى مصدر جديد للخلافات بين الطرفين.
وأضاف؛ أن نجاح أي نظام قانوني جديد يتوقف على وجود آليات تنفيذية واضحة ومحددة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأزمات لا ترتبط بالنصوص القانونية بقدر ارتباطها بصعوبة التطبيق العملي.
وشدد على ضرورة أن تراعي التعديلات المرتقبة مصلحة الطفل أولًا، مع الحفاظ على حقوق الأب والأم في الوقت نفسه.
ومن بين المواد التي أثارت جدلًا واسعًا خلال مناقشات الحوار الوطني، المقترحات المتعلقة بتنظيم الزواج الثاني، وخاصة فكرة اشتراط وجود موافقة أو إذن كتابي من الزوجة الأولى.
ويرى عصام كمال المحامي أن هذا المقترح الهدف منه تعزيز الشفافية ومنع حالات التحايل أو إخفاء الزواج الثاني عن الزوجة الأولى، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار الأسرة وتصاعد النزاعات القضائية، كما يؤكد أن معرفة الزوجة الأولى بالأمر يمنحها فرصة لاتخاذ قرارها بحرية، سواء بالاستمرار في الحياة الزوجية أو اللجوء إلى الإجراءات القانونية التي يكفلها القانون.
ويؤكد أن هذا النوع من المواد يجب أن يخضع لحوار مجتمعي واسع، نظرًا لحساسيته وتأثيره المباشر على العلاقات الأسرية.
ومن الملفات التي أثارت نقاشًا واسعًا أيضًا– والكلام على لسان عصام كمال - المقترحات الخاصة بإمكانية فسخ عقد الزواج في بعض الحالات المرتبطة بعدم الإنجاب، إذا كان ذلك منصوصًا عليه ضمن شروط عقد الزواج.
ويرى أن من حق الطرفين الاتفاق على شروط محددة منذ البداية، وأن الوضوح في العقود يسهم في تقليل النزاعات المستقبلية.
خاصة أن قضية الإنجاب ترتبط بعوامل صحية وطبية وإنسانية معقدة، وأن التعامل معها يحتاج إلى قدر كبير من المرونة والحكمة، حفاظًا على استقرار الأسرة وعدم التسرع في إنهاء العلاقات الزوجية.
الحضانة والرؤية
ولا يزال ملف الحضانة والرؤية والاستضافة واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل قانون الأحوال الشخصية.
فبين مطالبات الآباء بزيادة فترات الرؤية وتفعيل الاستضافة بصورة أوسع، ومخاوف بعض الأمهات من تأثير ذلك على استقرار الأطفال، تتواصل المناقشات للوصول إلى صيغة تحقق مصلحة جميع الأطراف.
ويرى متخصصون أن الطفل يجب ألا يتحول إلى أداة ضغط أو وسيلة انتقام بين الوالدين بعد الانفصال، مؤكدين أن الهدف الأساسي لأي تعديل قانوني يجب أن يكون حماية الأبناء من آثار الصراعات الأسرية.
ومن الناحية النفسية، تؤكد الدكتورة ندى عماد الخبيرة النفسية، أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثرًا بالخلافات التي تنشأ بين الوالدين بعد الانفصال.
وتوضح أن الصراعات المستمرة تنعكس على شعور الطفل بالأمان والاستقرار، وقد تؤدي إلى مشكلات سلوكية ونفسية تمتد لسنوات طويلة.
وأضافت؛ أن الدراسات النفسية تشير إلى أن الطفل الذي يحافظ على علاقة صحية ومتوازنة مع والديه يكون أكثر قدرة على التكيف النفسي والاجتماعي مقارنة بالأطفال الذين يعيشون في أجواء الصراع المستمر.
وترى أن الرعاية المشتركة يمكن أن تمثل نموذجًا إيجابيًا إذا توافرت الإرادة الحقيقية للتعاون بين الوالدين، مؤكدة أن نجاح أي نظام قانوني في هذا المجال يعتمد في الأساس على وعي الأب والأم بمسئولياتهما تجاه الأبناء.
كما شددت على أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الرئيسي في جميع القرارات المرتبطة بالحضانة والرؤية والاستضافة، بعيدًا عن الخلافات الشخصية بين الكبار.
قانون أكثر عدالة

الدكتورة نسرين البغدادي، أستاذة علم الاجتماع وعضو المجس القومي للمرأة ومشاركة فى الحوار الوطني قالت: «أن النقاش الدائر حول قانون الأحوال الشخصية لا يجب أن يقتصر على الحقوق القانونية لكل طرف، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره قضية مجتمعية ترتبط بشكل مباشر باستقرار الأسرة ومستقبل الأطفال، وتؤكد أن المتغيرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع خلال السنوات الأخيرة فرضت واقعًا جديدًا يتطلب مراجعة بعض التشريعات الأسرية بما يحقق التوازن بين الحقوق والواجبات، ويحافظ في الوقت نفسه على تماسك الأسرة.
وتضيف؛ أن الخلافات التي تنشأ بعد الطلاق غالبًا ما تنعكس بصورة سلبية على الأبناء، لذلك فإن أي تعديلات تتعلق بالحضانة أو الرؤية أو الرعاية المشتركة يجب أن تنطلق من مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، بعيدًا عن فكرة انتصار طرف على آخر، وتشير إلى أن الطفل يحتاج إلى استمرار دور الأب والأم معًا في حياته، لأن غياب أحد الطرفين أو إقصاءه قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية تمتد إلى مراحل عمرية لاحقة.
وتوضح أن نجاح أي تعديلات تشريعية لن يتوقف فقط على النصوص القانونية، وإنما يرتبط أيضًا بوجود وعي مجتمعي وثقافة قائمة على تحمل المسئولية المشتركة داخل الأسرة، سواء أثناء الحياة الزوجية أو بعد الانفصال، بما يحد من النزاعات ويعزز الاستقرار الاجتماعي.
لذلك فإن الوصول إلى قانون متوازن يتطلب الاستماع إلى مختلف الآراء القانونية والاجتماعية والنفسية، مع مراعاة الحفاظ على استقرار الأسرة وحقوق جميع أفرادها.
ومع استمرار جلسات الحوار الوطني، يبقى الأمل معقودًا على أن تسهم المناقشات الجارية في صياغة قانون قادر على معالجة المشكلات القائمة وتقليل حجم النزاعات الأسرية، بما يحقق العدالة ويحافظ على مصلحة الأطفال.
اقرأ أيضا: مطالب بمراجعة مصطلحات قانون الأحوال الشخصية
حملات أمنية مكثفة تُسقط عصابات سرقة المواد البترولية وبيعها في السوق السوداء
أبناء آخر زمن.. 22 ألف جنيه وراء إخفاء المتهم جثمان والدته داخل صندوق من الأسمنت
بسبب أسبقية الري.. المدرس فقد حياته على يد ابن عمه





