كشف حساب للفن المصرى

هل تصنع الموهبة وحدها الإبداع ؟

كتاب «حسابات الإبداع.. سياسات الفن والثقافة فى مصر المعاصرة»
كتاب «حسابات الإبداع.. سياسات الفن والثقافة فى مصر المعاصرة»


تندر فى المكتبة العربية الدراسات التى تتناول علاقة الإبداع بالمجتمع فى مصر المعاصرة، وهو ما يمنح كتاب «حسابات الإبداع.. سياسات الفن والثقافة فى مصر المعاصرة» للباحثة الأمريكية جيسيكا وينيجار، أستاذة الأنثروبولوجيا ودراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة نورثويسترن فى شيكاغو، أهمية خاصة وقد ترجم العمل الشاعر والمترجم عبد الرحيم يوسف، الحائز على جائزة الدولة التشجيعية فى الآداب (فرع ترجمة الأعمال الفكرية) عام 2016، وصدرت ترجمته حديثًا عن دار المحروسة للنشر.
يرصد الكتاب تحولات الفن المصرى منذ عام 1989 وحتى العقد الأول من الألفية الجديدة، مع العودة إلى مراحل سابقة تمهد لفهم هذه التحولات، وقد حصدت مؤلفته جائزة أرنولد روبن لأبرز الكتب عام 2011، برعاية مجلس الفنون التابع لجمعية الدراسات الإفريقية، كما نالت جائزة ألبرت حورانى للكتاب عام 2007 برعاية جمعية دراسات الشرق الأوسط.
ويستكشف كل فصل جانبًا من سياسات الإنتاج والاستهلاك الثقافي، بينما تقدم الفواصل بين الفصول نماذج لفنانين يقترب القارئ من تجاربهم، ليفهم كيف يتعاملون مع الهيمنة الاقتصادية على إنتاج الفن واستهلاكه فى مصر، ومن خلال ذلك، يضع العمل العلاقة بين الفن والسلطة والاقتصاد فى مصر خلال العقود الأخيرة تحت المجهر.
ولا ينظر إلى الإبداع باعتباره نشاطًا فنيًا مستقلًا فحسب، بل يسعى إلى فهم الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى تؤثر فى إنتاج الفن وتداوله، كما تركز جيسيكا وينيجار على التحولات التى شهدها المجال الثقافى مع ظهور المؤسسات الثقافية المستقلة، والمنظمات غير الحكومية، ومصادر التمويل الجديدة.
ويكشف الكتاب كيف أصبح الفنانون والكتاب والمبدعون يعملون داخل شبكة معقدة تضم جهات حكومية ومؤسسات خاصة وممولين محليين ودوليين، وهو ما انعكس على طبيعة الأعمال الفنية والموضوعات التى تتناولها.
كما يناقش مفهوم «الاستقلال الثقافي»، متسائلًا إلى أى مدى يستطيع الفنان أن يحافظ على استقلاله فى ظل حاجته إلى التمويل أو الدعم المؤسسي، ويرى أن الإبداع لا يتشكل بالموهبة والرؤية الفنية وحدهما، بل يتأثر أيضًا بالفرص المتاحة والقيود التى تفرضها البيئة المحيطة.
ويتوقف كذلك عند تأثير العولمة والانفتاح على العالم فى الحياة الثقافية المصرية، فقد أتاح التواصل مع المؤسسات الدولية فرصًا أوسع للتبادل الثقافى والوصول إلى جمهور جديد، لكنه أثار فى الوقت نفسه أسئلة حول الأولويات الثقافية، ومن يحدد ما يستحق الدعم والاهتمام.
ولا يقدم العمل أحكامًا جاهزة أو إجابات نهائية، بل يسعى إلى كشف التعقيد الذى يحيط بالعمل الثقافي، ويوضح أن العلاقة بين الفن والسياسة ليست مواجهة مباشرة دائمًا، وإنما قد تتخذ أشكالًا متعددة من التفاوض والتعاون والصراع فى آن واحد.
وفى النهاية، يخلص الكتاب إلى أن فهم الفن فى مصر المعاصرة لا يكتمل بالنظر إلى الأعمال الفنية وحدها، بل إلى السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تُنتجها، وتحدد فرص وصولها إلى الجمهور، ومساحات الحرية المتاحة لمبدعيها.