يجلس الدكتور أحمد محمود سالمان أستاذ علم المناعة وتطوير اللقاحات والعلاج المناعى للأمراض المعدية والسرطانية بمعهد إدوارد جينر، بجامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة، وعضو فريق تطوير لقاح «كوفيد 19- أمامك بملامح يغمرها السكون، وهدوء يشى بثقة العالم الذى اعتاد مرافقة الفيروسات تحت المجهر، لكنه لا يحمل جفاء المختبرات، فلديه قدرة آسرة على تفكيك أعقد المعادلات البيولوجية، وتحويلها إلى حديث يفهمه رجل الشارع العادى، دون تقعير أو تعقيد.
وعلى هامش التكريم الذى أقامته له جريدة «الأخبار»، تقديراً لدوره التوعوى الاستثنائى خلال جائحة كوفيد-19، كان سالمان يستقبل أكثر الأسئلة مباغتة وصعوبة بابتسامة رقيقة هادئة، تمتص التوتر وتفتح الباب لعمق جديد.
تتحسس فيه تواضع العلماء الحقيقى، فهو لا يرى العلم حكراً على النخب، بل يؤمن بيقين أن صاحب المعرفة يحمل رسالة تتخطى حدود الأطباق المخبرية فى معهد «إدوارد جينر» بجامعة أوكسفورد، لتمتد إلى الشارع، توعية وتبسيطاً.
هذا الشاب، الذى باتت ملامحه مألوفة لدى الجمهور العربى منذ أواخر عام 2020، باعتباره العضو العربى الوحيد فى الفريق الذى طور لقاح أوكسفورد- أسترازينيكا، لم يأت ليتحدث عن أمجاد شخصية، بل ليفتح جرحاً عالمياً يتعلق بأخلاقيات الطب وصناعة الأدوية.
بدأنا حوارنا من مأزق الأوبئة التى تطل برأسها مجدداً، وتحديداً أزمة فيروس إيبولا الحالية التى تضرب القارة السمراء، وتحديداً حول الكواليس التى تهمس بتفاقم المسألة، ووجود أعداد مخيفة غير معلن عنها فى إفريقيا.
صمت للحظة، اختفت خلالها ابتسامته الرقيقة تدريجياً، وحلت مكانها نظرة جادة كمن يستدعى تاريخاً طويلاً من الألم المهمل، وأوضح بصوتٍ هادئ يحمل مرارة خفية، أن الإيبولا ليس مرضاً جديداً، بل معروف منذ سبعينيات القرن الماضى، لكن العالم لم يتحرك بجدية إلا حين وصلت ثلاث حالات إلى أمريكا عام 2014، رغم أنه يحصد إصابات سنوية فى إفريقيا.
وأشار إلى أن جامعة أوكسفورد طورت لقاحاً ناجحاً ضد سلالة «زائير» عام 2019، بالتعاون مع «جونسون آند جونسون»، لكن الخطر الحالى يتمثل فى سلالة «الكونغو»، التى لا يوجد لها لقاح حتى الآن، رغم أن معدل وفياتها ما يزال بين 60 و70%.
ومع ذلك، كشف عن اتفاق حديث بين معهد جينر، ومعهد «سيروم» فى الهند، لتطوير لقاح جديد، متوقعاً أن تستغرق التجارب عاماً كاملاً.
شركات الدواء لا ترى الفقراء
وانتقل الحديث إلى الفارق الهائل فى الاستجابة العالمية للأوبئة، فقال سالمان: بصراحة إن شركات الأدوية الكبرى لا تستثمر إلا حيث يوجد «سوق مربح».
وضرب مثالاً لافتاً، بمعدل الإنفاق على لقاحات فيروس كورونا المستجد، المسبب لجائحة كوفيد 19، مقارنة بلقاحات الملاريا، ورفع يده مؤكداً على رقم صاعق، وهو أن ما أنفق عالمياً فى أسابيع على أبحاث كورونا، يعادل ما تم إنفاقه على أبحاث الملاريا فيما يزيد على قرن من الزمان، منذ بداية اكتشاف الملاريا عام 1880، وحتى اعتماد أول لقاحين لها من منظمة الصحة العالمية فى أكتوبر 2022، وأكتوبر 2023، وذلك بالرغم من أن الملاريا تحصد بين 600 ألف ومليون وفاة سنوياً، وتصيب نحو نصف مليار إنسان.
وعن كيفية استمرار أبحاث الملاريا، رغم ضعف العائد، شرح أن النظام البحثى فى الغرب قائم على التنافس على المنح، فالباحث لا يعيش بمنصبه، بل بتمويله، وأشار إلى أن أوكسفورد نجحت فى خفض تكلفة لقاح الملاريا إلى 3 دولارات فقط للجرعة، مقارنة بلقاحات أخرى تصل إلى 10 دولارات، بما يضمن استدامة إنتاجه عبر الحجم الكبير للاستهلاك.
أزمة عالمية
وفى محور آخر، انتقل الحديث إلى أزمة منظمة الصحة العالمية بعد انسحاب التمويل الأمريكى، ووصف سالمان الخطوة بأنها أداة ضغط سياسى، مستشهداً بتوقف مشاريع سريرية كاملة للملاريا فى إفريقيا بسبب قطع التمويل، قبل أن تتدخل الحكومة البريطانية لإنقاذ بعضها.
وأكد أن المنظمة الدولية، رغم دورها المحورى، لا تمتلك سلطة تنفيذية حقيقية، ولا معامل بحثية، بل تعتمد على جهود تطوعية من علماء مستقلين.
وعند سؤاله عن الاتهامات الأمريكية للمنظمة بمجاملة الصين، والتأخر فى إعلان جائحة كوفيد-19، رأى أن الحكم يجب أن يكون موضوعياً، فالصين دولة مغلقة، والمنظمة تعتمد على البيانات التى تصلها، كما أن الفيروس فى بدايته كان يشبه الإنفلونزا، وإعلان الجائحة بعد ثلاثة أشهر كان ضمن الإطار الزمنى الطبيعى علمياً، إذا وضعنا فى الاعتبار هذه الملابسات.
أما عن مزاعم تصنيع الفيروس معملياً، فرفضها تماماً، مؤكداً أن التحليل الجينى يثبت تطوره الطبيعى عبر طفرات متراكمة على مدى عقود، دون أى آثار للهندسة الوراثية، وأوضح أن الأصل الحيوانى للفيروس شبه محسوم، وإن بقى الجدل حول ما إذا كان الخفاش أو البانجولين هو العائل الأول، وكيف انتقل للبشر، هل عبر الأكل أو عبر إصابة غير مقصودة لأحد العلماء أثناء عزل الفيروسات.
إحصائية غريبة
وحين سألته عن أكثر الكائنات المتسببة فى نقل الأمراض للبشر، استرجع سالمان إحصائية بدت غريبة للغاية، إذ قال بصوتٍ هادئ: إن البشر يرتعدون فى الأفلام السينمائية من فكّ سمكة قرش، بينما هى لا تقتل أكثر من أربعة أو خمسة أشخاص سنوياً فى العالم كله، ويهابون الأسود وهى لا تحصد أكثر من ثلاثين ضحية، وحتى الثعابين لا تتجاوز الوفيات بسببها خمسين ألفاً.
وصمت لبرهة، ثم رفع سبابته ليرسم تدريج الموت الحقيقى، فالإنسان نفسه يأتى فى المرتبة الثانية بحروبه الأهلية ونزاعاته وصراعاته التى تقتل قرابة نصف مليون شخص سنوياً، بينما يتربع على القمة، وبفارق هائل ومخيف «البعوض»!
وهز سالمان رأسه وهو يستعرض قدرة تلك الحشرة الضئيلة على نقل أمراض كالملاريا، وزيكا، والحمى الصفراء، وحمى الضنك، لتقتل سنوياً ما بين مليونين إلى عشرة ملايين إنسان، من خلال لدغة واحدة، تنقل الطفيليات والفيروسات والبكتيريا.
وعن سر قدرة البعوض على نقل هذه الأمراض، أوضح أن المسألة لا تتعلق بقوة الميكروب، بل بكفاءة الناقل، ففيروسات مثل الإيبولا والإيدز تموت داخل الجهاز الهضمى للبعوضة، لذلك لا تنتقل عبرها، أما طفيل الملاريا، فالأمر مختلف، إذ يحتاج فعلياً إلى معدة البعوضة وأمعائها لإكمال دورة حياته، تبدأ القصة بابتلاع أمشاج الطفيل مع الدم، ثم تتخصب داخل أمعاء البعوضة، قبل أن تتحول إلى آلاف الطفيليات التى تستقر فى غددها اللعابية، لتنتقل مع اللدغة التالية إلى إنسان جديد.. لكن المفاجأة أن البعوض، رغم أضراره، فهو جزء من التوازن البيئى، حيث كشف حقيقة يجهلها كثيرون، وهى ذكور البعوض لا تشرب الدم مطلقاً، بل تتغذى على رحيق الأزهار فقط. وحتى الإناث لا تحتاج الدم غذاءً، إلا خلال فترة التبويض للحصول على البروتينات والهرمونات اللازمة لإنتاج البيض، بينما تقوم أيضاً بدور مهم فى تلقيح النباتات.. وعن سر عدم شعورنا باللدغة أثناء النوم، شرح أن خرطوم البعوضة ليس مجرد أنبوب، بل منظومة دقيقة تتكون من ستة أجزاء، بعضها يثقب الجلد، وبعضها يفرز مخدراً موضعياً ومسكناً للألم، وأخرى تضخ مانعاً للتجلط، حتى يبقى الدم سائلاً أثناء الامتصاص، وأكد أن العلماء يدرسون هذه المواد بالفعل لتطوير أدوية جديدة.
بروتوكولات صارمة
وفى ختام الحوار، سألته عن العمل وسط الفيروسات القاتلة. قال: إن الخطر جزء من المهنة، لكنه محكوم ببروتوكولات صارمة. ثم كشف مفاجأة مهمة، قائلاً: 99% من عملى الآن، لا يتطلب التعامل مع الفيروس نفسه، فاليوم، يكفى التسلسل الجينى المنشور للفيروس لتصميم لقاح حديث، فكل ما يفعله هو طلب شريط (دى إن إيه) مطابق من شركة متخصصة، ثم إدخاله إلى خلايا تنتج البروتين المطلوب، مثل بروتين الأشواك الخاص بالفيروس المسبب لكوفيد 19، ليُستخدم لاحقاً فى تصنيع اللقاح.
واختتم قائلاً: إن هذا البروتين غير حى، لا يتكاثر ولا يسبب عدوى، ولذلك فإن أكبر ما يخشاه داخل المختبر ليس الفيروس، بل أن يلوث هو نفسه العينة بالبكتيريا الطبيعية الموجودة فى جسده.

لعبة «التحميل» فى العقارات تُهدر الملايين.. والمشترى أكبر الخاسرين
حكايات الفخار| أسرار صناعة الطين عبر آلاف السنين
الأهالى: تكلفة «الفراشة» نار.. والحل فى دور المناسبات





