منذ ان انطلقت بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 1930 في دولة الاوروجواي بأمريكا الجنوبية تحت إشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، نجحت الساحرة المستديرة في أن تتجاوز حدود الملاعب لتصبح جزءًا من الثقافة والذاكرة الجماعية للشعوب، فكما صنعت نجومها وأساطيرها داخل المستطيل الأخضر، صنعت أيضًا حكايات ألهمت الشعراء والروائيين والصحفيين، ووجدت مكانها بين صفحات الكتب كما وجدت مكانها في قلوب الجماهير.
ومع انطلاقة كأس العالم، لم تكن كرة القدم مجرد منافسات رياضية تُحسم نتائجها بالأهداف، بل أصبحت عالمًا واسعًا من القصص الإنسانية فيه الشغف والانتماء، والانتصار والانكسار، والبطولات وربما الكوارث والمآسي ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول إلى مادة للأدب والكتابة، وأن يجد فيها كثير من المبدعين مرآة تعكس أحلام الناس وأسئلتهم وتناقضاتهم.. في هذا الملف، نقترب من كرة القدم من زاوية مختلفة؛ نستكشف حضورها في الأدب والرواية والكتابـة الصحفية، ونتوقف عند كتب ووثائق وأعمال إبداعية رأت في اللعبة الأكثر شعبية في العالم أكثر من مجرد مباراة، بل حكاية تستحق أن تُروى، وذاكرة تستحق أن تُحفظ.
إنه ملف عن كرة القدم، لكنه أيضًا ملف عن القصص التي صنعتها، والكتب التي وثقتها، والكتّاب الذين اكتشفوا أن سحر اللعبة لا يتوقف عند المدرجات، بل يمتد إلى صفحات الأدب أيضًا.
حين راوغت كرة القدم حدود الملاعب، وجدت طريقها إلى صفحات الكتب وقصائد الشعراء وروايات الأدباء، لم تعد مجرد لعبة يتابعها الملايين كل أسبوع، بل تحولت إلى ظاهرة إنسانية وثقافية قادرة على إنتاج الحكايات والأساطير والرموز، فمن بين الجماهير وصخب المدرجات خرجت نصوص أدبية حاولت أن تلتقط ما هو أبعد من الأهداف والانتصارات؛ التقطت أحلام البشر وهزائمهم وشغفهم وانتماءهم.
ولم يكن غريبًا أن يكتب الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش عن الأسطورة الأرجنتينية دييجو مارادونا، وأن يرى فيه رمزًا إنسانيًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، كما لم يكن مفاجئًا أن تكشف بعض الشهادات أن الأديب العالمى نجيب محفوظ كتب فى أربعينيات القرن الماضى رواية كاملة عن كرة القدم، قبل أن يقرر تمزيق مسودتها وعدم نشرها، لتبقى واحدة من أكثر الروايات المفقودة إثارة للفضول فى تاريخ الأدب العربي.
وعلى امتداد العالم نشأ ما يُعرف بـ»أدب كرة القدم»، حيث تحولت المباريات إلى حبكات روائية، واللاعبون إلى شخصيات أدبية، والمونديال إلى مسرح واسع للدراما الإنسانية، وبين من يراها مجرد لعبة ومن يراها مرآة للمجتمع وتعبيرًا مكثفًا عن الحياة نفسها، تتواصل العلاقة المعقدة بين كرة القدم والأدب، علاقة أثمرت كتبًا وروايات وقصصًا وشهادات تؤكد أن الكرة قد تكون أحيانًا مادة أدبية لا تقل ثراءً عن الحرب أو الحب أو السياسة.
فى هذا التحقيق يفتح عدد من الأدباء والكتاب أبواب هذه العلاقة الشائكة والثرية، متتبعين حضور كرة القدم فى الأدب، وأدب كرة القدم نفسه، بوصفه أحد أكثر الأنماط الأدبية قربًا من الناس وأشدها اتصالًا بالحياة اليومية.
120 كتابًا عن كرة القدم
يرى الأديب د. ياسر ثابت أن كرة القدم تستحق ما هو أكثر من المشاهدة وما هو أكبر من التشجيع، تلك الكرة الأنيقة التى ضربت موعدًا مع المتعة، فاصطادت آهات الإعجاب، وصنعت زفرات الأسى، وصارت راية المجد للبعض ووسادة الأحزان للبعض الآخر.. ويشير إلى أن لديه نحو 120 كتابًا تحتل كتب كرة القدم فيها مكانة خاصة، ومن مؤلفاته فى هذا المجال: «حروب كرة القدم»، و»قصة كرة القدم فى مصر»، و»كرة الندم»، و»عصر المدرجات»، و«دولة الألتراس»، و»أجمل القتلة»، و»موسوعة كأس العالم»، و«الملك والفرسان الثلاثة: عرب روسيا 2018».. ويوضح أن معظم هذه الكتابات تركز على أمرين لا ثالث لهما: التأريخ الموسوعي، وأدب كرة القدم، فأما التأريخ فهو محاولة لسد الفراغات فى المكتبة الرياضية العربية، وأما أدب كرة القدم، الذى ازدهر فى أمريكا اللاتينية بشكل خاص، فهو ما ينقص كتب الرياضة العربية إلى حد كبير.. ويؤكد أن الذاكرة تحتفظ بأعمال بارزة مثل كتاب إدواردو جاليانو «كرة القدم بين الشمس والظل»، لافتًا إلى أن ركلة البداية الحقيقية لهذا النمط الأدبى جاءت مع الأديب الأوروجويانى ماريو بينيديتى فى مجموعته القصصية «أهالى مونتفيديو» الصادرة عام 1959، والتى ضمت قصة «مهاجم الجبهة اليسرى»، التى يمكن اعتبارها الجد الأكبر لكل ما كُتب لاحقًا فى هذا النمط الأدبي، ففيها حضرت كرة القدم بكل مفرداتها وحماسها وشغفها، داخل بناء أدبى متكامل استخدمت فيه اللعبة كأداة لطرح قضايا مجتمعية وإنسانية كبرى.
هناك دراما دائمًا
من جانبه، يؤكد الأديب محمد البرمى أنه لا ينظر إلى كرة القدم أو الرياضة بشكل عام باعتبارها مجرد مواد ترفيهية نقضى معها أوقاتًا جميلة أو حزينة، بل يراها عالمًا إنسانيًا أعمق بكثير.. لكل لاعب قصة انسانية بين النجاح والاخفاء، هناك دراما دائمًا خلف كل بطولة وخلف كل إخفاق، وهذا ما أحرص على إظهاره.. ويشير إلى أن الأهم ليس الحكاية فقط، بل طريقة كتابتها، بعيدًا عن الأسلوب التقريرى السطحى للكتابة الرياضية، وبالاستفادة من أدوات الأدب ولغته وإنسانيته، وهو ما حاول تقديمه فى كتابه «كل شيء أو لا شيء.. عن الكرة وأحلام غرف الملابس»، الذى انشغل فيه باللحظات الإنسانية ولحظات الصعود والهبوط.. ويؤكد تأثره بعدد من التجارب المهمة، فى مقدمتها كتاب إدواردو جاليانو «كرة القدم بين الشمس والظل»، الذى يراه عمدة هذا الفن، إلى جانب كتاب «حكايات عامل غرف الملابس» بترجمة محمد الفولي، وما يضمه من نصوص مكتوبة بحس أدبى رفيع، فضلًا عن مقالات وقصائد لعدد من الكتاب والشعراء مثل ماريو بينيديتي، إضافة إلى تجارب عربية محدودة من بينها كتابات د. ياسر ثابت.. ويختتم قائلًا: «أتمنى أن يتوسع هذا النوع من الكتابات وأن يتحول إلى روايات وأفلام وثائقية وأشكال إبداعية أخرى، لأنه مجال مهم وجذاب، وأتمنى شخصيًا أن أقدم أعمالًا جديدة فى هذا الاتجاه».
ليست مجرد لعبة
ويرى الأديب والمترجم محمد الفولى أن العلاقة بين الأدب وكرة القدم علاقة ملتبسة؛ فبينما نظر بعض المثقفين إلى كرة القدم باعتبارها ظاهرة شعبية صاخبة تعكس عشوائية المجتمع وانفعالاته، رأى عشاق اللعبة أن المثقفين يقفون بعيدًا عن فهم أحد أعمق أشكال الشغف الإنسانى والانتماء الجماعي.
ويوضح أن هذه الفجوة ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى قرون مضت، حتى إن بعض الإشارات الأدبية المبكرة حملت نظرة دونية إلى لاعبى كرة القدم ومتابعيها.
لكن الزمن أثبت أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل مادة إنسانية غنية بالدراما، لذلك لم يكن غريبًا أن يتجه عدد من كبار الكُتّاب إلى استلهام كرة القدم فى أعمالهم.
ويشير إلى أن بطولة كأس العالم تمثل النموذج الأبرز لهذا التداخل بين الأدب والرياضة؛ فهى ليست مجرد منافسة رياضية، بل مسرح واسع للمشاعر الإنسانية بكل تناقضاتها.
ومن الأمثلة اللافتة رواية «أشد ألم» للبيروفى سانتياغو رونكاغليولو، التى استخدمت مونديال 1978 إطارًا سرديًا للكشف عن تناقضات المجتمع البيروفى.. وفى القصة القصيرة قدّم الأرجنتينى أوسبالدو سوريانو نموذجًا مميزًا من خلال قصته «نعم لمارادونا.. لا لغالتييري»، التى استحضرت مباراة الأرجنتين وإنجلترا فى مونديال 1986 مؤكدة أن كرة القدم قادرة على اختزال لحظات تاريخية فى مشهد واحد أو هدف واحد.. ويختتم الفولى رؤيته بالتأكيد على أن الأدب الجيد يستطيع أن يجد مادته فى أى مكان؛ فى الحرب كما فى الحب، وفى السياسة.
«المايكرو دراما».. ثورة الحلقات القصيرة على المنصات الرقمية
سر إعادة إنتاج الأعمال الكلاسيكية
«سفن دوجز» فى الصدارة و«أسد» يتراجع





