يوميات الأخبار

٣٠ يونيو .. حكاية وطن

جمال حسين
جمال حسين


وتكهرب الجو عندما وجهنا سؤالا للإرهابى طارق الزمر قاتل السادات: كيف أنجبت أطفالك وأنت خلف القضبان منذ حادث المنصة؟!

ثلاثة عشر عامًا مرت على ثورة 30 يونيو، لكن خزائن أسرارها ما زالت تحتفظ بالكثير والكثير من الأسرار والوثائق والشهادات التى تكشف حجم المؤامرة التى حيكت بليل لإسقاط الدولة المصرية.

صفحات كثيرة من دفتر أحوال الثورة ما زالت مطوية تنتظر من يزيح عنها غبار الزمن.. وما بين ما أُعلن وما سيعلن تتكشف حقائق دامغة بأن مصر كانت على شفا حفرة من النار بعدما تكالب عليها الخونة والمأجورون الذين تحالفوا مع قوى وجماعات ومنظمات مشبوهة لإسقاطها وتمزيق مؤسساتها واختطاف مستقبل أبنائها..

لكن إرادة الملايين الذين خرجوا للشوارع والميادين يهتفون «يسقط يسقط حكم المرشد» وجسارة الرئيس السيسى وأبطال قواتنا المسلحة والشرطة أحبطوا المؤامرة وصدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ولا يزالون يرابطون لحماية التراب المقدس. 

إنها حكاية وطن واجه الصعاب وانتصر على أخطر التحديات، وقصة ثورة لم تبح بكل أسرارها بعد، دعونا نغوص فى بحورها لنكشف لكم بعض الدر الكامن فى أعماقها وصدفاته.

نحتفل هذه الأيام بذكرى ثورة عظيمة أسدلت الستار على حكم جماعة إرهابية اختطفت الوطن عاما كاملا شهدنا خلاله كل أشكال الفشل والتخبط وأوشكت فيه الدولة على الانهيار..

بالتأكيد كانت هناك أسباب جوهرية أشعلت غضب المصريين ضد حكم الإخوان ومهدت لقيام الثورة فى مقدمتها مخطط الأخونة وإصدار محمد مرسى الإعلان الدستورى وحصار المحكمة الدستورية ومدينة الإنتاج الإعلامى والفشل الإدارى والتعدى على المتظاهرين وعزل النائب العام والخطاب التحريضى والعنف من الجماعة وقتل ١٦ مجندا فى رفح أثناء تناولهم طعام الإفطار واختطاف ٧ آخرين مع تصريحات مستفزة من محمد مرسى بضرورة الحفاظ على حياة الخاطفين والمخطوفين!!

كنت فى قلب الأحداث مشاركا ومتابعا وموثقا بحكم عملى محررا أمنيا لجريدة الأخبار ومندوبا للجريدة بوزارة الداخلية.. عرفت الكثير من الأسرار ورأيت الأخطار تتهدد وطنى والمؤامرات تحاك ضد بلدى لتنفيذ صفقة القرن التى أشرف عليها ثلاثى الشر كونداليزا رايس وهيلارى كلينتون وأوباما.

الإخوان والقاعدة إيد واحدة

قبل 30 يونيو عاشت مصر أخطر 72 ساعةً، حيث تلقَّى محمد مرسى توجيهًا من المرشد محمد بديع بضرورة إصدار قرارٍ بتعيين خيرت الشاطر نائبًا لرئيس الجمهوريَّة، من أجل السيطرةِ على الأوضاع بقبضته القويَّة.. وقد رصد أحد الأجهزة الأمنيَّة أن مرسى اجتمع بقيادات السلفيَّة الجهاديَّة بسيناء، وسرَّب لهم الخُطط الأمنيَّة، وتوافدت العناصر الإرهابيَّة من جميع التنظيمات الإرهابيَّة على سيناء وتزايدت أعداد التكفيريين لتصل إلى 12 ألف تكفيرى.. التقرير أكَّد أيضًا أن السفيرة الأمريكية بالقاهرة آن باترسون قالت، خلال اجتماعٍ مع القوى السياسيَّة المصريَّة: لا نُرحِّب بنزول الجيشِ، ويجب استمرار الرئيس المُنتخب، وردَّ عليها اللواء محمد العصار، رحمه الله، قائلًا: عليكِ الالتزام بدوركِ الدبلوماسى دون التدخُّل فى شئوننا لأن إرادة المصريين هى التى تحكُمنا.

صدمة قاسية تلقَّاها الشعبُ المصرىُّ عندما عَلِم أن الشخصَ الذى يحكمه يخطب ود الأمريكان ويطلب العون من تنظيم القاعدة ويحيكُ المؤامرات من خلال اتصالاتٍ مع جهاتٍ أجنبيَّةٍ.. رصدت الأجهزةُ الأمنيَّةُ عدَّةَ مكالماتٍ بين مرسى وأيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة وكان الوسيط فى إجراء تلك المكالمات محمد الظواهرى شقيق أيمن المحكوم عليه بالإعدام فى قضية «العائدون من ألبانيا» والذى سارع مرسى بالإفراجِ عنه تقربا لشقيقه بإيعازٍ من ابن خالته محمد رفاعة الطهطاوى رئيس ديوان رئيس الجمهورية مقابل مساعدة تنظيم القاعدة للإخوان ومرسى فى توطيد دعائم حكمهم ومحاربة الجيشِ المصرىِّ والشرطة وكان محمد الظواهرى ضيفًا دائمًا على مكتب الإرشادِ بالمقطمِ، وعلى قصر الاتحاديَّةِ حتى يكون حلقة الوصلِ بين مرسى وشقيقه.

تخلَّص من مُعارضيك

أول اتصالٍ جَرى بين مرسى وأيمن الظواهرى كان بعد شهرٍ فقط من رئاسة مرسى، واستمرَّ نحو 5 دقائق، وجاء نصُّه كالآتى:

مرسى: وصلكم أننا نطلب دعمكم لنا وللإخوان.

الظواهرى: احكم أولًا بشرع اللهِ؛ لنقف إلى جوارك.. تأسيس دولةٍ إسلاميَّةٍ وتمكين الإسلاميين من الحكمِ على طريقة الثورةِ الإسلاميَّةِ فى إيران.. وتخلص من العلمانيين الكفرة، ومن مُعارضيك.

مرسى: الخلافةُ الإسلاميَّةُ مُقبلةٌ يا أمير المؤمنين.

الاتصال الثانى تمَّ يوم 5 سبتمبر 2012، واستمرَّ نحو 4 دقائق؛ وجاء فيه:

مرسى: السلامُ عليكم.. هل هناك جديدٌ؟

الظواهرى: قيادات التنظيم الدولى للإخوان وعدتنا بالدعمِ وتبرعاتٍ؛ لمساعدتنا فى الجهادِ، ولكن لم يصلنا شىءٌ.

مرسى: الوعدُ سيُنفَّذ، لكن نحن عاتبون عليكم بسبب الانتقاداتِ الصادرةِ منكم ضدنا فى الأيام الأخيرةِ.

الظواهرى: نحن بمشيئةِ اللهِ ندعم ونُؤيِّد كل حريصٍ على الحكمِ بشرع الله، وإقامة دولة إسلاميَّة رسميَّة.

مرسى: سنُطبِّق الشريعةَ وفقًا للمشروعِ الإسلامىِّ، ولكن نحن بحاجةٍ لمساندتكم؛ لاستقرار الحكمِ ودعمه، حتى نُحقِّق هدفنا.

الظواهرى: عناصرنا كان لها الفضلُ فى إخراجكم من سجون الطُغيانِ، ومساندتنا واجبة ومطالبنا صغيرة وهى الإفراج عن رجال القاعدةِ والمجاهدين فى سجون العقرب وغيرها من السجونِ، ودعمنا بالمالِ والسلاحِ فى ليبيا واليمن وسيناء، وأن يكون هناك جزءٌ من المالِ، مُخصَّصٌ لأسر المجاهدين وتدريباتهم فى سيناءِ.

الاتصال الأخير بين مرسى وأيمن الظواهرى تم صباح 30 يونيو 2013 من داخل قصر الاتحادية، بحضور كل من محمد رفاعة الطهطاوى وأسعد الشيخة، عندما خرجت الملايين من الشعب المصرى تطالب بسقوط مرسى والإخوان، وكان هذا الاتصال بمثابة استغاثة من مرسى بالظواهري، وجاءت كالآتى :

مرسي: السلام عليكم ورحمة الله.. الوضع هنا خطير.

 الظواهري: طلباتكم

 مرسى: نواجه مظاهرات كبيرة من المعارضين لنا وللمشروع الإسلامى والوضع متأزم والجيش أعلن موقفه معهم ونحتاج دعمكم بسرعة.. حرَّكوا الناس ضدنا، مؤامرة مكشوفة، نحتاج الدعم للضغط على الجيش فى سيناء، ودعم الإخوة الجهاديين.. نواجه موقفا صعبا يحتاج إلى سرعة الدعم.
 الظواهرى: لن نتأخر وسوف ننسق مع الإخوة حول المطلوب وبسرعة.. البرادعى سمح لأمريكا بدخول العراق، وسمح بدخول الأمريكان وغيرهم بلاد المسلمين.. سأعتبر نظامك كافرًا إذا فاوضت البرادعى أو تركته دون عقاب.

قاتل السادات

هل تذكرون الإرهابى طارق الزمر الذى قضى فى السجن ٣٠ عاما فى قضية اغتيال السادات مع ابن عمه عبود الزمر قبل أن يتم الإفراج عنه؟
هل تذكرون كيف واصل مسيرته الإرهابية بعد أن تحالف مع الإخوان وحرض على العنف ضد الجيش والشرطة من فوق منصة رابعة وقال بأعلى صوته: «أيها الإخوة لقد توعدونا بـ٣٠ يونيو وأقول لهم إننا سوف نسحقهم فى هذا اليوم»؟

هل تتذكرون كيف هرب كالفأر المذعور إلى تركيا بعد فض الاعتصام ليناضل من الأناضول عبر الأبواق الإعلامية الإخوانية بعد صدور حكم بإعدامه؟

إنه الإرهابى الذى يجمع بين الشيء ونقيضه.. أتذكر تلك المواجهة الساخنة معه عندما كان سجينا وجيء به إلى جامعة القاهرة لمناقشة رسالة الدكتوراة التى أعدها من داخل السجن..

أذكر أنه خلال هذه الفترة أقامت منظمات حقوق الإنسان الدنيا بزعم تعذيب سجناء الجماعات المتطرفة داخل السجون ورأى وزير الداخلية وقتها أن يكون رد الوزارة على منظمات حقوق الإنسان عمليا بدعوة ممثلى هذه المنظمات ووسائل الإعلام المحلية والعالمية لحضور مناقشة رسالة الدكتوراة المقدمة من قاتل السادات الإرهابى طارق الزمر المحكوم عليه بالمؤبد وموضوعها «حقوق الإنسان والحريات بمصر وأسباب لجوء الشباب للعنف» للتأكيد على أن أخطر الإرهابيين فى مصر يحصلون على كافة حقوقهم لدرجة حصول أحدهم على الدكتوراة أعلى الدرجات العلمية وهو داخل السجن..

أذكر أنه عقب قيام لجنة الإشراف بمنح طارق الزمر الدكتوراة انطلقت زوجته وأطفاله نحو المنصة لتهنئته وسط دهشة الجميع.. تساءل الصحفيون وقتها كيف يكون هؤلاء الأطفال أبناء هذا السجين الذى يقضى عقوبة المؤبد؟!

كيف أنجبهم ومتى والمفروض أنه خلف القضبان منذ اغتيال السادات عام ١٩٨١؟! وتكهرب الجو عندما سأله أحد الصحفيين يا شيخ طارق كيف أنجبت هؤلاء الأطفال وأنت مسجون وأسرتك وتنظيم الجهاد الذى تنتمى إليه يصرخون بأن الداخلية تقوم بتعذيبكم داخل السجون؟

هنا ثار طارق الزمر وانفعل بشدة وحدثت مشادة تدخل على إثرها أحد المحامين وتبين أن هؤلاء الأطفال ثمار «الخلوة الشرعية» التى كانت تمنح للإرهابيين داخل السجون فى إطار المراجعات التى قام بها قادة الجماعات الإسلامية وقتها مع الدولة للتهدئة ونبذ العنف عقب موجة الإرهاب التى تزايدت بقوة فى تسعينيات القرن الماضي.