السيد العديسى .. كان يكتب عن تعب البشر

تعب البشر
تعب البشر


إبراهيم عبد الفتاح

رحل مؤخراً الشاعر سيد العديسى، تاركاً خلفه إرثاً إبداعياً وثقافياً مميزا. نجح العديسى فى سنوات عمره القليلة فى صياغة هوية شعرية فريدة تمزج بين أصالة الجذور الجنوبية وعمق الطرح الإنسانى، ومشاعر دافئة انحازت دائماً للإنسان البسيط وقضاياه، مما جعل قصائده مرآة صادقة لروح النيل والجنوب.
فى هذا الملف الخاص، نحتفى برحلة «شاعر الجنوب» الاستثنائية، ونبحر فى عوالم قصائده، مستعرضين شهادات الأصدقاء عنه ، وكذلك قراءات فى تجربته الشعرية. آملين أن تقدم مؤسسات الدولة الثقافية فى نشر هذا الأعمال وإتاحتها فى طبعة جديدة، وكذلك طباعة الدواوين التى تركها ولم تنشر من قبل.

فى زمن صار فيه الضجيج أعلى من الشعر، والظهور أهم من الصوت الحقيقي، كان الشاعر سيد العديسى يشبه استثناء نادرا. لم يكن من أولئك الذين يلوحون بأسمائهم فى كل مناسبة، ولا ممن يتعاملون مع القصيدة كوسيلة للنجاة الاجتماعية أو صناعة المكانة. كان أقرب إلى شاعر يعرف جيدا أن الكتابة فعل هش، وأن القصيدة لا تحتاج إلى صراخ كى تصل، بل إلى صدق يكفى لأن يلامس القلب بهدوء.
رحل سيد العديسى مبكرا، تاركا ذلك الإحساس الثقيل الذى يرافق دائما غياب الشعراء الحقيقيين؛ الإحساس بأن شيئا جميلا انكسر فجأة، وأن العالم أصبح أقل دفئا مما كان. بعض الراحلين يتركون وراءهم أعمالا كثيرة، وبعضهم يتركون حضورا إنسانيا لا يمكن تعويضه، أما سيد العديسى فقد ترك الأمرين معا: قصائد تشبهه، وصورة إنسان نادر الطيبة.
كان فى شعره ميل واضح إلى التقشف الجمالي، إلى الابتعاد عن الزخرفة والاستعراض. يكتب كما لو أنه يجلس إلى جوارك فى مقهى هادئ، لا يريد أن يبهرك بقدر ما يريد أن يشاركك تأمله الإنسانى للعالم. لهذا بدا شعره قريبا من الناس، حتى وهو يحتفظ بعمقه وحساسيته الخاصة. لم يكن يفتعل الحكمة، لكنها كانت تتسرب من جمله البسيطة دون ادعاء، وكان يعرف كيف يمنح التفاصيل اليومية الصغيرة روحا ومعنى.
هناك شعراء يكتبون من فوق الحياة، وسيد العديسى كان يكتب من داخلها. من تعب البشر العاديين، من خوفهم الخافت، من وحدتهم، ومن رغبتهم المستمرة فى الاحتمال. وربما لهذا شعر كثيرون أن قصائده تشبههم، وتشبه ذلك الحزن النبيل الذى نحمله جميعا دون أن نعرف كيف نقوله.
ما يوجع فى هذا الرحيل ليس فقط أنه جاء مبكرا، بل لأنه قطع احتمالا جميلا كان لا يزال قادرا على النمو. كان يمكن لسيد العديسى أن يمنحنا المزيد من القصائد التى تضيء العتمة دون ضجيج، المزيد من النصوص التى تذكرنا بأن الرقة ليست ضعفا، وأن الشعر لا يزال قادرا على إنقاذ شيء ما داخل الإنسان. كان من الأصوات التى تمنحك شعورا نادرا بالأمان، كأن اللغة نفسها تصبح أقل قسوة بين يديه.
وفى الحقيقة، لا يمكن الحديث عن سيد العديسى كشاعر فقط، لأن الذين عرفوه يتحدثون دائما عن إنسانيته قبل أى شيء آخر. عن هدوئه، وتواضعه، وطريقته الوديعة فى الاقتراب من الآخرين. كان يمر بين الناس بلا استعراض، لكنه يترك أثرا عميقا يشبه أثر النسمة الباردة فى يوم خانق. وهذا تحديدا ما يجعل الفقد أكثر إيلاما؛ أن يغيب شخص لم يكن مؤذيا لأحد، شخص كان يبدو كأنه يحاول طوال الوقت أن يخفف قسوة العالم لا أن يضيف إليها.
وربما هذه هى الوظيفة الأجمل للشعراء الحقيقيين: ألا يقدموا لنا حلولا كبرى، بل أن يمنحونا قدرة أكبر على الاحتمال، وأن يذكرونا بأن الجمال ما زال ممكنا رغم كل شيء. وسيد العديسى كان واحدا من هؤلاء القلائل الذين يفعلون ذلك دون ضجيج، ودون أن يطالبوا العالم بأى مقابل.
سيظل حضوره باقيا فى قصائده، وفى قلوب من عرفوه أو قرأوا له، وفى تلك المساحة الإنسانية الرقيقة التى تركها وراءه. فالشعراء الحقيقيون لا يختفون تماما، لأنهم يتركون شيئا من أرواحهم داخل الكلمات، وحين نعود إلى تلك الكلمات لاحقا، نشعر أنهم ما زالوا هنا بطريقة ما.
رحم الله سيد العديسي، الشاعر الذى مر بيننا هادئا مثل قصيدة جميلة، ورحل تاركا فراغا لا يملؤه سوى الشعر.