د.محمد سليم شوشة
واحدة من أخطر الآفات التى أصابت العقل العربى والثقافة العربية فى العقود الأخيرة هى الغرق فى المسلمات والتشبع باليقين
أشرنا فيما سبق من مقالات إلى الدور الحاسم للغة فى قياس حجم العقلانية والمنطق فى المجتمع وتحديد حالتنا منهما، وأشرنا إلى أهمية هذا التشخيص لحال العقلانية والمنطق ومراجعته من حين لآخر لإدراك كثير من الآفات الفكرية والأيديولوجية المستترة وتمارس فعلها وتتجلى آثارها على حياتنا برغم هذا التخفي، وأشرنا أيضا إلى عدد من الأنماط من المغالطات المنطقية السائدة فى المجتمع التى تكشفها اللغة، والحقيقة أن هذا مجال واعد وقابل لمزيد من الاستكشاف ويحتاج إلى جهود إضافية كثيرة تربط بين علم النفس الإدراكى ودراسة اللغة ودراسة المنطق والفكر المنهجى، وأن هذا المجال ليس مقصوراً فى أهميته على فئة أو طبقة، بل يهم المجتمع كله ويشمل التخصصات العلمية المختلفة، فالطبيب يجب أن يكون منطقياً وهو ملزم بأن يقدم شرحاً وافياً وعقلانية للممارسات العلاجية أو تفضيلاته لبعض الإجراءات الطبية، كأن يفضل التدخل الجراحى مثلا على أى نمط علاجى آخر، أو يميل إلى دواء دون آخر، أو يطرح نظاماً غذائياً دون غيره، وهكذا المهندس وعالم الآثار والمعلم كلٌ يجب أن يقدم الدليل العلمى على تفضيلاته فى ممارسة مهنته وألا تكون هذه التفضيلات خارج الأطر العلمية، فنحن جميعا ملزمون بتقديم الأدلة وأن تكون أدلتنا كلها ضمن الأطر العلمية العامة أو مما هو ثابت أو قابل للإثبات.
واحدة من أخطر الآفات التى أصابت العقل العربى والثقافة العربية فى العقود الأخيرة هى الغرق فى المسلمات والتشبع باليقين، والغريب أن بعض المسلمات ليست عامة أو حتى مسلمات جماعية بل هى نزعة فردية حوّلها صاحبها إلى مسلّمة أو شىء يقينى، مثال ذلك أن تقتنع فئة قليلة بأن نجيب محفوظ منح جائزة نوبل فقط على روايته «أولاد حارتنا»، أو أن طه حسين أقل وعياً بالتراث من محمود شاكر أو أن طه حسين كانت لديه اعتراضات على الشعر الجاهلى وشكك فيه تشكيكا يقوم على النفى التام والإنكار أو الجحود، هناك كثير من هذه القناعات المغلوطة التى تحولت إلى مسلمات لدى فئات تفتقد للعقلانية والمنطق ولا تتبع أى نهج فى تفكيرها غير التفكير العاطفى والتأثر بالقرين أو نمط التبنى الأيديولوجى، أى أن تتبنى أفكار مجموعة لمجرد أنك تنتمى للأيديولوجيا نفسها لهذه المجموعة، فقد نجد مثلاً أستاذاً فى الطب مقبولاً لدى فئة من الطلاب لمجرد أنه ينتمى للأيديولوجيا ذاتها لهؤلاء الطلاب، أو العكس من النفور وعدم القبول، وهذه الأنماط من التفكير العاطفى فى الواقع تورث الإنسان حالات من الغباء الناعم وتجعله بعيدا تماما عن الصفات العلمية من الموضوعية والطابع المنهجى والتركيز على الدليل وتشكيل علاقة جيدة مع اللغة لتكون عاكسة لدقة الفكر، فالعالم الدقيق أو المنهجى هو بالضرورة ذو علاقة صحية مع اللغة حتى ولو كانت اكتساباً عفوياً يبتعد عن المعرفة بالقواعد.
فى السياق الراهن من المهم أن نكون صادقين مع أنفسنا ونشير إلى مستوى التراجع فى العقلانية والمنطق لدى النخبة الحالية، وليس أدق فى التدليل على ذلك من أن تتم مهاجمة طه حسين فى أعرق الصحف القومية وفى مقالة لأستاذة جامعية محسوبة على فلسفة العلم والواقع أنها تنتمى صراحة لجماعة الإخوان، تتهم فيها طه حسين بأنه لا صلة له بالشك الديكارتى المنهجى، ذلك لأنه كان لا يهدف من شكه إلى الوصول إلى الحقيقة، بل يهدف إلى الهدم والتشكيك الدائم. الغريب أنها لا صلة لها على الإطلاق بتخصص طه حسين ولا يمكن أن تستوعب ما قاله حول الشعر الجاهلى، وتفترض لنفسها القدرة على الحديث فى أى شيء طالما أنها رفعت لافتة الحديث فى فلسفة العلم، ويتصادف هذا فى الوقت نفسه الذى يهاجم فيه الطبيب الخارج عن الأعراف العلمية طه حسين أيضا دون أدنى صلة بتخصصه، ويردد ما تدعيه الجماعات الرجعية وبخاصة «الإخوان» حول طه حسين، فهل هناك دليل أقوى من هذا على تراجع مساحة العقلانية والمنطق فى المجتمع وانحدارنا ثقافياً وفكرياً إلى هذا المستوى؟ والغريب أن مَن يسمون بالنخبة يعيشون حالة من الصمت المريب.
وفى رأينا أن هذه الجماعات إنما دأبت طول هذه العقود على مهاجمة طه حسين ذلك لأنه كان ومازال يمثل الخطر الأكبر عليهم لأنه قوّض الخرافة ورسّخ النزعة العملية وكان تمثيلاً حقيقياً للشك المنهجى الديكارتى الذى يبدأ بالتشكيك التماساً للدلائل المادية، وهذه النزعة العملية التى مثّلها طه حسين وعمل على ترسيخها كانت حصناً للمجتمع وأفراده من الانتماء لهذه الجماعات التى لا يمكن أن يؤمن بهم إلا كل ذى اختلال فى منطقه وتفكيره. وللحديث بقية.

شعرة معاوية
ليلة سقوط الأباتشى
مهازل كروية بالدولار






