يمر الشرق الأوسط بمنعطف تاريخى شديد التعقيد، فبين محاولات صياغة مشهد إقليمى جديد تقوده الدبلوماسية الدولية عبر الاتفاقات ومذكرات التفاهم، وبين صراعات ميدانية مفتوحة تمتد من حافة الممرات المائية الحيوية إلى عمق الأراضى الفلسطينية واللبنانية، تظل الأسئلة حول مآلات الاستقرار المعلقة بين الواقع والأطماع، وفى هذا الحوار الخاص، نلتقى بـرجل الدبلوماسية اللبنانية الأسبق، وقارئ الملفات الإقليمية المخضرم، السفير عدنان منصور، وزير الخارجية اللبنانى الأسبق؛ ليشخص لنا بمشرط الجراح ملفات الأزمات الراهنة. ويفكك «منصور» فى حديثه لـ « الأخبار « أبعاد مذكرة التفاهم «الأمريكية - الإيرانية» الأخيرة والمهلة الحاسمة المقدرة بـ 60 يوماً، كاشفاً عن خبايا التحركات المصرية، بالتعاون مع باكستان وقطر لوقف التصعيد وحقن الدماء، كما يبحر معنا فى عمق الجغرافيا السياسية، مفسراً كيف تحولت الممرات البحرية - وعلى رأسها مضيق هرمز- إلى أسلحة ردع إستراتيجية بدلاً من كونها مجرد معابر تجارية. وفى الشأنين« اللبنانى والفلسطينى»، يعود بنا الوزير الأسبق إلى جذور العقيدة الإسرائيلية وأطماعها التاريخية فى جنوب لبنان ونهر الليطانى وحلم «من النيل إلى الفرات»، وصولاً إلى قراءته لفرص إحياء دور جامعة الدول العربية تحت قيادة السفير نبيل فهمى، كل هذا فى تفاصيل الحوار الذى أجريناه عبر الهاتف .
مكانة القاهرة تاريخية ودورها بالغ الأهمية فى محيطها الإقليمى
الصراعات المسلحة لا تجر وراءها سوى الويلات التى تطال جميع الأطراف
السيطرة على الممرات البحرية «سلاح ردع».. ومضيق هرمز شريان الاقتصاد العالمى
■ كيف ترى المشهد حاليا فى الشرق الأوسط بعد الاتفاق «الأمريكى - الإيرانى» وتداعياته على المنطقة؟ وماذا عن الرابحين و الخاسرين فى هذه الحرب؟
- كان من المتوقع أن يكون لتوقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية آثارا ايجابية وردود أفعال واسعة حول طبيعة المشهد الحالى ومستقبل المنطقة. وكانت الآمال معلقة على يترك هذا الاتفاق ظلالاً إيجابية ملموسة، بالنظر إلى ما كان يحمله من آمال حقيقية لوقف الحرب الدائرة، لا سيما وأن البند الأول من المذكرة كان يشدد بشكل واضح على ضرورة الوقف الفورى لإطلاق النار فى المنطقة بأسرها، وهو ما جعل الكل يتوقع تحقيق الاستقرار والأمن والسلام الشامل.
لكن مع الأسف الشديد لم يتم الالتزام بالاتفاقية. لذا وفى سياق القراءة السياسية للمشهد الحالى، يتبين أنه لا يمكن الحديث فى الوقت الراهن عن رابح وخاسر فى هذه الحرب، فالصراعات المسلحة لا تجر وراءها سوى الويلات والمشاكل والأضرار الجسيمة التى تطال جميع الأطراف المعنية دون استثناء. ومن هذا المنطلق، نؤكد أن الخطوة الفعلية نحو وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق مستقبلى ستنعكس إيجابياتها على الجميع، خصوصاً فى ظل الاهتمام المشترك من دول المنطقة والأطراف الدولية المعنية بشؤونها.
وتتجه الأنظار حالياً نحو الجهود الرامية لاستئناف المفاوضات كركيزة أساسية لبناء السلام، حيث تُعتبر مذكرة التفاهم بمثابة خطوة تمهيدية ومقدمة للمحادثات بين واشنطن وطهران. وبرز الإطار الزمنى الذى كان محددا بـ 60 يوماً كمهلة حاسمة للتوصل إلى اتفاق نهائى وشامل يتناول قضايا متعددة، تأتى فى مقدمتها ملفات الأمن الإقليمي، والملف النووى الإيرانى، بالإضافة إلى رعاية مصالح مختلف دول المنطقة وضمان استقرارها.
سيطرة
■ هل الممرات البحرية أصبحت أهم الأسلحة للسيطرة على الشرق الأوسط؟
- لم تعد مسألة الممرات المائية مجرد طرق تجارية عابرة، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لعرض القوى وصراع الإرادات بين الدول؛ فالأمر فى جوهره لا يقتصر على مجرد السيطرة الجغرافية على الممرات البحرية، بل يمتد إلى كيفية استخدام هذه الممرات كأوراق ضغط إستراتيجية حاسمة. وتبرز هنا دول مثل إيران فى مضيق هرمز كنموذج لتوظيف هذا الممر الحيوى، فى مقابل محاولات فرض الحصار من الجانب الأمريكى على ذات المضيق، مما يجعل من هذه الممرات عاملاً بالغ الحساسية فى توجيه دفة الأحداث الإقليمية والدولية.
وتمنح السيطرة على هذه المنافذ المائية الدول التى تتحكم بها مزايا إستراتيجية كبرى تخدم سياساتها العليا وتوجهاتها؛ فالصراع الراهن فى المنطقة لا يعكس رغبة مجردة فى الهيمنة على الشرق الأوسط، بقدر ما يمثل سعياً حثيثاً لاستخدام الممرات البحرية كأداة رئيسية لتحقيق أهداف سياسية محددة ومخطط لها من قِبل الدول التى تفرض سيطرتها ونفوذها على تلك الممرات.
ويُعد مضيق هرمز تجسيداً حياً لهذه الأهمية البالغة التى تشغل العالم بأسره؛ بالنظر إلى قيمته التجارية والاقتصادية الفائقة فى نقل إمدادات الطاقة إلى الغرب. ويُمثل هذا المضيق شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، خاصة وأنه يسهم فى تزويد دول العالم بنحو 20% من احتياجاتها الإجمالية من الطاقة، مما يجعل أى تهديد لسلامة الملاحة فيه بمثابة هزة قوية لأسواق الطاقة العالمية.
وتأسيساً على ذلك، تظل السيطرة على الممرات البحرية مسألة حيوية وجوهرية بالنسبة للدول التى تبسط نفوذها عليها، حيث لا تتردد فى استخدامها كسلاح إستراتيجى رادع فى مواجهة أى اعتداء أو عدوان خارجى قد يهدد أمنها ومصالحها القومية.
جنوب لبنان
■ لماذا تستهدف اسرائيل دائما الجنوب اللبنانى؟ وهل الهدف هو السيطرة على الجنوب أم تقويض حزب الله، وكيف ترى المطالبات بين الحين والآخر بتسليم حزب الله سلاحه للدولة اللبنانية؟
- الاستهداف الإسرائيلى المستمر لمنطقة جنوب لبنان لا يرتبط فحسب بوجود حزب الله أو محاولات تقويض قوته، بل يعود إلى خلفيات أعمق ترتبط بإدراج الجنوب اللبنانى ضمن ما يُعرف بـ «الخريطة التوراتية» التى تسعى إسرائيل لتحقيقها. ومن هذا المنطلق، فإن السيطرة على الجنوب تعد هدفاً إستراتيجياً قديماً، حيث تنظر إسرائيل إلى أى قوة عسكرية أو سياسية داخل لبنان يمكنها التصدى لسياساتها التوسعية المستقبلية على أنها أمر غير مقبول.
وبما أن حزب الله يمثل حركة مقاومة فى مواجهة الاحتلال، فإن إسرائيل توظف كامل قوتها العسكرية لتقويض الحزب والمطالبة بنزع سلاحه بالكامل، وذلك لتهيئة الأجواء لتهديد سيادة الدولة اللبنانية وجعلها مجردة من أى نوع من أنواع القوة التى تحمى حدودها ومواردها.
إن استهداف إسرائيل للبنان وللجنوب تحديداً ليس وليد العقود المتأخرة، بل يمتد إلى مرحلة تأسيس الحركة الصهيونية. وفى هذا السياق، يُشار إلى ما ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى كتابه «مكان بين الأمم»، حيث تطرق إلى مؤتمر فيرساى الذى عُقد عام 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، معتبراً أن الحركة الصهيونية فى ذلك الوقت -وقبل قيام دولة إسرائيل- قد «تنازلت» عن مياه نهر الليطاني.
ويعكس هذا الطرح رؤية إسرائيلية تعتبر مياه الليطانى ملكاً لها، وأن التنازل عنها فى الماضى لم يكن إلّا إجراءً مؤقتاً، مما يؤكد أن الأطماع فى نهر الليطانى وفى التوسع الجغرافى تمثل ركيزة أساسية فى العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
وتؤكد هذه المعطيات التاريخية والواقعية أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية فى المياه والأراضى اللبنانية لا تزال قائمة ومستمرة، وهو ما يستدعى بقاء لبنان دائماً على أهبة الاستعداد واليقظة التامة لمواجهة أى تحركات أو أعمال عسكرية قد تهدد سيادته الوطنية، أو تستهدف السيطرة على أراضيه وثرواته المائية.
انتهاكات إسرائيلية
■ ماتفسيرك لاستمرار الانتهاكات الاسرائيلية بحق قطاع غزة والضفة الغربية، وهل مازالت تتمسك إسرائيل بحلمها من النيل إلى الفرات؟
- المشهد المعقد الذى يشهده قطاع غزة فى الوقت الراهن، لا ينفصل بحال من الأحوال عما يجرى فى لبنان والضفة الغربية؛ حيث يعيد التاريخ نفسه ليوضح النهج الإسرائيلى القائم على التوسع وعدم الالتزام بالمواثيق الدولية.
وتؤكد الشواهد السياسية الممتدة أن إسرائيل لم تحترم اتفاقية «أوسلو» منذ توقيعها وحتى اليوم. وبحسب القراءات التحليلية للمشهد، فإن السلوك الإسرائيلى اعتاد دائماً على أن يضرب بالقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وأمن الشرق الأوسط عرض الحائط، دون أدنى اعتداد بالشرعية الدولية.
ويتضح من مجريات الأحداث أن الرغبة الإسرائيلية فى التوسع تظل المحرك الأساسى للسياسات الراهنة، حيث يبرز الحلم الإيديولوجى القديم بالتمدد «من النيل إلى الفرات». وبالرغم من أى اتفاقيات أو تفاهمات قد تخص قطاع غزة، إلا أن الاعتداءات المتواصلة تكشف عن رغبة حقيقية فى فرض سيطرة كاملة ومحكمة على القطاع،
ولا يختلف الوضع كثيراً فى الضفة الغربية؛ إذ تسعى إسرائيل جاهدة إلى فرض سيادتها هناك فى خطوة تتنافى بشكل صارخ مع القانون الدولي، بالنظر إلى أن إسرائيل تصنف قانونياً كـ «دولة احتلال»، وفى هذا السياق، تأتى الممارسات الإسرائيلية اليومية لتشكل خرقاً جسيماً للقوانين الدولية، ومن أبرزها:
- مصادرة الأراضى وانتزاع ملكيات المواطنين لصالح التوسع الاستيطانى، والتهجير القسرى ومحاولات تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، والعمليات العسكرية والاستهداف المستمر والمتواصل للمدن والقرى فى الضفة الغربية، ويمكن القول إن الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية الراهنة فى قطاع غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان، ليست أحداثاً منفصلة، بل هى أجزاء من إستراتيجية واحدة موحدة. إنها سياسة توسعية مستمرة تعمل عليها إسرائيل بصفة دائمة لتحقيق أطماعها الإقليمية على حساب استقرار المنطقة وشعوبها.
تشابك الملفات
■ كيف رأيت الوساطة «المصرية - الباكستانية» لإنهاء الحرب الإيرانية الأمريكية؟
- فى ظل تشابك الملفات السياسية والأمنية فى منطقة الشرق الأوسط، أرى أن أى تحرك دبلوماسى يهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة يحمل أهمية استثنائية لضمان استقرار المنطقة وصياغة مستقبلها، وتحظى المساعى الدبلوماسية المصرية الرامية إلى وقف التصعيد وضمان وضع حد لتوترات الحرب الإيرانية الأمريكية بتقدير واسع على الصعيدين الإقليمى والدولى، وتأتى هذه الوساطة فى وقت حساس يحتاج فيه الجميع إلى إعلاء لغة الحوار وتجنيب المنطقة منزلقات الصراع المفتوح.
ولا تقف الجهود المصرية معزولة؛ بل إن تكامل الوساطة المصرية وتنسيقها المشترك مع الوساطات الباكستانية والقطرية، يساهم بشكل فعال فى خلق مناخ إيجابى من خلال تهيئة بيئة سياسية مواتية للحوار بين الأطراف المعنية وتعزيز فرص الاستقرار من خلال فتح آفاق جديدة تخدم مساعى تحقيق السلام الشامل فى المنطقة، والدور المحورى الذى تلعبه القاهرة فى هذا الملف يستند بشكل مباشر إلى مكانة مصر التاريخية والسياسية، وما تتمتع به من ثقل إستراتيجى وأهمية بالغة فى محيطها الإقليمى، فضلاً عن كونها مركزاً ثقيل الوزن فى العالم العربي، ويتجاوز الهدف الأسمى للوساطة المصرية مجرد نزع فتيل الأزمة الراهنة؛ إذ تتطلع القاهرة من خلال هذه التحركات الدؤوبة إلى إرساء قواعد متينة لتحقيق الاستقرار المستدام، وتوطيد أواصر التعاون البناء بين مختلف دول المنطقة ككل، بما يضمن صيانة الأمن القومى الإقليمى المشترك.
دولة فاعلة
■ كيف رأيت الدور المصرى فى إنهاء حرب غزة؟
- تبرز التحركات الدبلوماسية والسياسية فى منطقة الشرق الأوسط الأهمية البالغة للدول الفاعلة فى كبح جماح الأزمات، خاصة أن جهود التهدئة وإنهاء الصراعات تتطلب حضوراً قوياً لضمان صياغة أفق مستقر للمنطقة.
وتجلى الدور المصرى بشكل رئيسى وفاعل فى الجهود التى بذلت لإنهاء الحرب فى قطاع غزة. وقد استطاعت مصر، من خلال تحركاتها الدؤوبة، أن تثبت مجدداً أنها دولة فاعلة قادرة على التأثير المباشر فى مجريات الأحداث، لا سيما فى محيطها الإقليمى ومنطقة الشرق الأوسط، والعاصمة المصرية تمتلك المقومات التى تخولها للقيام بدور فعال يسهم فى تحقيق الاستقرار والأمن من خلال إرساء قواعد التهدئة وحماية السلم الإقليمى، وفتح مسارات للحوار السياسى لمنع تفاقم الأزمات، ولا يقتصر التحرك الدبلوماسى على جبهة واحدة، بل يمتد ليشمل العمل على إنهاء الحروب التى تندلع فى المنطقة ككل، لضمان عدم اتساع رقعة الصراع. وفى هذا السياق، تبرز الجهود الرامية إلى احتواء النزاعات والحد من تداعيات الحروب، سواء فى قطاع غزة أو فى لبنان أو فى المنطقة بأسرها.
ويمثل الحضور المصرى القوى والمستمر صمام أمان لوقف نزيف الصراعات فى المشرق العربي، حيث تتكامل هذه الجهود لتقديم رؤية واضحة تهدف إلى إنهاء المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحروب، والعبور بالمنطقة نحو مستقبل يسوده الاستقرار والتعاون المشترك.
الجامعة العربية
■ ما هو مطلوب من جامعة الدول العربية الفترة القادمة خاصة بعد تولى السفير نبيل فهمى رئاستها؟
- يتمتع السفير نبيل فهمى بكفاءة عالية وخلفية معرفية واسعة تجعله على قدر كبير من الاطلاع والدراية العميقة بمختلف قضايا المنطقة الشرقية والدولية على حد سواء.
وفى ظل القيادة الحالية، تتجه الأنظار وتتزايد التطلعات لرؤية جامعة الدول العربية تلعب دوراً هاماً ومحورياً فى الفترة القادمة. وتكتسب هذه الآمال أهمية خاصة كفكرة ومضمون كونه تجمعاً يضم فى داخله 22 دولة عربية. ولم يعد مقبولاً أن تظل جامعة الدول العربية فى وضع لا تؤدى فيه دورها المأمول كما يجب؛ فالجامعة تمتلك القدرة والإمكانات لتقديم الكثير، لا سيما فيما يتعلق بإنهاء الصراعات والنزاعات الداخلية التى تشهدها بعض دول العالم العربي.
وتنتظر دول العالم العربى ملفات وقضايا كثيرة تتطلب تفاعلاً وتنسيقاً مشتركاً؛ بدءاً من تمتين الروابط الأخوية، ومروراً بتنمية العلاقات الاقتصادية وتطوير التعاون الإعلامى والتنموى والسياسي، وصولاً إلى تحقيق التكامل الشامل الذى تعول عليه الشعوب العربية. وتؤكد المعطيات الراهنة أن اختيار السفير نبيل فهمى يمثل وضعاً للرجل المناسب فى المكان المناسب، وهو ما يرفع سقف التوقعات فى قدرته على أداء دوره الدبلوماسى والقيادى على أكمل وجه وبأعلى درجات الفاعلية .


إيصالات أمانة وشيكات «على بياض» شرط التوظيف فى بعض الشركات
رئيس صوماليا لاند مُزوَر.. وزيارته لتل أبيب تطبيع مرفوض
اللواء إبراهيم عثمان:«الأوكتاجون» نقل العقيدةمن حراسة الحدود إلى إدارة الوجود





