عبد الله أبو شميس
- ما الوقتُ الآن؟
- اذهبْ وانظرْ من نافذة اللّيلِ
وقل لي
كي أعرف إن كان الموعدُ قد حانْ
- ها أنذا أنظرُ..
والوقتُ ثلاثةَ عَشَرَ ظلاماً
- ما زال أمامكَ، يا صاحِ، ظَلامانْ
- أسمَعُ أصواتاً في الخارجِ
ريحاً تحمل أوراق الليلِ وتنثرُها
أقداماً أو أوهاماً تتقدّمُ
هل تعرف هذي الأصواتْ؟
- «حين تصير الظُّلمةُ
خمسةَ عَشَرَ ظلاماً
نتبادل هذي الكلماتْ»*
- ها أنذا أنظرُ..
سبعةَ عَشَرَ ظلاماً صارتْ
- «ما أسرعَ ما تتكاثفُ هذي الظُّلُمات!»
قل لي ما عندكَ؟
لكن لا تطمع أن تجدَ لديّ إجاباتٍ
ما كنتُ لأسكُنَ كوخاً في قلبِ الغابةِ
لو كان لديّ إجاباتْ!
- يا شيخَ المحتارينَ
أنا مثلُكَ حيّرني هذا الكونُ
وحيّرني قلبي..
لكنّي لا أبحث عن أجوبةٍ
أعرف أنْ لا أجوبةَ
تفيد الرّقبةْ
والحبلُ حواليها نارٌ ملتهبةْ
لكنّي أتساءلُ كيف نجوتْ؟
- لم أنجُ
ولا أحدٌ ينجو من فكّ الموتْ
- لا أسأل عن ذلكَ..
أسأل كيف نجوتَ من الكُرهِ
ومن نفسِكَ
في عصر البغضاءْ؟
- لم أنجُ تماماً
كانت تسحبُني للماضي دوماً
«غرفةُ تذكاراتٍ سوداءْ»
لكنّي درّبتُ الذّاكرةَ على النّسيانِ
فلم يبقَ من الغضبِ المحمومِ بصدري
إلّا «مثل الغبش على سطح الكأسِ الملساءْ»
- والزّمنُ؟
أما أشعلَ نارَكَ؟
- «تهوي الأيّامُ كأوراق الأشجارْ»
وأنا لم أفعل يا صاحِ
سوى أنّي أنصتُّ لها
لم أغضب إذ سقطتْ بجواري
لم أكنُسها إذ سدّتْ عتبةَ داري
لم أقذفها
حين اختنقتْ رئتايَ
إلى النّارْ
ولذلك، أحسبني، لامستُ قليلاً
بعضَ الأسرارْ
- أستغربُ كيف لمستَ الأسرار ولم تقتلْ نفسكَ
أو تقتل غيركَ؟
كيف صبرتَ على (صادَيْنِ) بإسمكَ
لم تصطدْ برصاص الأولى صقراً..
لم تسجنْ في قفص الأخرى عصفورْ؟
لكنّكَ فتّحتَ الحرفيْنِ المقفُوليْنِ
فصار اسمُكَ حقلَ زهورْ
اسمُكَ نهرٌ لا ينبعُ من جبلٍ
أو يرجعُ في بحرٍ
لكن يبقى حول بساتين الزّرعِ
يدورْ
اسمُكَ طائرُ حزنٍ
في الجوّ يرفرفُ
لا يتوقّفُ
وجناحاه الظُّلمةُ والنّورْ
>>>
- ما الوقتُ الآن؟
- ها أنذا أنظرُ..
قد نهضتْ في الأفُقِ الشّمسْ
- الآن ستبدأ «رحلتَها الوحشيّةَ فوق الطرقاتْ»
فوق وجوهِ الفقراء المكلومينَ
وفوق جروح السّاحاتْ
لا تَخْشَ «أصابعَها النّاريّة»
وهي تشير إلى قامات الظُّلمْ
لا تَخْشَ خيوط الدّمْ
النّفْسَ.. النّفسْ
احذر أن تُغمضَ عينيْكَ
وتحسبَ أنّ النّور بصدركَ..
ذاك الحبسْ
- أتساءل كيف حضنتَ الوردةَ والسّيفَ
وكيف سكبْتَ فؤادَكَ للإسفلتِ
وللأحراجْ
هل كنت (الشِّبليَّ) الصّاحبَ
أم كنت الحلّاج؟
هل ليلى كنتَ أم المجنون؟
هل كنت رمال الشّاطئِ
أم كنت الأمواجْ؟
- كنتُ أسير على النّيلِ أُخاصِرُ عاشقتي
والحبُّ نبيذٌ يرقص في أوردتي
لكنْ كانت أورادي لا تنقطعُ على شفتي
زرتُ بلاداً
واستقبلتُ بلاداً في مكتبتي
لكنّ بلادي كانت دوماً بوصلتي
والنّاسُ المزروعون بأرض بلادي كانوا بوصلتي
- كنتَ فقيراً؟
- لم أعرف نفسي إلّا بين الفقراءْ
في الحارةِ
في مقهى الليلِ
وفي أمكنةٍ ليس لها أسماءْ
ما روّاني ماءٌ
كالماء الراشح من جرّاتِ الفلّاحاتِ
ولم يشبعني خبزٌ
كالخبز على مائدة البسطاءْ
سرّي
إن كان هنالك سرٌّ
أنّي عشتُ طوال العمر بسيطاً
بين البسطاءْ
الهوى هوانٌ
ممر أخير
قبل المونتاج





