فى زمن الخوارزميات..

من يحكم الكتابة.. النص أم المنصة؟

 المنصات للكتّاب
المنصات للكتّاب


منذ أن تحولت وسائل التواصل الاجتماعى إلى جزء لا ينفصل عن الحياة اليومية، لم يعد تأثيرها مقتصرًا على السياسة أو الاقتصاد أو العلاقات الإنسانية، بل امتد إلى تشكيل المشهد الثقافى والأدبي، وبينما أتاحت هذه المنصات للكتّاب فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى القراء والترويج لأعمالهم، أثارت فى الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول طبيعة الكتابة وحدود تأثير «الترند» والانتشار الرقمى فى تشكيل الذائقة الأدبية.

أصبح كثيرون يتساءلون: هل تُكتب الرواية اليوم وفق منطق المنصات الرقمية؟ وهل فرضت وسائل التواصل الاجتماعى معايير جديدة للنجاح الأدبي؟ أم أنها مجرد أداة تتيح للأدب الوصول إلى جمهور أوسع دون أن تمس جوهر الإبداع؟
حين يصبح «الترند» مادة للرواية
يرفض الأديب محمد الفولى تمامًا أن تفرض وسائل التواصل الاجتماعى على الكاتب طريقة كتابة معينة لإرضاء جمهور أو ذائقة بعينها على حساب رؤيته الفنية وتصوراته للعالم، لكنه فى المقابل لا يمانع أن يصبح هذا العالم الرقمى نفسه موضوعًا للأدب، ما دام الهدف هو طرح الأسئلة ومناقشة تأثيره فى المجتمع، مؤكدًا أن «السوشيال ميديا» لم تعد تؤثر فى حياتنا فحسب، بل أصبحت جزءًا أصيلًا منها.
ويقول إن الأدب، فى جوهره مرآة للحياة ووسيلة لفهمها وتفكيكها، و«السوشيال ميديا» ليست سوى موضوع من موضوعاتها؛ فإذا أحسن الكاتب توظيفها داخل نسيج العمل نجح، وإذا جاء حضورها مفتعلًا، أضعفت النص.
ويضيف: على المستوى الشخصى حاولت استكشاف تأثير الشبكات الاجتماعية فى روايتيّ «الليلة الكبيرة» و«طرق متنوعة لقتل النمل»، كما تتناول الرواية التى أعمل عليها حاليًا فكرة «الترند» ضمن القضايا التى تطرحها.
روائيو «البوستات»
يرى الأديب محمد عبد الرازق أن وسائل التواصل الاجتماعى شكّلت جانبًا مهمًا من وعيه الأدبي، لكنه يجد اليوم صعوبة فى متابعة المحتوى الأدبى أو بالأحرى متابعة ما يحاول بعض الكتّاب تسويقه عن ذواتهم.
ويقول إن «السوشيال ميديا» خلقت واقعًا جديدًا فى الأدب المصري، خاصة بعد عام 2011 مع ظهور أصوات جديدة ودور نشر مختلفة عن المشهد التقليدي، وهو ما أدى إلى فيضان فى الإصدارات الروائية، حتى أصبح من الصعب متابعة ما يصدر عن دار نشر واحدة، بعدما كان المشهد محصورًا فى عدد محدود من الأسماء ودور النشر.
ويضيف: مع هذا الفيضان ظهر ما أحب أن أسميه «روائيى البوستات»، وهم كتّاب يجهدون أنفسهم فى صناعة صورة ذهنية على وسائل التواصل أكثر من اهتمامهم بالكتابة نفسها، عبر نشر الصور، واستعراض القراءات واقتباس مقاطع من أعمالهم بغرض التشويق، والانخراط فى دوائر افتراضية توحى بصورة قد تختلف عن الواقع، مع التعامل مع القارئ باعتباره تابعًا لا شريكًا فى العملية الإبداعية.
ويرى أن هذه الظاهرة أصبحت نمطًا متكررًا فى المشهد الأدبي، بل ونموذجًا يحاول البعض تقليده، رغم أنها-فى رأيه-لم تضف إلى الرواية المصرية سوى مزيد من الضجيج، على حساب الكتابة الجادة التى تتراجع مساحتها يومًا بعد آخر.
إغراء مزدوج
ترى الأديبة والناقدة د. زينب محمد عبد الحميد أن وسائل التواصل الاجتماعى أعادت تشكيل علاقة الكاتب بنصه وقارئه على نحو جذري، إذ أصبح النص يُنتج داخل فضاء تفاعلى سريع الإيقاع، تحكمه آليات الانتشار والتلقى الفوري، بما يسمح بتسلل متطلبات الذوق العام إلى عملية الكتابة نفسها.
وتقول: يتشكل اليوم ذوق عام ضاغط، قائم على الإعجاب والمشاركة، وهو ما يجعل معيار القيمة الأدبية مهددًا بالانزلاق نحو الرواج الرقمي.
وتضيف أن الكاتب يواجه «إغراءً مزدوجًا»، يتمثل فى السعى إلى الوصول الواسع والاعتراف السريع، وهو ما قد يدفع بعض النصوص إلى التكثيف والاعتماد على العبارات اللافتة القابلة للاقتباس، استجابة لذائقة سريعة التغير أحيانًا على حساب العمق والجمالية الكلية للعمل الأدبي.
وترى أن وسائل التواصل الاجتماعى لا تقتصر على كونها وسيطًا للنشر، بل تمثل خزانًا سرديًا غنيًا يمد الكاتب يوميًا بحكايات هامشية، وشخصيات جديدة، ومنعطفات درامية غير متوقعة، تفتح أمامه آفاقًا مختلفة لاستكشاف الواقع.
وتختتم بقولها إن هذا التدفق اليومى للقصص والتجارب يتيح إعادة توزيع الضوء السردى على شخصيات كانت بعيدة عن مركز الاهتمام، لتصبح الكتابة أكثر انفتاحًا على تعددية الأصوات والتجارب الإنسانية، شرط ألا يفقد الكاتب استقلال رؤيته وهو يلاحق إيقاع المنصات الرقمية.