يوميات الاخبار

الشيخوخة.. نعمة أم نقمة؟

شريف رياض
شريف رياض


إصدار اللائحة التنفيذية لقانون المسنين لبدء تفعيله أصبح أمرًا ملحًا لا يقبل التأجيل حتى لا يظل المسنون فى مصر أقل حظًا من نظرائهم فى الخارج .
 

حوالى الثامنة والنصف من مساء الأحد ١٥ يوليو ١٩٥١ فتح د. على إبراهيم أستاذ أمراض النساء والولادة غرفة العمليات بمستشفاه بالدقى ليقول للمتجمعين أمام باب الغرفة «مبروك.. ولد».
وفى لحظات كان المجتمعون خارج غرفة العمليات حول سرير السيدة التى وضعت هذا الطفل ليقولوا لها «حمداً لله على السلامة» ويتفقوا على تسميته «شريف» كاتب هذه اليوميات بعد ٧٥ عامًا و١٢ يومًا.
سنوات طويلة بدأت بطفولة بريئة ثم شباب متوهج مفعم بالأمل فى مستقبل مشرق ليس بالنسبة لى فقط ولكن لمهنة الصحافة التى عشقتها واخترتها مجالًا لدراستى.
لا أعرف ماذا أسمى هذه المناسبة؟ ٧٥ عامًا على ميلادى.. هل أقول اليوبيل الماسى -كما جرت العادة- أم أقول بدء مرحلة الشيخوخة.. هذه المرحلة التى كانت دائمًا تشغلنى وأفكر فيها كثيرًا جدًا وبصراحة أخاف من تبعاتها وآثارها خاصة أننى عشت سنوات طويلة لا أتوقع أن أصل إليها فقد توفى جدى لأبى فى عمر الـ٣٥ قبل ولادة أبى وتوفى عمى فى سن الـ٦٢ ووالدى فى سن الـ٦٥ فترسخ فى ذهنى أن الرجال فى أسرتى «مش بيطولوا».. ومع بدء تراجع حالتى الصحية فى السنوات الخمس الأخيرة خاصة بعد الإصابة بالكورونا وتبعاتها زاد هذا الإحساس عندى.. لكن الأعمار بيد الله.. وما زال فى العمر بقية.
مقارنة غريبة
ولهذا فإن اهتمامى بقضايا ومشاكل المسنين بدأ يتزايد ورحت أبحث هنا وهناك لماذا يعيش المسنون فى الخارج حياة سعيدة ونجدهم فى كل مكان.. فى المنتزهات والمولات.. يخرجون فى رحلات ونراهم دائمًا فى المطاعم يستمتعون بأشهى الوجبات ويقضون أوقاتًا سعيدة.
فى المقابل.. المسنون فى مصر يعيشون حياة صعبة يعانون الأمراض وأخطرها بالطبع «الزهايمر» ويشتكون الوحدة بعد زواج أولادهم أو سفرهم للخارج ونقص الرعاية الصحية والأموال التى توفر حياة كريمة.
ولهذا كنت دائمًا أتساءل «هل الشيخوخة نعمة أم نقمة؟.. فإذا كانت نعمة فى الخارج ونقمة فى مصر فماذا نفعل لنخفف من آلام المسنين ونحول شيخوختهم إلى نعمة»؟
فى البداية اصطدمت بأن هناك قانونًا لرعاية المسنين أعدته الحكومة ووافق عليه مجلس النواب وصدر بالفعل فى إبريل ٢٠٢٤ يتضمن العديد من الحقوق الصحية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لما يقرب من ١٠ ملايين مسن لكنه للأسف مازال حبرًا على ورق.. فرغم أن القانون ينص على إصدار لائحته التنفيذية خلال ٦ أشهر على الأكثر من نشره فى الجريدة الرسمية مضى حتى الآن عامان ولم تصدر اللائحة.
ومن أبرز حقوق المسنين التى يكفلها القانون الحق فى مساعدة مالية شهرية لمن لا يحصل على معاش وحق توصيل المعاش إلى المنازل والرعاية الصحية المنزلية والأدوية المجانية والحماية من الإهمال والإساءة وتخصيص نافذة خاصة للمسنين فى الجهات الحكومية وعدم التمييز بسبب السن وتيسيرات فى النقل والمواصلات والإسكان والخدمات.
مزايا مطبقة
ربما وزارة النقل هى التى بادرت بمنح كبار السن فوق ٦٠ سنة خصمًا بنسبة ٥٠٪ فى مترو الأنفاق والمونوريل وتستخرج كارنيهات لركوب المترو مجانًا لمن تجاوزوا ٧٠ عامًا.. كما تمنح هيئة السكك الحديدية كبار السن ممن تجاوزوا ٦٠ عامًا خصمًا بنسبة ٥٠٪ على تذاكر السفر بالقطارات المكيفة والعادية بموجب بطاقة المعاش أو بطاقة الرقم القومى كما توفر إعفاء كاملًا (ركوب مجانى) لمن هم فوق ٧٠ سنة.. وتشمل الخدمات الإضافية المخصصة لهم داخل المحطات تخصيص شبابيك حجز مستقلة بالمحطات الرئيسية لتجنب الزحام وتوفير عربات جولف وكراسى متحركة مجانًا لمساعدتهم فى الوصول للأرصفة.
وزارة الثقافة منحت أيضًا تخفيضات تصل إلى ٥٠٪ على أسعار تذاكر المسارح والمتاحف الفنية والقومية وإصداراتها من الكتب.
ولا ننسى البنوك التى أعطت لكبار السن أولوية فى إنهاء معاملاتهم البنكية فى يسر.
هذا فقط كل ما تحقق حتى الآن لكبار السن لكن قانون المسنين يتضمن الكثير من أوجه الرعاية لكبار السن لهذا فإن إصدار اللائحة التنفيذية للقانون لبدء تفعيله أصبح أمرًا ملحًا لا يقبل التأجيل حتى لا يظل المسنون فى مصر أقل حظًا من نظائرهم فى الخارج «فى أوروبا وأمريكا ودول آسيوية كثيرة».
خطة عاجلة.. وآجلة
زميلى حسنى ميلاد مدير تحرير الأخبار اختارته د. غادة والى عندما كانت وزيرة للتضامن الاجتماعى عضوًا باللجنة العليا لرعاية كبار السن فتقدم بورقة عمل متميزة تضمنت عدة مقترحات لتوفير الرعاية الصحية للمسنين خاصة للفقراء وتوفير الدعم النفسى والمادى لهم بما يضمن تحويل دور المسنين إلى دور للسعادة تقدم خدمات فندقية بدلًا من مفهوم الملاجئ المتبع الآن! وحددت الورقة خطة عاجلة لتوفير الرعاية لكبار السن بإخضاع كل من تخطى السبعين لمظلة التأمين الصحى الشامل وإنشاء حساب خاص لدعم المسنين ضمن «تحيا مصر» يمول من خصم جنيه واحد من كل موظف بالحكومة أو القطاعين العام والخاص ويمكن لرجال الأعمال المساهمة فى تمويله أيضًا.
وبالنسبة للخطة الآجلة اقترح انشاء مجلس قوى لرعاية المسنين والتوسع فى توصيل المعاشات للمستحقين وصرف الأجهزة التعويضية لغير القادرين ودمج المسنين ضمن مشروعات الأسر المنتجة والصناعات الصغيرة وإقامة معارض لتسويق منتجاتهم.
أزمة نفسية
القضية متشعبة وتعدد الآراء فيها وارد.. يقول اللواء صالح محمد صالح خبير إدارة الأزمات إن فى مصر أزمة نفسية تعتبر أن كل من أحيل للمعاش دخل مرحلة الشيخوخة وعليه أن يستعد للرحيل وهذا معناه الاستسلام وعدم القدرة على العطاء والابتكار وهذا خطأ كبير.. وظاهرة مدمرة اكتسبناها على مدى تاريخ طويل أحد مبرراتها أن الرعاية الصحية كانت دائمًا دون المستوى وثقافة الرياضة معدومة والمعتقدات السائدة كانت تدعو للتواكل والاستسلام وهذه الثقافة يجب أن تتغير.. الشيخوخة كلمة مدمرة لا ترتبط بالسن بل بالثقافة المختلفة.. ويجب أن يقتنع الإنسان أنه مهما بلغ به العمر فهو قادر على العطاء.
د. هالة رمضان أستاذ علم النفس ومدير المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أكدت أن الشيخوخة ما هى إلا مرحلة عمرية لها خصائصها وتحدياتها وعلى الانسان أن يستعد نفسيًا وصحيًا للتعايش معها ويحرص على ممارسة المشى للحفاظ على لياقته مع تناول الأغذية الصحية والبعد عن السكريات والضغوط العصبية وأن يكون مستعدًا للعيش بعيدًا عن أولاده أو شريك حياته ويتعلم كيف يشغل وقت فراغه مع أصدقاء من نفس السن.
د. جمال فرويز استشارى الطب النفسى بالأكاديمية الطبية العسكرية يرى إن نوادى المسنين كانت منتشرة فى المحافظات وكانت تهتم بالرحلات وليتها تعود لنشاطها وعلينا أن نواجه العيوب بشجاعة.. يمكننا استبدال المستشارين بالمسنين الذين تسمح ظروفهم الصحية بالعطاء.. كل وزارة تخصص غرفة يجتمعون فيها ويكونون دائمًا جاهزين لتقديم النصح والمشورة بدلًا من المستشارين الذين يتقاضون مكافآت ضخمة.
د. سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بكلية تربية عين شمس ترى أن الاحساس بالشيخوخة يرتبط بظروف الإنسان وطريقة تفكيره ومكانته فى الأسرة.. ليس كل المسنين سعداء وليس كلهم تعساء.. فى أسر كثيرة يشعر الأجداد بمنتهى السعادة مع الأولاد والأحفاد لكن فى الأسر التى يسافر فيها الأبناء للعمل بالخارج ومعهم الأحفاد يشعر الأجداد بالوحدة.