فى عالمنا الرقمى المتسارع، لم تعد عمليات الاختراق تقتصر على شاشات سوداء وأكواد برمجية معقدة، بل تحولت إلى لعبة تعتمد على الهندسة السلوكية واختراق عقول المستخدمين أولًا..
فمع تطور التكنولوجيا، أصبح كل فرد منا يمتلك بصمة رقمية تجعله هدفًا محتملًا، فكيف نضع النقاط على الحروف ونسد هذه الثغرات لحماية أنفسنا؟
لم يعد الاختراق الرقمى مجرد مشهد سينمائى، بل أصبح تجارة منظمة تُدار بذكاء اصطناعى وحيل نفسية متقنة تُعرف بـ»الهندسة الاجتماعية».
وبينما تقرأ عزيزى القارئ هذه الكلمات، تأكد أن هناك محاولات لا تتوقف لفك شفرة خصوصيتك الرقمية؛
حيث يرتدى المخترقون أقنعة متعددة: تارة فى صورة تحديث أمنى عاجل، وأخرى فى هيئة رسالة بنكية تثير الذعر.. أصبح صراع العصر الحالى ليس صراع قوة بدنية، بل صراع وعى تقنى.
فهل أنت مجرد هدف محتمل فى قائمة «الهاكرز»، أم أنك تمتلك مفاتيح تكون حصنك الرقمى؟
وليد حجاج: أمانك الإلكترونى يبدأ منك ... ووعيُك السلوكى هو حصنك ضد الاختراق
إسلام غانم: برامج مكافحة الفيروسات هى خط الدفاع التقنى الأول
محمد اليمانى: «قاوم» كانت طوق النجاة لـ6 آلاف ضحية ابتزاز
الروابط الوهمية والذكاء الاصطناعى.. أدوات جديدة لجرائم قديمة
جاءت صرخات الاستغاثة التى أطلقتها فنانة شهيرة بعد تعرضها للنصب الإلكترونى واختراق حساباتها والاستيلاء على أرباحها، لتدفعنا للتوقف أمام ملف الأمان الرقمى، وكيف يمكن الحد من هجمات قراصنة الإنترنت.
يشير الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات ومستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبرانى وتكنولوجيا المعلومات، إلى وجود أبواب خلفية يستغلها المحتالون، وهنا تبرز أهمية وقيمة التوعية الرقمية باعتبارها خط الدفاع الأول لحماية الحسابات على منصات التواصل والأجهزة الشخصية.. ويوضح أن الأمر لا يتطلب خبرة تقنية معقدة، بل يكفى الالتزام ببعض القواعد الذهبية، أبرزها، تفعيل المصادقة الثنائية (2FA)، ويفضل استخدام تطبيقات التوثيق بدل الرسائل النصية.
إضافة إلى تحديث الأنظمة والتطبيقات بشكل مستمر لسد الثغرات، ومراجعة الصلاحيات الممنوحة للتطبيقات المرتبطة بالحسابات، وتقليل البصمة الرقمية وعدم مشاركة التفاصيل الشخصية الدقيقة.
روشتة رقمية:
يضع حجاج «روشتة رقمية» تتضمن خطوات حاسمة لمواجهة الابتزاز، مؤكدًا أن الوقوع ضحية للابتزاز الإلكترونى أزمة تتطلب إدارة حكيمة وهدوءًا نفسيًا قبل أى تدخل تقنى، فالمبتز يتغذى على الخوف والعزلة، وللنجاة من هذا الفخ لا تدفع أبدًا، لأن الدفع سيحوّلك إلى «عميل دائم». فالدفع يفتح شهيته لطلب المزيد، لذلك، من الضرورى تأمين الأدلة الجنائية الرقمية؛ ولا تقم بحذف المحادثات أو الحسابات التى تواصلت معك.
التقط صورًا للشاشة (Screenshots) واحتفظ بالروابط، فهذه التفاصيل الصغيرة قد تكون الخيط الذى يقود الأجهزة الأمنية إلى الجانى.
كما يجب حظر المبتز فورًا لوقف النزيف النفسى، مع تغيير كلمات المرور والتوجه فورًا إلى مباحث الإنترنت أو التواصل مع الخطوط الساخنة للإبلاغ، مؤكدًا أن السرعة عامل حاسم.
كيف يتم خداعنا اليوم؟
يوضح خبير أمن المعلومات أن أساليب الخداع تطورت بشكل مرعب، مستهدفة مختلف الفئات العمرية، خاصة الأجيال الشابة عبر تحليل دقيق لسلوكياتهم.
ومن أخطر هذه الأساليب استنساخ الصوت والصورة، حيث تتيح أدوات الذكاء الاصطناعى للمحتالين تقليد بصمة صوت أحد أقاربك أو أصدقائك، والاتصال بك.
وقد دفع هذا التحدى كبرى شركات التكنولوجيا إلى تطوير أنظمة استشعار فورية لاكتشاف هذه العمليات والتصدى لها.
وفى هذا السياق، من المنتظر أن تعلن شركة «جوجل» خلال المؤتمر المقرر انعقاده فى منتصف مايو 2026، عن إطلاق تحديث «الأمن الشامل»، الذى يتضمن نظامًا مدمجًا مدعومًا بمحرك ذكاء اصطناعى، مهمته التنبؤ بمحاولات الاحتيال الهاتفى لحظة وقوعها.
ولا تتوقف أساليب الخداع عند هذا الحد، إذ تنتشر رسائل تبدو بنكية، تطلب تحديث بياناتك عبر رابط خبيث يسرق معلوماتك فور الضغط عليه.. كما تتزايد ظاهرة الاصطياد عبر العروض الوهمية، مثل إعلانات الوظائف أو الوعود بأرباح سريعة، وحتى التطبيقات التى تدّعى معرفة «من زار صفحتك الشخصية»، تكون فى الغالب فخاخًا لسرقة بيانات الدخول والسيطرة على حساباتك.
محرك خفى للتدمير:
من جانبه، يوضح الدكتور إسلام غانم، استشارى أمن المعلومات والتحول الرقمى، أن خطورة الرابط الوهمى تكمن فيما يختبئ خلفه من أكواد برمجية (Scripting) صُممت لتنفيذ مهام محددة بمجرد الضغط عليها. فبمجرد استجابة المستخدم، يبدأ الكود فى العمل بصمت، وتتفاوت الأضرار وفقًا للغرض الذى كُتب من أجله؛ بدءًا من التجسس البسيط وصولًا إلى الهيمنة الكاملة على نظام تشغيل الهاتف.
مستويات الاختراق:
ويشير إلى أن هناك أشكالًا متعددة من السيطرة يمارسها «الهاكرز» عبر هذه الروابط، وتشمل مراقبة نشاط المستخدم على منصات التواصل الاجتماعى وقراءة رسائله وتفاعلاته، إلى جانب القدرة على متابعة حالة الهاتف، بما فى ذلك نسبة شحن البطارية وسجل المكالمات، بل والأنكى من ذلك إمكانية «سماع المكالمات» فى أى وقت، وهو ما يُعرف بالتجسس اللحظى.
كما يمكن للمهاجم رصد كل ما يقوم المستخدم بنسخه ، وهو ما يمثل خطورة قصوى فى حال نسخ كلمات مرور أو بيانات بنكية حساسة.
التوظيف التسويقى والسياسى للروابط:
ويستكمل غانم أن خطورة الروابط الوهمية لا تقتصر على السرقة المباشرة فحسب، بل تمتد لتشمل أهدافًا أخرى، من بينها تجميع بيانات ضخمة عن المستخدمين وتصنيفهم وفق الفئات العمرية والنطاق الجغرافى، لأغراض تسويقية وتجارية.. كما تُستخدم هذه البيانات فى هندسة حملات لنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة، وتوجيه الرأى العام من خلال فهم عميق لاهتمامات الفئات المستهدفة.
ويؤكد أن الوعى بطبيعة الروابط التى تصل عبر الرسائل أو منصات التواصل يمثل خط الدفاع الأول؛ فخلف كل رابط مجهول قد يكمن كود قادر على انتزاع الخصوصية فى ثانية واحدة.
صديقك قد يكون عدوك الرقمي:
ويرى استشارى أمن المعلومات أن القاعدة التقليدية التى تحذر من «عدم فتح روابط من غرباء» لم تعد كافية، إذ يعتمد المخترقون حاليًا على استراتيجية «انتحال الشخصية الرقمية».
فبمجرد اختراق حساب أحد الأصدقاء أو الزملاء، يقوم المخترق بإرسال روابط ملغومة إلى قائمة جهات اتصاله، ما يمنح الضحية شعورًا زائفًا بالأمان ويدفعه للضغط دون تردد، لتنتقل العدوى كالنار فى الهشيم من حساب إلى آخر.
حارس البوابة الذكي:
تُعد برامج مكافحة الفيروسات (Antivirus) المخصصة للهواتف الذكية خط الدفاع التقنى الأول؛ فهى تعمل على الفحص الاستباقى للروابط الواردة والتحقق من وجهتها قبل فتحها.
كما تقوم بآلية الحجب التلقائى، عبر منع ظهور الروابط المرتبطة بخوادم مشبوهة أو التى تحتوى على أكواد تدميرية، إضافة إلى رصد أى نشاط غير طبيعى يحاول الوصول إلى صلاحيات الميكروفون أو الكاميرا.
كيف تكتشف «السم فى العسل»؟:
وفى حال اضطر المستخدم للتعامل مع رابط مجهول، فإن الأنظمة الذكية، ومواقع الأمن السيبرانى توفر أدوات فحص متقدمة، حيث يمكن نسخ الرابط ووضعه فى محركات تحليل عالمية مثل VirusTotal، التى تفحصه وتصدر تقريرًا فوريًا قبل الوقوع فى الفخ.. ويختتم غانم حديثه بأن الحماية الرقمية فى عام 2026 لم تعد ترفًا، بل ضرورة حتمية، تبدأ بوعى المستخدم وتنتهى ببرمجيات قوية، ويؤكد أن «التشكيك الرقمي» يظل الوسيلة الأهم لحماية الأسرار خلف الشاشات.
قاوم:
وفى سياق متصل، أوضح د.محمد اليمانى، رئيس مجلس أمناء مؤسسة «قاوم»، أن المؤسسة تعمل منذ ثلاث سنوات بشكل مؤسسى ومنظم فى خدمة المجتمع، متجاوزةً مجرد مكافحة الابتزاز الإلكترونى لتشمل مختلف أشكال الجرائم المعلوماتية.. وقال إن مؤسسة «قاوم» تقدم خدماتها مجانًا بالكامل دون أى مقابل، وقد نجحت فى دعم أكثر من 6 آلاف ضحية ابتزاز إلكترونى، سواء عبر حلول ودية أو تحركات قانونية حازمة.
وقدمت المؤسسة لهم دعمًا متكاملًا، وتعمل «قاوم» كحلقة وصل بين الضحايا والجهات المختصة، لمساعدتهم على اتخاذ الإجراءات القانونية الصحيحة.
المسار القانونى والحلول الودية:
ويؤكد اليمانى أن الإبلاغ الرسمى هو الحل الأول والأساسى لحفظ الحقوق، مشيرًا إلى نجاح المؤسسة فى استصدار أحكام قضائية رادعة تراوحت بين سنة وخمس سنوات. ومع ذلك، لا تغلق المؤسسة باب الحلول الودية.
ويضيف أن فكرة «قاوم» نشأت بعد مأساة انتحار فتاة نتيجة الابتزاز، دون أن تُعرف تفاصيل قضيتها، ومن هنا، تسعى المؤسسة إلى تغيير ثقافة اللوم المجتمعى، وتشجيع الأسر على احتواء الضحايا بدلًا من معاقبتهم نفسيًا، تفاديًا لحوادث مأساوية.
كما طورت المؤسسة وحدات متخصصة لرصد منصات التواصل الاجتماعى والبؤر الإجرامية عبر تجميع حالات النصب الإلكترونى المتشابهة، بما يساعد فى كشف المجرمين المتكررين، ودعم الجهات الأمنية فى تتبع «البؤر الإجرامية» المنظمة.
ويختتم مؤكدًا أن كثيرًا من المستخدمين يرتكبون مخالفات إلكترونية دون وعى، مثل السب والتشهير عبر التعليقات، ما يستوجب نشر ثقافة الأمان الرقمى وتعريف المجتمع بحدود القانون، بالتعاون مع الجهات المختصة وخطوط حماية الطفل.
كلمة أخيرة
فى زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، لم يعد الأمان الرقمى رفاهية، بل ضرورة.. وإذا كانت الأجهزة تُخترق بثغرة… فإن الإنسان يُخترق بلحظة ثقة.. فكن حذرًا… فالنقرة الواحدة قد تفتح بابًا لا يُغلق.

إرهابى عابر للحدود| التحقيقات والاعترافات تضع الإخوانى يحيى موسى على رأس قوائم الإرهاب الدولى
ارتفاع التكاليف.. «كابوس» الفشل وتغيّر القوانين أهم الأسبـاب.. والشــباب يفكــر مرتين
«الأخبار»تفتح ملف التحايـل عـلــى قرارات تمكين الحاضنة من مسكــن الزوجيـة





