عصام راسم
لم أعهده مخادعا، لكنه ـ منذ أسابيع قليلة ـ خدع الجميع وسافر إلى الأعالى بمفرده، غافلنى ومات.. أعرفه منذ زمان طويل، حين كان يدرس بـ «المعهد العالى للخدمة الاجتماعية بأسوان». وقتها جمعتنا معا محبة الفن والأدب، كان ذلك فى مطلع التسعينيات من القرن الماضى، كنا فى بدايات شبابنا الغر ومشغولين بالبحث عن المعرفة، والفهم الواقعى للعالم، وتعرية الواقع وكشفه دون تجميل أو تزييف، كنا حفنة من الرجال الصغار، أغوتهم الكتابة والقراءة والبحث عن الحقائق المجردة، ويشغلهم الهم العام والخاص، ويبغون تقديم مشروعهم الإبداعى الذى يخصهم وحدهم، ونجح «سيد العديسى» فى تحقيق ذلك إلى حد كبير، وأعتقد أن مشروعه الشعرى خيرٌ شاهدِ على ذلك، وحين تجرأ أيضا بروح الفنان الذى يسكنه، وخاض تجربة الرواية وكتب أولى تجاربه الروائية، فاجأنا وقدم رواية «طواحين الهواء»، تلك التجربة الروائية المكتملة الناضجة، التى كشفت لنا عن مناطق جديدة فى الصعيد لم يرتدها أحد، وقدمت لنا صوتا روائيا متميزا، كنا ننتظر منه الكثير أيضا كما فى الشعر.
فى أوائل التسعينيات كانت الأحلام عالية، والطموحات مبسوطة أمامنا، والنوايا الطيبة تحتل مساحات شاسعة فى الروح، ومرت الأيام بحلوها ومرها.. سقطنا وقمنا.. وخضنا معارك كبيرة وصغيرة، إلى أن نال منا ـ أخيرا ـ الزمن، وزحف المشيب إلى المفارق، وهزمتنا الأيام، وكسرتنا المحن، وأخيرا ها الموت يختطف السيد العديسى من بيننا ونحن أحبابه نقف فى الزوايا المقبضة، حزانى مقهورين، نبكيه ونحن نشعر بعجز لا يحتمل، وهزيمة لا تُطاق.
حين شد الرحال، حاملا أحلامه، إلى العاصمة، تاركا الصعيد بما له وما عليه، لم يكن ذلك سببا لوهن العلاقة أو فتورها فيما بيننا، كنا نتلاقى على فترات تطول أو تقصر، ربما فى الصعيد، وأحيانا فى القاهرة، ودائما عبر الهاتف أو على مواقع التواصل الاجتماعى، وسواء بَعد اللقاء أو قرب، لم يؤثر ذلك على أواصر صداقتنا، الممتدة العميقة عمق النيل، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى سيد العديسى بالذات، لسماحته الدائمة، وموضوعيته المفرطة ونبله النادر، فحتى حين يحتد بنا النقاش ونختلف بخصوص شأن عام أو خاص، كنت أجده هادئا مستوعبا لمراراتك وحزنك الخاص، لم يتلكأ يوما، مهما كان الخلافٌ حاداً، فى أن يمد فيما بيننا جسرا جديدا من المحبة، ليمهد لتواصل جديد لا ينقطع، كان يحب أصدقاءه ويسعى دوما للحفاظ عليهم، لذلك تجده دائما مستعدا لمنح العفو عن بعض الحماقات التى يرتكبها الآخرون من حوله، ولا يسرع بالإدانة إن أفلت الزمام من أحدهم، وطاش الفعل وضل الصواب طريقه، فكما كان شاعرا كبيرا ذا مشروع إبداعى مغاير ومختلف، كان قلبا كبيرا مستعدا دوما لمنح الغفران والتسامح للجميع.
كان «سيد العديسى» مشروعا فنيا وإنسانيا مكتملا، ومثله مثل كل الموهوبين الكبار، فرغم هدوءه الظاهرى، يحمل بداخله ضجيج وزحام وفوضى، وقلق وجودى، وزخم فكرى، وتوتر مشاعرى كبير، واستطاع بوعى وموهبة ذات طابع خاص أن يقود كل هذا الزخم الداخلى ببراعة، ويخرجه فى صورة فنية لها طابع فريد، لا ينبع إلا عن فهم عميق لنفسه وللآخرين وللحياة والإنسان عموما والحياة بكل تعقيداتها أيضا.
خرج شعره رائقا عميقا منتقدا، مخففا من كل الأعباء القديمة، واصلا لأى أحد كان، ولأن «العديسى» متصالحا مع نفسه، خرجت كتابته هكذا.. لم أجده لمرة واحدة يمكر بأحد، أو يحمل نوايا سيئة تجاه أحد، بل دائما يغض الطرف عن خطايا الآخرين، ويجد لهم الأعذار ولا يدينهم، لأنه بمنتهى البساطة يحمل بداخله قدرا هائلا من الوعى واقتدار، وحين كنا نتناقش بخصوص مشروعه الإبداعى الخاص، وأقسو عليه قليلا بدافع موضوعى، أجده متقبلا للنقد بترحاب وبشاشة، فطالما لمس صدقك ونقاوة قلبك، وأنك تملك من الوعى ما يؤهلك للتجاوز المنطقى، فهو يتقبل كلامك بتقدير ويفكر فيه جيدا، دون تكبر أو عجرفة معروفة عن البعض الأقل منه قامة.
«العديسى الجميل» وقتما تلاقيه بموعد أو مصادفة ويسعدك الحظ وتجالسه، تجده تسرب داخلك بهدوء، وحين تستفيق يفاجئك وقد استقر راسخا فى أعماقك، وتبوأ مكانة مرموقة فى قلبك، سيد العديسى لا يستغرق وقتا طويلا لكى تحبه كإنسان أو كشاعر، ولا يستهلك مجهودا لفهمه واكتشاف مدى عمقه الإنسانى وحزنه النبيل، ولا تحتاج إلى مساعدة أحد وأنت تفض الغلاف الخارجى لمشروعه الإبداعى البسيط لدرجة التفرد، والفارق لدرجة الألم. كان مسالما لدرجة أنك تخشى عليه من فظاظة الحياة وخشونة الأقدار، وتود لو تتلقى بدلا عنه ضربات العالم وغباء الواقع، وكأنك تريد الدفاع عن شيء ثمين يجب أن يستمر ولا يٌخدش، لكنه غافلنا ومات.. تسحب بطمأنينة القديسين وانصرف بمفرده، عازما على أن يتلو على مسامعنا من مسافة بعيدة، قصيدته الأخيرة، لنتذوق فى كلماتها الطعم الحقيقى للفقد، تركنا وصعد كملاك مشاغب ليطلعنا على المعنى الفارق للشجن، ولنفهم بشكل واضح ما هو المستحيل، وما هو العجز ونحن نرى أحبابنا يرتقون سلم الأعالى الواحد فى إثر الآخر ...
هكذا صنع «العديسى» مستقبلى
يا من كنت صديقى!
القصيدة فأس صغير يهذب به وجه العالم





