الشرقية: إسلام عبدالخالق
»الشهامة».. كلمة تصف أعمق درجات إنكار الذات بحثًا عن تقديم العون للغير، إلا أن ما فعله ثلاثة شباب يفوق المقصود بكثير؛ بعدما اتجهت إرادتهم إلى التعاون بهدف إنقاذ روح حصان كان يصارع الغرق في ترعة، قبل أن ينتهي الأمر بهم غرقى وقد فارقوا الحياة وابتلعتهم المياه، ليدون المشهد فصلا كبيرًا في سجلات الشجاعة والفداء التي تخطت قيمة معانيها أسمى معاني الإنسانية والعطف، بيد أن الحزن، لقاء فقدان الثلاثة، صبغ الأجواء بالحزن تارة، والدعاء تارات مقترنة بالإشادة بما فعلوه، وأن تلك المحاولات التي أودت بحياتهم حتما قد جعلت منهم نموذجا لإنكار الذات.
في قرية السماعنة التابعة لنطاق مركز فاقوس أقصى شمال شرق محافظة الشرقية، لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفًا عن غيره، الحياة كانت تسير بهدوئها المعتاد والمزارعون يتجهون إلى أراضيهم، فيما يتنقل الشباب بين أعمالهم ومصالحهم اليومية، وكانت مياه الترعة الممتدة بمحازاة الطريق تواصل جريانها كما فعلت لعقود طويلة دون أن تلفت انتباه أحد، لكن دقائق قليلة كانت كفيلة بأن تحول هذا الهدوء إلى مأتم كبير، وأن تكتب واحدة من أكثر الوقائع الإنسانية إيلامًا في ذاكرة أهالي فاقوس؛ بعدما خرج ثلاثة شباب من بيوتهم كأي يوم عادي، ليعودوا إلى ذويهم جثامين محمولة على الأكتاف، وسط دموع لم تتوقف وقلوب لم تستوعب حتى الآن كيف تحولت الشهامة إلى مأساة.
إنقاذ روح
في ذلك المكان القريب من ماكينة الرفع بطريق السماعنة بدأت القصة التي ستشغل أحاديث الأهالي لأيام طويلة؛ لم يكن هناك شجار أو حادث تصادم أو جريمة جنائية، بل كانت هناك محاولة لإنقاذ روح أخرى، حصان كان يصارع الغرق داخل مياه الترعة، حيث كان الحصان، بحسب روايات الأهالي، يواجه الموت أمام أعين الموجودين، وكان الحيوان الذي يعتمد عليه أصحابه في أعمالهم اليومية يضرب المياه بعنف محاولا النجاة، بينما كانت التيارات المائية تدفعه أكثر نحو الهلاك.
في تلك اللحظة، لم يفكر الشاب «أحمد حسن محمد مرسي»، صاحب الثمانية عشر عاما، كثيرا؛ كان مثل كثير من أبناء الريف المصري الذين تربوا على النجدة والشهامة ومساعدة الغير دون حساب للمخاطر، رأى مخلوقا يصارع الموت أمامه، فلم يحتمل الوقوف متفرجا، وخلع ما استطاع من ملابسه، واتجه نحو المياه.
ربما كان يعتقد أن الأمر لن يستغرق سوى دقائق معدودة، ربما ظن أنه سيتمكن من الوصول إلى الحصان وسحبه إلى بر الأمان، وربما لم يتخيل للحظة أن تلك القفزة ستكون الأخيرة في حياته.
ما أن نزل أحمد إلى المياه حتى اكتشف أن الأمر أخطر بكثير مما بدا من الخارج؛ فالترعة التي تبدو هادئة على سطحها كانت تخفي تيارات قوية في الداخل، ومع محاولته الاقتراب من الحصان بدأ يفقد السيطرة تدريجيًا.
في البداية ظن الواقفون أنه سيتمكن من النجاة، لكن بعد لحظات بدأت حركاته تصبح أكثر اضطرابًا، وصار يصارع المياه بدلا من إنقاذ الحصان، وفجأة تحول المنقذ إلى شخص يحتاج هو نفسه إلى الإنقاذ.
في تلك اللحظة الحرجة، لم يقف «محمد عاشور عبدالله»، البالغ من العمر سبعة وعشرين عاما، متفرجا؛ كان أكبر الضحايا سنًا وربما أكثرهم إدراكًا لحجم الخطر، لكنه أيضا كان يحمل في داخله نفس معدن الشهامة الذي دفع «أحمد» إلى النزول حين رأى الشاب الأصغر يغرق أمامه، ورأى ثواني الحياة تتسرب منه، فلم يتردد، فقفز هو الآخر إلى المياه دون أن يفكر في نفسه، ولا في أسرته، ولا حتى في العواقب، كان كل ما يشغله إنقاذ إنسان يصارع الموت، لكن المأساة كانت تتكرر بصورة أسرع مما توقع الجميع، فما أن وصل إلى المياه حتى اصطدم بالقوة نفسها التي واجهت «أحمد».
التيار كان أقوى من الجميع، والترعة التي بدت هادئة كانت تبتلع ضحاياها الواحد تلو الآخر، وعلى الضفة وقف الأهالي يصرخون، بعضهم حاول إحضار حبال، وآخرون ركضوا بحثًا عن أي وسيلة للمساعدة، لكن الأحداث كانت تتسارع بصورة مأساوية؛ فبينما كان «أحمد» و«محمد» يصارعان الموت داخل المياه، كان الشاب الثالث «أسامة عبدالعزيز محمد»، البالغ من العمر واحدا وعشرين عاما، يشاهد المشهد بعينين لا تحتملان رؤية صديقين أو شابين يغرقان أمامه، لم يكن هو الآخر يعرف أن الموت ينتظره، كل ما عرفه وقتها أن هناك من يحتاج إلى المساعدة، وكما فعل من سبقاه اندفع دون حساب وقفز إلى المياه، كانت تلك القفزة الثالثة، والأخيرة، وخلال دقائق معدودة تحولت محاولة إنقاذ حصان إلى مأساة إنسانية أودت بحياة ثلاثة شباب دفعة واحدة.
على الشاطئ، كان المشهد يزداد رعبًا؛ ثلاثة أجساد تختفي وتظهر بين المياه، صرخات تتعالى، محاولات يائسة للإنقاذ، دقائق تمر وكأنها ساعات، لكن النهاية كانت أقسى مما توقع الجميع؛ اختفى الشباب الثلاثة داخل المياه ولم يعد أحد منهم قادرا على الخروج.
وصلت فرق الإنقاذ بعد البلاغات المتتالية من الأهالي، وتحول المكان إلى خلية عمل كبيرة؛ سيارات الإسعاف ورجال الإنقاذ والأجهزة المعنية، والعشرات من الأهالي الذين تجمعوا على جانبي الترعة.
الجميع كان يتشبث بأمل ولو ضئيل في العثور على أحدهم حيًا، لكن الحقيقة كانت تتكشف تدريجيًا، بدأت عمليات البحث داخل المياه، ومع مرور الوقت انتشل الجثمان الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ومع كل جثمان يخرج من المياه كانت صرخات جديدة ترتفع من بين الأهالي.
كانت لحظات قاسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فكل ضحية من الضحايا الثلاثة كان له بيت ينتظره وأم تدعو له وأصدقاء يخططون معه لأيام قادمة لم تأت أبدا.
انتقلت الجثامين الثلاثة إلى المستشفى، لكن الحزن لم يبق داخل جدران المستشفى بل امتد إلى فاقوس كلها؛ سرعان ما انتشرت الأسماء بين الأهالي: «أحمد حسن محمد مرسي»، و«محمد عاشور عبدالله»، و«أسامة عبدالعزيز محمد»، ثلاثة أسماء تحولت خلال ساعات إلى حديث المحافظة بأكملها.
في الشوارع والمقاهي والمساجد والمنازل، كان الناس يتحدثون عن الواقعة، لم يتحدثوا عن تهور أو خلاف أو جريمة، بل عن شهامة شباب حاولوا إنقاذ روح بريئة، أشخاص دفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولة إنقاذ حصان، والأكثر إيلاما أن أحدًا منهم لم يكن مضطرًا للنزول إلى المياه، لم يكن هناك واجب رسمي ولا تكليف ولا مصلحة شخصية، كانت فقط إنسانية خالصة ورغبة صادقة في المساعدة، ولهذا بدت الفاجعة أكبر.
داخل منازلهم
في منازل الضحايا الثلاثة، كانت الساعات تمر ببطء قاتل؛ أمهات فقدن أبناءهن في لحظات، وآباء وجدوا أنفسهم فجأة أمام نعوش أبنائهم، وأشقاء لم يصدقوا أن من كانوا يجلسون معهم قبل ساعات قليلة أصبحوا مجرد ذكريات، فيما تحولت القرى المحيطة إلى سرادق عزاء كبير، وكانت الأبواب مفتوحة لاستقبال المعزين، والوجوه يغطيها الذهول، والكلمات تبدو عاجزة عن مواساة أسر فقدت أبناءها دفعة واحدة.
كثيرون من أبناء المنطقة تحدثوا عن أخلاق الضحايا، قالوا إنهم كانوا معروفين بحسن السيرة وبحب الناس وبالمواقف الطيبة، وأن ما فعلوه في لحظاتهم الأخيرة لم يكن أمرًا غريبًا عليهم؛ فقد عاشوا حياتهم على الشهامة نفسها التي قادتهم في النهاية إلى المياه.
ومع انتهاء مراسم الدفن، لم تنته حالة الحزن، بل ازدادت؛ خاصة مع تداول تفاصيل الواقعة بصورة واسعة، فكلما عرف الناس أن الشباب الثلاثة لم ينزلوا للترعة للسباحة أو اللهو، بل لإنقاذ حصان وشاب يغرق، ازداد التأثر بالقصة، وباتت الواقعة بالنسبة للكثيرين رمزًا للتضحية والشهامة التي انتهت نهاية مأساوية.
وفي المقابل، عاد الحديث مجددا بين الأهالي عن خطورة الترع والمصارف المنتشرة في القرى، وعن الحاجة إلى وسائل حماية أفضل وإجراءات وقائية تمنع تكرار مثل هذه الكوارث، فكم من أرواح ابتلعتها المياه خلال السنوات الماضية وكم من أسر تحولت أفراحها إلى مآتم بسبب لحظة واحدة، لكن وسط كل تلك الأسئلة، بقي المشهد الأكثر حضورا في أذهان الجميع هو صورة ثلاثة شباب اندفعوا بدافع النبل والشهامة لإنقاذ حياة أخرى، دون أن يدركوا أن القدر كان يكتب لهم نهاية واحدة.
ثلاثة شباب خرجوا من بيوتهم في يوم عادي، لم يحملوا معهم سوى قلوبهم الطيبة، وحين رأوا خطرًا يهدد غيرهم، اختاروا المواجهة بدلا من الفرار، وبين ضفتي ترعة السماعنة، انتهت حياتهم في دقائق قليلة، لكن قصتهم بقيت شاهدة على أن بعض البشر يرحلون وهم يؤدون أنبل ما يمكن أن يفعله الإنسان: «محاولة إنقاذ حياة، حتى وإن دفعوا حياتهم ثمنا لذلك».
اقرأ أيضا: مصرع طفلة غرقًًا في مياه ترعة بالشرقية
حملات أمنية مكثفة تُسقط عصابات سرقة المواد البترولية وبيعها في السوق السوداء
أبناء آخر زمن.. 22 ألف جنيه وراء إخفاء المتهم جثمان والدته داخل صندوق من الأسمنت
مناقشة حول مشروع قانون الأحوال الشخصية





