ما بين القهوة ومشروبات الطاقة والعقاقير المنشطة، يتسابق بعض الشباب نحو تقليد جديد يعرف بـ«وصفات الفوَقان»، معتقدين أنها الطريق الأسرع للتركيز والسهر والتحصيل، بينما قد يتحول هذا السعى إلى مغامرة صحية مليئة بالمخاطر نتيجة اعتماد وصفات متداولة لا تستند إلى أسس علمية.. وقد تكررت شكاوىتقول د. رشا مصطفى استشارى الكيمياء الحيوية والتغذية العلاجية، إنه للأسف الشديد أصبح بعض طلاب الثانوية العامة خلال هذه الفترة من الامتحانات يلجأون إلى ممارسات خطيرة، مثل تناول أدوية منبهة للجهاز العصبى أو خلطها بمشروبات الطاقة أو مشروبات القهوة المثلجة، بينما يكتفى آخرون بمضغ حبوب القهوة أو خلط القهوة بمشروبات الطاقة لرفع مستوى الكافيين فى الجسم، كما يعتمد البعض على إضافة كميات كبيرة من البن والسكر إلى المشروبات، أو الإفراط فى تناول المشروبات الغازية والعصائر مرتفعة السعرات الحرارية ومشروبات القهوة الجاهزة، مضيفة أن هناك بالفعل بعض العقاقير المنبهة التى يتداولها الطلاب بهدف السهر والمذاكرة، وللأسف قد يحصل عليها البعض بسهولة، ثم يقومون بخلطها مع مصادر أخرى للكافيين من أجل البقاء مستيقظين لفترات طويلة، وهو ما يمثل خطرا كبيرا على الصحة.
النتائج عكسية
تسبب أمراض القلب وتؤثر سلبًا على الجهاز العصبى
خلط الأدوية مع المنبهات كارثة صحية بكل المقاييس
وتؤكد أن هذه الممارسات لا تؤدى إلى تحسين التركيز أو الذاكرة كما يعتقد البعض، بل على العكس قد تؤثر سلبا على القدرة على الاستيعاب والتذكر، فرغم أنها تزيد من فترة الاستيقاظ وتنشط الجهاز العصبى بشكل مؤقت، فإنها ترفع من حساسية الجهاز العصبى وتقلل من كفاءة التركيز، مما يجعل ساعات المذاكرة الطويلة أقل فاعلية، مشيرة إلى أن الإفراط فى تناول الكافيين ومشروبات الطاقة قد يؤدى إلى مجموعة من المضاعفات الصحية الخطيرة، منها اضطراب ضربات القلب، ارتفاع ضغط الدم، الأرق، التوتر والقلق، كما قد يتسبب فى خفقان وتسارع ضربات القلب وزيادة الضغط على عضلة القلب، وهو ما قد يرفع من احتمالات التعرض لمضاعفات قلبية خطيرة لدى بعض الأشخاص. فضلا عن أن التأثيرات السلبية تمتد أيضا إلى الجهاز العصبى والصحة النفسية، حيث يؤدى الإفراط فى الكافيين إلى اضطرابات النوم وصعوبة الحصول على قسط كافٍ من الراحة، بالإضافة إلى زيادة مستويات القلق والتوتر والعصبية وضعف التركيز، كما قد يسبب الصداع والدوخة نتيجة التأثير المباشر على الجهاز العصبى، وأيضا الجهاز الهضمى يتأثر بهذه الممارسات، إذ يمكن أن تزيد مشروبات الطاقة من إفراز أحماض المعدة، ما يرفع من احتمالات الإصابة بالحموضة والتهابات المعدة، بالإضافة إلى اضطرابات الهضم والغثيان والإسهال لدى بعض الحالات.
معلومات مضللة
ومن جانبه يرى د. عمرو سمير البهنساوى، باحث بقسم التغذية وعلوم الأطعمة بالمركز القومى للبحوث، أن سبب انتشار هذه العادة بين الطلاب تكون غالبا نتيجة الضغوط النفسية والخوف من الامتحانات، لذا يجب حمايتهم من ذلك بالبدء بالتوعية العلمية الصحيحة، وتوضيح أن التفوق الدراسى لا يعتمد على مشروب أو دواء سحرى، بل على تنظيم الوقت، والنوم الكافى، والتغذية المتوازنة، والمذاكرة المنتظمة، كما يجب على الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام مواجهة المعلومات المضللة المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعى.
مشيرا إلى أن الحد الآمن من الكافيين يوميا للمراهقين يفضل ألا يتجاوز 100 مليجرام، وهو ما يعادل تقريبا كوبا واحدا من القهوة أو كوبين من الشاى، مع مراعاة اختلاف محتوى الكافيين بين المنتجات المختلفة، فضلا عن أنه لا يُنصح بمشروبات الطاقة للمراهقين، لأنها تحتوى غالبا على كميات مرتفعة من الكافيين والسكريات ومكونات منبهة أخرى، وقد ترتبط باضطرابات النوم وزيادة التوتر وخفقان القلب، خاصة عند الإفراط فى تناولها أو استخدامها بشكل متكرر.
ويوضح البهنساوى الفرق بين التركيز الناتج عن الكافيين وبين التركيز الحقيقى، فالكافيين قد يقلل الشعور بالنعاس ويزيد اليقظة لفترة محدودة، لكنه لا يرفع بالضرورة القدرة على الفهم أو الحفظ أو التفكير العميق، أما التركيز الحقيقى فيعتمد على صحة الدماغ، والنوم الكافى، والتغذية السليمة، والحالة النفسية الجيدة، وبيئة المذاكرة المناسبة.
بدائل صحية
ويشير إلى أنه يفضل تناول الطلاب أطعمة ومشروبات بديلة تساعد فعليا على تحسين التركيز والذاكرة، والتى تشمل الفواكه الطازجة، والخضراوات الملونة، والمكسرات غير المملحة، والحبوب الكاملة، والأسماك الغنية بأحماض أوميجا 3، والزبادى ومنتجات الألبان، وشرب الماء بكمية كافية، كما أن الوجبات المتوازنة تساعد على الحفاظ على مستوى الطاقة والتركيز طوال اليوم دون تقلبات حادة، علما بأن التغذية السليمة لا تعمل كمنبه فورى، لكنها توفر للدماغ احتياجاته الأساسية للعمل بكفاءة، وعندما تقترن بالنوم الجيد والنشاط البدنى المعتدل، فإنها تمنح الطالب أداء ذهنيا أكثر استقرارا واستدامة من الاعتماد على المنبهات، فضلا عن أن الماء من أهم المشروبات الضرورية للحفاظ على وظائف المخ والانتباه والقدرة على التفكير، لأن تعرض الجسم للجفاف حتى وإن كان بسيطا فهو يؤثر سلبا على التركيز والمزاج.
ضعف المهارات
وفى هذا الصدد، يقول أ.د. عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، إنه من الناحية النفسية قد يلجأ الطلاب لمثل هذا الإجراء لعدم قدرتهم على إدارة الوقت بشكل جيد وعدم إدراكهم لكيفية عمل المخ وبالتالى يجهدون أنفسهم بدنيا وذهنيا فى السهر لوقت متأخر من الليل ولا يأخذون قسطا كافيا من النوم وبالتالى يحاولون تعويض ضياع التركيز من خلال تناول مثل هذه الوصفات.
والحقيقة أن هذه الوصفات قد تنجح فى جعل الطالب يقظا ولكنها لا تساعد فى تركيز الانتباه وتحسين عمل الذاكرة والإدراك فالمخ يحتاج للراحة والنوم العميق لكى يتم تنظيم ما تمت مذاكرته وتصنيفه وتخزينه بشكل جيد داخل الذاكرة ويحتاج المخ أيضا إلى قدر كبير من الراحة لكى يعاود العمل بكفاءة ولذلك فإن هذه الوصفات قد تجعل المخ فى حالة من النشاط الزائد التى تعوق عمل القدرات العقلية بل وتصيب الطالب بالتوتر والقلق وتعطل عمل الذاكرة.. وينصح د. عاصم الطلاب بأنه لا بديل عن النوم العميق لفترة تتراوح من ٧ إلى ٨ ساعات يوميا والمذاكرة على فترات منفصلة تتخللها فترات راحة تكون هى الطريقة المثلى الصديقة للدماغ.
المواد الفعالة
فيما توضح د. ماريان ماهر، صيدلانية وصانعة محتوى طبى، أن الطلاب فى الوقت الحالى ينقسموا إلى فئتين فى البحث عن الأدوية أو المستحضرات التى تهدف إلى مقاومة النوم وزيادة التحصيل، أولها المنشطات الذهنية الصارمة أو كما تعرف بأدوية الاضطرابات النفسية التى تحتوى على مادة الميثيل فينيدات أو المودافينيل، وهى فى الأصل أدوية لعلاج اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو النوم القهرى.
والفئة الثانية تتمثل فى مشتقات الكافيين وأدوية البرد المركزة، وذلك لأن اللجوء لجرعات مفرطة من أقراص الكافيين، أو استخدام بعض أدوية البرد والاحتقان الشائعة التى تحتوى على مواد محفزة للجهاز العصبى وقابضة للأوعية الدموية تضمن البقاء مستيقظين لفترة طويلة.
وتشدد د. ماريان على أنه لا توجد أدوية تزيد من التركيز، فلا يوجد فى الكيمياء الدوائية ما يسمى «حبة ذكاء سحرية»، والأدوية المنشطة تعمل فقط على تعديل نسب الموصلات العصبية مثل الدوبامين والنورأدرينالين فى الدماغ، فعندما يأخذها شخص سليم لا يعانى من نقص فى هذه المواد، يُصاب الجهاز العصبى والقلب بـ«صدمة تحفيزية» تؤدى إلى أضرار حتمية قد تصل إلى السكتة القلبية المفاجئة، فضلا عن أن هذه الأدوية تتسبب فى أرق حاد، نبوات هلع، قلق مستمر، وبمجرد انتهاء مفعول المادة الكيميائية، ينهار تركيز الطالب تماما ويدخل فى نوبة خمول واكتئاب وتشتت ذهنى أسوأ بكثير مما كان عليه قبل تناول الدواء. هذا بالإضافة لوقوعه فى فخ الاعتمادية، حيث يعتاد الدماغ على المحفز الخارجى، فلا يستطيع الطالب الاستيقاظ أو المذاكرة بدونه مستقبلا.
ثغرات الحصول على الأدوية
وتوضح الطبيبة الصيدلانية طرق صرف هذه الأدوية للطلاب بدون روشتة، فمن الناحية القانونية المنشطات العصبية القوية مثل أدوية فرط الحركة، تقع تحت بند أدوية الجدول «المواد النفسية والمخدرة»، وتخضع لرقابة صارمة جدا ولا تُصرف إلا بروشتة طبية تخصصية معتمدة تُسحب وتُسجل فى دفاتر الصيدلية. ولكن، يحدث التسرب عبر طرق غير قانونية، كالسوق الموازية من قيام بعض المرضى المشخصين فعليا بالمرض، بإعطاء أو بيع حبوبهم المصروفة لهم قانونيا لغيرهم، هذا بالإضافة للسوق السوداء الإلكترونية التى تروج لهذه الأدوية وبيعها مهربة عبر صفحات مجهولة على وسائل التواصل الاجتماعى والتطبيقات المشفرة بعيدا عن الرقابة، كما أنه للأسف يقوم البعض باستغلال البدائل الآمنة بتناول جرعات عشوائية مضاعفة لمستحضرات عادية غير مدرجة على جداول الحظر، كأدوية البرد، أو مشتقات الكافيين.
أما البدائل الطبية الآمنة والمصرح بها للطلاب، فالصيدلية تقدم بدائل ومكملات آمنة وقانونية، ومصرح بصرفها لتعزيز الدورة الدموية الدماغية دون التلاعب بكيمياء الدماغ أو الإضرار بالقلب. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن تناول هذه المكملات يكون لفترة مؤقتة فقط «فترة الامتحانات والضغط الذهني»، وضمن الجرعات المحددة تحت إشراف طبى أو صيدلى مباشر، وأبرزها مشتقات فيتامين ب 1 المعدلة والتى تحتوى على مادة «السلبوتيامين» التى تعبر الحاجز الدموى الدماغى لتمد الخلايا بالطاقة وتقاوم الوهن والكسل الناتج عن المذاكرة، دون أى تأثير على ضربات القلب.
بالإضافة لمكملات «الجنكو بيلوبا» وهى مستحضرات طبيعية آمنة تزيد من تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ، مما يسهل على الطالب استرجاع وحفظ المعلومات، وأيضا الأوميجا 3 التى تحسن التواصل بين الخلايا العصبية وتكافح التشتت والنسيان، لأن الدهون الفوسفاتية هى المكون الأساسى لأغشية الدماغ.
لكن تنبه د. ماريان على أن هذه المكملات الآمنة ليست سحرية فورية، بل تحتاج من أسبوع إلى أسبوعين من الالتزام لتظهر نتائجها بوضوح، ولا يجوز الإفراط فى استخدامها أو الاستمرار عليها دون حاجة، بل تؤخذ لفترة مؤقتة وبتوجيه من الصيدلى أو الطبيب المختص لضمان عدم تعارضها مع أى حالة صحية للطالب، مع ضرورة تجنب الكافيين المفرط معها منعا للتوتر.
تشديد الرقابة
ولمواجهة هذه الظاهرة وإحكام السيطرة عليها، تؤكد على ضرورة تفعيل استراتيجية رقابية وتوعوية متكاملة من خلال المنظومة الإلكترونية الموحدة أو ما يعرف بـ«الروشتة الرقمية»، حيث يتم ربط صرف الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية والعصبية إلكترونيا بالرقم القومى للمريض، لمنع تكرار صرف الروشتة فى أكثر من صيدلية.
وكذلك نظام التتبع الدوائى «الباركود الدولي»، من خلال تتبع مسار كل علبة دواء منشط من المصنع إلى يد المستهلك النهائى لرصد وتجريم أى تسريب، مع تغليظ العقوبات وملاحقة التجارة الإلكترونية وتشديد العقوبات الجنائية على الصفحات والمخازن التى تروج لهذه العقاقير خارج الإطار القانونى. الأمهات من لجوء أبنائهن، خاصة فى مرحلة الثانوية العامة، إلى هذه الممارسات آملين فى زيادة التركيز والقدرة على السهر خلال فترة الامتحانات، معتقدين أنها تمنحهم أداء أفضل للاستيعاب.
فى ظل هذه الممارسات الخاطئة تناقش «الأخبار» هذا الملف مع عدد من الأطباء وخبراء التغذية والصحة النفسية، للوقوف على أشهر «وصفات الفوَقان» المتداولة بين الطلاب، وكشف فوائدها المزعومة ومخاطرها الحقيقية.

إرهابى عابر للحدود| التحقيقات والاعترافات تضع الإخوانى يحيى موسى على رأس قوائم الإرهاب الدولى
«الاحتيال الرقمى»| كيف تتحول النقرة الواحدة إلى مفتاح للسيطرة الكاملة؟
ارتفاع التكاليف.. «كابوس» الفشل وتغيّر القوانين أهم الأسبـاب.. والشــباب يفكــر مرتين





