ظاهرة زيوت السيارات المغشوشة أصبحت تشكل تهديدًا حقيقيًا لعمر السيارات وسلامة المواطنين على حد سواء، حيث تم استخدام زيوت محركات مغشوشة وتعبئتها بصورة مخادعة وتوزيعها عبر محلات تغيير الزيوت ومنصّات الإنترنت بأسعار منخفضة جذّابة، ووفقًا لتصريحات خبراء معتمدين مثل المهندس عصام غنايم، فإن ارتفاع أسعار الزيوت الأصلية ساهم فى استفحال الظاهرة، مما دفع عددًا من الممارسين إلى مواجهة تبعاتها المباشرة على السيارات وحياة أصحابها.. فالعديد من الحالات التى سجلتها مراكز الصيانة والتى نرصدها فى هذا التحقيق تؤكد أن تكلفة إصلاح محرك واحد من السيارات التى تضررت من الزيت المغشوش تتراوح بين 30 إلى ٥٠ ألف جنيه حسب نوع السيارة، بعد أن استخدم أصحاب السيارات زيوتًا مغشوشة أو معاد تدويرها «خالية من العِرق» بلغة الصنايعية، ما يعنى أنها فقدت لزوجتها ومكوناتها الأساسية، وتسبّبت فى تآكل «قلب» المحرك.
مصانع «بير السلم» سبب المشكلة وحملات الرقابة ضرورية
أجهزة الرقابة والدولة لم تغلق عينيها عن هذه الظاهرة، ففى محافظات مثل الجيزة والإسكندرية تم تنفيذ ضبطيات موسّعة لمصانع تعمل دون ترخيص، تعيد تدوير زيوت محركات مستعملة وتعبئتها داخل عبوات تحمل أسماء علامات تجارية شهيرة، ثم تطرحها فى السوق بغرض الربح، فعلى سبيل المثال، تم ضبط مصنع فى الجيزة بحوزته أكثر من 405 أطنان من النفايات البترولية الخطرة إلى جانب 100 طن منتج نهائى من زيوت محركات معاد تدويرها موجهة للبيع، كذلك، فى الإسكندرية تم ضبط مصنع دون ترخيص يجمع زيوت سيارات مستعملة ويعيد تعبئتها فى عبوات مزيّفة.. لكن رغم هذه الجهود الرسمية، يظل الوعى بين مستخدمى السيارات أقل مما ينبغى، والخيارات أمام صاحب السيارة غالبًا ما تُحاصر بين السعر المنخفض المغرى والمصدر غير الموثوق، فى هذا الواقع، تأتى أهمية هذا التحقيق لأنه أكثر من مجرد تحذير، إنها دعوة ضرورية لوقايةٍ مالية وسلامة المَكينة.
خسائر كبيرة
أحمد السيد، أحد مالكى السيارات الملاكى، كشف تفاصيل تعرضه لخسارة كبيرة بعد استخدام زيت مغشوش اشتراه عن طريق أحد الإعلانات المنتشرة على السوشيال ميديا وكان معروضًا بسعر مغرٍ وقال إنه فوجئ بعد أقل من أسبوعين من تغيير الزيت بارتفاع شديد فى حرارة المحرك وانبعاث رائحة احتراق قوية، وعند فحص السيارة تبين أن الموتور تعرض لتآكل كامل فى الأجزاء الداخلية بسبب الزيت غير الصالح للاستخدام، ما اضطره لإجراء «عمرة كاملة» تجاوزت تكلفتها 35 ألف جنيه. وأكد أحمد أن العبوة التى استخدمها كانت تحمل اسم ماركة شهيرة وبدا مظهرها الخارجى طبيعيًا، لكنه اكتشف أنها مقلدة.
وفى تجربة أخرى، أوضح محمد عبدالعزيز، صاحب سيارة نقل خفيف، أنه قام بتغيير الزيت من أحد محال تغيير الزيوت على طريق إقليمى وبعد فترة قصيرة من الاستخدام بدأت السيارة تصدر صوت «تكتكة» غريبًا، ثم توقفت تمامًا عن العمل، وعند فحصها تبين أن الزيت فقد لزوجته وتسبب فى احتكاك مباشر داخل الموتور، ما أدى إلى تلف كامل فى «الكرنك» و«السبايك»، وقال محمد إن الخسارة تجاوزت 40 ألف جنيه، مضيفًا: الزيت المضروب دمر العربية.. ومن يومها ما بغيّرش غير فى مركز معتمد حتى لو أغلى شوية.
قامت (الأخبار) بجولة على محلات الزيوت لكشف خيوط الظاهرة وقابلنا أحمد مصطفى، عامل بأحد محلات تغيير الزيوت فى منطقة الهرم، فقال إن ظاهرة انتشار الزيوت المغشوشة أصبحت واضحة فى السوق خلال الفترة الأخيرة، وأوضح أن بعض التجار والموزعين بيعرضوا عبوات زيوت بأسعار أقل من السوق بحوالى 30 أو 40 فى المائة، وهو ما يثير الشك، لكن فى المقابل هناك زبائن بيطلبوا الأرخص فقط من غير ما يسألوا عن المصدر أو الضمان.
وأضاف أحمد أن بعض محلات تغيير الزيوت غير المعتمدة بتقع فى الغلط ده، لأنها بتشترى الزيوت من موردين مش معروفين عشان تحقق هامش ربح أكبر، خاصة على الطرق أو فى المناطق البعيدة عن الوكلاء. وقال: «فيه زيوت شكلها الأصلى بالظبط، التكة موجودة والغطاء سليم، لكن لما تفتحها تلاقى الريحة مختلفة واللون أخف.. دى غالبًا مضروبة أو معاد تدويرها»..
اما محمود رمضان، عامل فى أحد محلات تغيير الزيوت بمنطقة شبرا، قال إن الزيوت المغشوشة انتشرت بشكل كبير فى الشهور الأخيرة، لدرجة إن صعب تفرقها عن الأصلى إلا للى عنده خبرة طويلة فى الشغل، وأضاف أن بعض الموردين بييجوا يعرضوا جراكن شكلها مظبوط جدًا ومكتوب عليها نفس أسماء الماركات المعروفة، لكن الفرق بيبان فى ريحة الزيت ولونه، وغالبًا بيكون خفيف زيادة أو فيه شوائب بسيطة.. وقال محمود: الناس فاكرة إن فرق السعر بسيط، لكن الحقيقة إن الزيت المغشوش ممكن يبوظ الموتور كله.
الزيت اتبخر
يقول محمود السعيد ميكانيكى وصاحب ورشة صيانة سيارات بمنطقة حدائق الأهرام، إن أحد زبائنه كاد يتعرض لحادث على طريق الصعيد بسبب استخدام زيت مغشوش، موضحًا أن الواقعة بدأت عندما قام الزبون بتغيير الزيت فى أحد المحلات غير المعتمدة قبل سفره إلى المنيا بيومين.. وأضاف أن الزبون اتصل به أثناء الرحلة بعدما لاحظ أن لمبة الزيت فى لوحة العدادات أضيئت فجأة، وعندما توقف لفحص السيارة فوجئ أن الموتور جاف تمامًا والزيت تبخر بالكامل، رغم أنه كان قد غيّره منذ أيام فقط، وأوضح الميكانيكى أنه طلب من الزبون عدم تشغيل المحرك ونقله بسيارة نقل إلى الورشة، وبعد الفحص تبين أن الزيت المستخدم لم يكن أصليًا، وكان خفيفًا جدًا.
وأضاف «الموتور اتحرق من جوه.. الكامة والسبايك اتاكلت، والعمرة كلفته أكثر من 40 ألف جنيه، وكل ده بسبب زيت مغشوش شكله نفس شكل الأصلى».. وأكد أن مثل هذه الحالات أصبحت تتكرر كثيرًا بسبب الغش فى الزيوت المنتشرة بالأسواق، مشددًا على ضرورة شراء الزيت من مصادر موثوقة، لأن خطأ بسيطًا فى اختيار الزيت ممكن يكلف صاحب العربية ثمن موتور كامل.
المصدر الموثوق
من جانبه قال المهندس سيد سعيد أحد خبراء صيانة السيارات وصاحب أحد مراكز الصيانة إنه يرفض تمامًا التعامل مع أى موزعين أو مندوبين غير تابعين للشركات المنتجة للزيوت بشكل مباشر، موضحًا أنه يفضل شراء الزيوت من الشركة نفسها بفواتير رسمية وأوراق موثقة لضمان الجودة، وأشار إلى أنه رغم وجود عروض بأسعار أقل من بعض الوسطاء، فإنه لا يغامر أبدًا بالشراء من السوق المفتوحة أو من مصادر غير معتمدة.. وأوضح أن خطورة الزيت المغشوش تكمن فى أنه يدمر المحرك بالكامل، لأنه إما زيت مستعمل فاقد لكل خواصه، أو زيت منخفض الجودة مخصص لمسافة ألف كيلومتر فقط مثلا يُعاد تعبئته فى عبوات مكتوب عليها «10 آلاف كيلومتر»، وهو النوع الأخطر لأن شكله الخارجى يتطابق تقريبًا مع الزيت الأصلي، على عكس الزيت المعاد تدويره الذى يمكن تمييزه أحيانًا.
وأضاف أن الحل الوحيد هو التعامل مع أماكن موثوقة ومراكز معتمدة، مؤكدًا أن أى تعامل مع موزعين من خارج المنظومة الرسمية هو مخاطرة كبيرة، وقال: الزيت المغشوش ملوش أمان.. ممكن يبوظ المكنة فى أيام، ويدمر الماتور فالأضمن نشترى من مصدر مضمون حتى لو أغلى شوية.
أزمة حقيقية
الخبير المهندس عصام غنايم، المتخصص فى شئون السيارات، أكد أن ظاهرة انتشار الزيوت المغشوشة أصبحت تمثل أزمة حقيقية فى السوق المصرية، موضحًا أن ارتفاع الأسعار فتح الباب أمام تداول أنواع من الزيوت المضروبة سواء فى بعض محلات تغيير الزيوت أو عبر الإنترنت من خلال عروض بأسعار منخفضة بشكل مبالغ فيه.
وأشار غنايم إلى أن مراكز الصيانة شهدت مؤخرًا حالات عديدة لمواتير سيارات تعرضت للتلف الكامل بسبب استخدام هذه الزيوت المغشوشة، مؤكدًا أن إصلاح المحرك فى هذه الحالات يحتاج إلى «عمرة كاملة» تتكلف ما لا يقل عن 30 ألف جنيه، وهى تكلفة مرتفعة للغاية على أصحاب السيارات.. وكشف خبير السيارات أن الزيت المغشوش غالبًا ما يكون زيتًا معاد التدوير يتم تجميعه من مراكز الصيانة، ثم يُصفى وتُضاف إليه مواد مبيضة لتغيير لونه، وأحيانًا تُستخدم مواد كاوية مثل «مياه النار» قبل إعادة تصفيته وتعبئته فى عبوات تحمل أسماء علامات تجارية معروفة فى السوق، وأوضح أن هذا النوع من الزيوت يفقد لزوجته ومكوناته الأساسية، مما يؤدى إلى تآكل أجزاء المحرك الداخلية، إذ إنه «زيت منتهى المفعول» كما يصفه العاملون فى المجال.
وأضاف غنايم أن الأخطر هو سهولة عملية الغش نفسها، مع انتشار مصانع «بير السلم» التى تقوم بتقليد الأختام الألومنيوم الخاصة بالعبوات الأصلية، بل وتصنع ما يُعرف بـ«التكة» التى كانت فى السابق علامة أمان تميز المنتج الأصلى.
ونصح غنايم أصحاب السيارات بملاحظة عدة علامات عند شراء الزيت، أبرزها أن يكون لون الجركن غير باهت، والطباعة عليه واضحة غير مهزوزة، والتأكد من سلامة «التكة» على الغطاء، كما يجب فحص الزيت داخل العبوة للتأكد من خلوه من أى رواسب، وأن تكون درجة لزوجته مناسبة، لأن الزيت الأصلى لا يكون خفيفًا أو سائلًا بدرجة مفرطة.

اكتشاف يعيد تفسير أسرار خلية النحل
د. هيثم شعبان: «العمر المناعى» مقياس صحة الإنسان وليس تاريخ الميلاد
خزعبلات التغذية العلاجية «مرفوضة»







