«الازدواج» أفشل مخطط ضرب الملاحة باستخدام ممرات بديلة
قفزة الإيرادات إلى 10 مليارات دولار تتحدى صراعات المنطقة المفتعلة!
أحلم بتفريعتين كاملتين تجعلان القناة بلا منافس للأبد
رغم أنف قراصنة الطاقة.. شركات الملاحة العالمية ترفض إغراءات البترول الرخيص
رغم ما تشهده المنطقة من صراعات إقليمية ودولية مفتعلة، تدق فيها طبول التهديدات الملاحية التى تحبس لها عواصم العالم أنفاسها يظل مجرى قناة السويس شريانا حيويا يربط شرق الأرض بغربها، وحصن مصر الاقتصادى المنيع. ولأن التاريخ هو مرآة الحاضر. «الأخبار» تحاور أحد أبرز رموز العسكرية البحرية المصرية، البطل الربان وسام حافظ، كبير مرشدى قناة السويس، وأحد رجال المجموعة 39 قتال الاستقصائية الباسلة، والاسم المحفور فى ذاكرة الانتصارات البحرية. فى هذا الحوار الاستثنائي، يفتح البطل صندوق أسراره، ليروى بدقة كواليس الملاحم العسكرية التى حطمت غطرسة الاحتلال فى حرب الاستنزاف، ويسرد بالأرقام والحقائق الاستراتيجية كيف تواصل القناة اليوم معركتها ضد مؤامرات قراصنة الطاقة وسارقى النفط الإقليمي.
إلى نص الحوار:
■ سيادة الربان، دعنا نبدأ من الحدث التاريخى الأبرز الذى غير مفاهيم الاستراتيجية البحرية العالمية.. ما هو دوركم ودور المجموعة 39 قتال فى تدمير المدمرة والسفينة الإسرائيلية «إيلات»؟
- انطلاقاً من الأمانة التاريخية والدقة العسكرية، لم يكن لى دور مباشر فى عملية تدمير السفينة «إيلات» ذاتها، بل تشرّفت بالمشاركة الفعالة فى التخطيط والعمليات الخاصة بالهجوم على ميناء «إيلات»، حيث كنت ضمن الفريق الاستقصائى العسكرى الذى تولى مهام استطلاع الميناء بدقة وتجهيز المعلومات اللازمة لشن الهجوم. فقد كنا فى المجموعة 39 قتال نعمل كرجال قتال واستطلاع فى العمق.
■ عملية تدمير المدمرة «إيلات» شكلت ضربة قاصمة للاحتلال.. كيف كان وقع هذا الزلزال على القادة فى تل أبيب، وما هى التفاصيل التى غابت عن المشهد العام؟
- الحقيقة أن تدمير السفينة «إيلات» أحدث صدمة ووقعاً فظيعاً ومرعباً داخل إسرائيل، إذ مثّلت الضربة صفعة قوية لم تكن تتخيلها قيادتهم أبداً، وجاءت لتحطم العجرفة والغطرسة التى كانوا يعيشون نشوتها. لقد وصلت تلك السفينة إلى مياهنا الإقليمية وهى تقل على متنها طلاب الكلية البحرية الإسرائيلية، إلى جانب وفد من الزوار الدوليين والصحفيين من مختلف أنحاء العالم، وكان الهدف من هذه الرحلة استعراضياً بامتياز، لإرسال رسالة مفادها أن سفنهم تبحر فى المياه الإقليمية المصرية بحرية كاملة ودون أن يجرؤ أحد على ردعها.
■ وكيف جاء الرد الصاعق من القوات البحرية المصرية لإنهاء هذا التبجح الاستعراضي؟
- الرد جاء حاسماً ومباغتاً؛ حيث فوجئ العدو بزورقين حربيين مصريين لـلصواريخ، كانا أصغر حجماً بفارق هائل من المدمرة الإسرائيلية العملاقة، ولم يتجاوز طاقم الزورق الواحد 12 فرداً. تخيل أن هذين الزورقين الصغيرين واجها سفينة حربية ضخمة تقل على متنها ما لا يقل عن 130 فرداً، ومدعومة بقوة تدميرية هائلة ومدفعية متطورة من عيار 4.5 بوصة! ومع ذلك، نجح اللنشان المصريان فى مباغتة المدمرة وقصفها بصواريخ موجهة حققت إصابة مباشرة ودقيقة بنسبة 100%، لتغرق السفينة بالكامل وسط ذهول الاحتلال الذى لم يتوقع هذه القدرة الهجومية الفائقة.
■ كيف انعكس هذا الانتصار المدوى على الجبهتين المصرية والإسرائيلية سياسياً ومعنوياً؟
- لقد كان انتصاراً تاريخياً عظيماً لمصر أثبت قدرتنا على استعادة الأرض والكرامة، وفى المقابل، خيمت أجواء من البكاء الشديد والحزن العارم على إسرائيل وعلى رئيسة وزرائها آنذاك «جولدا مائير» التى انكسرت أمامها أوهام السيطرة البحرية المطلقة.
■ بالعودة إلى جبهة القناة وحرب الاستنزاف، كيف تعاملتم كرجال مجموعة قتالية واستقصائية مع وصول قوات العدو إلى الضفة الشرقية لمجرى القناة؟
- لم يرتضِ الجيش المصرى يوماً، ولم يرتضِ زملائى فى القوات البرية والبحرية والجوية، باحتلال إسرائيل لأرض سيناء الغالية ووصولهم إلى الضفة الشرقية لقناة السويس. وأتذكر جيداً أن «موشيه ديان»، وزير الدفاع الإسرائيلى آنذاك، أطلق تصريحاً عالمياً شهيراً قال فيه: «يجب أن تُدار قناة السويس بنسبة 50/50».
■ ماذا كان يرمى «موشيه ديان» من وراء طرح معادلة (50/50)؟ وماذا كان موقف القيادة السياسية والعسكرية المصرية؟
- كان يهدف بوقاحة إلى فرض شراكة دولية تمنح إسرائيل نصف عائدات ودخل قناة السويس وتقاسمها مع مصر، مستنداً إلى نشوة الانتصار المؤقت ووصول قواته إلى الضفة الشرقية. لكن هذا الطرح قوبل برفض قاطع ومطلق من الجيش المصرى بكافة أسلحته، كما رفضه الزعيم جمال عبد الناصر جملة وتفصيلاً، وقررنا تحويل المجرى الملاحى إلى جحيم مستمر تحت أقدامهم.
■ كيف نجحتم فى تحويل تمركزات العدو على الضفة الشرقية من موقع استعراضى إلى حصار خانق؟
- لقد بذلنا كل ما فى وسعنا، وبدأنا بشن عمليات هجومية مكثفة بشكل أسبوعي. فى بداية الأمر، وعندما وصلنا إلى الجبهة، كان الجنود الإسرائيليون يلهون ويستمتعون بالسباحة فى مياه قناة السويس؛ ولكن بعد أيام قليلة من انطلاق عملياتنا الفدائية، استبد بهم الرعب ولم يعودوا يجرؤون على رفع رؤوسهم من داخل الخنادق والتحصينات التى اختبأوا فيها. أصبح الجندى الإسرائيلى يقترب من ضفة القناة وهو يشعر بالذعر التام وعدم اليقين من العودة إلى منزله حياً.
■ كانت عملياتكم تتخذ طابعاً دورياً أرعب الحسابات الإسرائيلية.. حدثنا عن كواليس «يوم السبت» المرعب فى مفكرتكم القتالية؟
- كنا ننفذ عمليات العبور والهجوم بشكل دورى كل يوم سبت من كل أسبوع. كنا نمر إليهم فى معاقلهم لنذيقهم ويلات القتال ونلحق بهم خسائر فادحة لا يمكن تصورها، وذلك لنوجه إليهم رسالة عملية واضحة: «لن تتمكنوا من الاستقرار أو البقاء فوق هذه الأرض مهما فعلتم». واستمررنا على هذا النهج القتالى الصارم حتى تكللت الجهود بحرب أكتوبر المجيدة.
■ هل اقتصرت ضرباتكم الموجعة على جبهة القناة فحسب، أم امتدت يد الردع المصرية إلى العمق؟
- لم نكتفِ أبداً بحدود الجبهة؛ بل لاحقنا العدو فى عقر داره وتسللنا إلى ميناء «إيلات» عبر الأراضى الأردنية، وبسرية مطلقة دون علم السلطات هناك لضمان نجاح العملية. وهناك، ألحقنا بهم دماراً هائلاً؛ حيث نجحنا فى تفجير 4 سفن حربية، وتدمير الرصيف الحربى للميناء بالكامل، بالإضافة إلى تصفية 14 ضفدعاً بشرياً من نخبة قواتهم البحرية. ورغم استنفارهم، لم يتمكنوا من القبض على أى فدائى من رجالنا؛ لقد ألحقنا بهم هزيمة نكراء، واقتنعوا فى نهاية المطاف بأنهم لن يجرؤوا على فرض قناة «50/50» كما توهم «موشيه ديان»، وعادت القناة كاملة ومصرية خالصة رغماً عن أنوفهم.
■ بالانتقال إلى الحاضر، تشهد المنطقة توترات جيوسياسية وصراعات دولية وإقليمية مفتعلة أثرت بشكل مباشر على حركة الملاحة البحرية.. كيف تقيمون المشهد الاقتصادى الحالى لقناة السويس؟
- تظل قناة السويس الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطنى المصرى والرافد الحيوى الأول للدخل القومى من العملة الأجنبية. وإذا نظرنا إلى المؤشرات القريبة، وتحديداً قبل نحو ثلاثة أعوام سنجد أن القناة سجلت طفرة تاريخية غير مسبوقة؛ إذ قفزت إيراداتها لتصل إلى ذروتها البالغة 10 مليارات دولار، وهو الرقم الأعلى فى تاريخ المجرى الملاحي. ورغم التراجع النسبى الراهن والناتج عن الصراعات الإقليمية والدولية المفتعلة فى المنطقة، إلا أن هذا التراجع لا يقلل من القيمة الاستراتيجية الكامنة للقناة، بل يثبت دائمًا أهميتها القصوى للعالم ويمهد لتطوير قدراتها الفنية باستمرار.
■ تتردد فى الأوساط الاقتصادية معلومات خطيرة عن محاولات لإنشاء أسواق طاقة موازية لضرب تنافسية القناة.. ما هى حقيقة استخدام «النفط المسروق» فى هذا الصراع؟
- نعم، هذه حقيقة مؤكدة؛ فهناك كميات ضخمة من البترول والنفط تُسرق من الأراضى السورية وتُباع فى الأسواق الموازية بأسعار منخفضة وزهيدة للغاية. والهدف الخبيث من وراء هذا الوقود الرخيص كان إغراء السفن وناقلات النفط لتسلك طرقاً بحرية بديلة وطويلة؛ نظراً لأن تدنى كلفة الوقود سيجعل التفافها حول طرق أخرى غير مكلف ماليّاً، مما يؤدى بالتبعية إلى الإضرار بحركة المرور فى قناة السويس وتجفيف منابع دخلها.
إفشال المخطط
■ وكيف تمكنت قناة السويس من الصمود وإفشال هذا المخطط الاقتصادى الخطير؟
- لقد ارتدت المؤامرة على أصحابها؛ فبفضل مشروعات التطوير وازدواج المجرى الملاحى التى اختصرت وقت العبور بشكل كبير ووفرت نفقات باهظة على السفن، فضلت الخطوط الملاحية والناقلات العالمية العبور عبر قناة السويس لتوفير الوقت والجهد، واضطرت للعبور من القناة رغماً عن أنف الجهات التى تسرق النفط السورى وتبيعه برخص التراب بهدف إلحاق الضرر بمصر وقناتها.
■ قضيتم فى خدمة قناة السويس نحو 46 عاماً، عاصرتم خلالها تحولات كبرى فى صناعة النقل البحري.. كيف واكب المجرى الملاحى تطور أجيال السفن العملاقة؟
- عملت فى هيئة قناة السويس على مدار 46 عاماً، عاصرت فيها عمليات تطوير وتعميق وتوسيع مستمرة لا تتوقف، لكى تتماشى القناة مع التطور الهندسى المتسارع لبناء السفن. وأذكر فى بداية عملي، وتحديداً فى عامى 1977 و1978، أن سفن الحاويات الضخمة آنذاك مثل «ميلبورن إكسبريس» و«سيدنى إكسبريس» كانت حمولتها القصوى لا تتجاوز 2000 حاوية فقط.
نقلة نوعية
■ وما هى النقلة النوعية الكبرى والأرقام التى تسجلها القناة اليوم فى العصر الحديث؟
- بحلول عام 2020، أصبحت القناة تستقبل بانتظام عمالقة البحار؛ وهى سفن حاويات يصل طولها إلى 400 متر وتتجاوز حمولتها 24 ألف حاوية، وهى الأكبر على مستوى العالم على الإطلاق. وتدر هذه السفينة الواحدة فى العبور الواحد عائداً مالياً كبيراً يتراوح بين 2 مليون إلى 3 ملايين دولار؛ وهو ما ضاعف دخل القناة بشكل ملحوظ، وجاء نتاج لجهود مخلصة وعمل دؤوب لمهندسى وعمال الهيئة على مدار العقود الأربعة التى قضيتها بين جنبات هذا المرفق العالمي.
■ هندسياً واقتصادياً، كيف تُرجم مشروع ازدواج المجرى الملاحى وقناة السويس الجديدة إلى وفورات مالية جاذبة للشركات العالمية؟
- حقق مشروع ازدواج المجرى الملاحى طفرة كبرى تتمثل فى تقليص زمن عبور السفن بشكل جذري، وهو ما انعكس طردياً على خفض المصاريف التشغيلية لتلك السفن. فى السابق، كانت السفن تضطر للانتظار وتستغرق رحلة عبورها وقتاً طويلاً يكلف الشركات نفقات تشغيلية يومية باهظة تتراوح بين 18 ألفاً إلى 20 ألف دولار فى اليوم الواحد كأجور طواقم ووقود وإيجار. وبفضل التعديلات والتفريعات الجديدة، انخفض زمن الرحلة والانتظار من 18 إلى 20 ساعة سابقاً، ليصبح حالياً ما بين 9 إلى 11 ساعة فقط. هذا الاختصار الزمنى العبقرى وفر على السفينة الواحدة فى الرحلة الواحدة مبلغاً ضخماً يتراوح بين 50 ألفاً إلى 60 ألف دولار، وهو العامل الحاسم الذى رفع من تنافسية القناة دولياً وقاد إيراداتها للوصول إلى ذروتها التاريخية البالغة 10 مليارات دولار.
رسالة للمرشدين
■ بصفتكم كبيراً للمرشدين عاصر أجيالاً متعاقبة، ما هى الرسالة التى توجهونها اليوم لزملائكم من المرشدين الذين يمثلون خط الدفاع الفنى الأول فى القناة؟
- من واقع خبرتى الطويلة التى امتدت لـ 46 عاماً، أقول لزملائى الأجلاء من مرشدى القناة: تذكروا دائماً أنكم سفراء فوق العادة لمصر على متن كافة سفن العالم الأجنبية التى تعبر هذا المجرى. إنكم تمثلون مصر بأخلاقكم الرفيعة، وبمظهركم المشرف، وبكفاءتكم الفنية والمهنية الفائقة، فأنتم خير من يمثل هذا الوطن أمام المجتمع الملاحى الدولي.
■ وما هى وصيتكم لإدارة هيئة قناة السويس للحفاظ على هذه المكانة والصدارة الدولية؟
- أوصي إدارة هيئة قناة السويس بضرورة التركيز المستمر والدائم على برامج التدريب المتقدم والتأهيل الدورى للمرشدين لرفع كفاءتهم وتحديث خبراتهم بصفة مستمرة؛ وذلك لضمان تقليص ونفى احتمالية وقوع أى حوادث ملاحية قد تنجم عن أخطاء بشرية، متمنياً لهم جميعاً دوام التوفيق والسداد فى أداء مأموريتهم الوطنية.
■ ختاماً.. ما هو الحلم الهندسى أو المشروع المستقبلى الذى ترون أنه سيجعل قناة السويس ممرًا فريداً وبلا منافس عالمى إلى الأبد؟
- إن الرؤية المستقبلية الطموحة التى أتمنى وأتطلع إلى تحقيقها لتطوير قناة السويس، هى تحويل المجرى الملاحى بالكامل إلى تفريعتين كاملتين متوازيتين ومزدوجتين على طول المسار؛ بحيث تبحر السفن المتجهة جنوباً وشمالاً بالتوازى ودون أى توقف أو انتظار على الإطلاق. هذا المشروع الاستراتيجى الضخم فى حال اكتماله، سينهى تماماً زمن الانتظار ويجعل من قناة السويس ممراً ملاحياً فريداً ليس له مثيل أو منافس على وجه الأرض من حيث السلاسة والأمان الملاحي، مما سينعكس بعوائد مالية ودخل عظيم جداً على الدولة المصرية، وعلينا جميعاً مؤازرة هذا المرفق ليبقى دائماً فى صدارة المشهد الدولى والاقتصادى عالمياً.


العلم يفســــر زيادة هجمات
30 يونيو تعرّى «الإرهابية».. وسنوات ما بعد الثورة تكشف أسرار قرن الأكاذيب الإخوانية
إيصالات أمانة وشيكات «على بياض» شرط التوظيف فى بعض الشركات





