نحن والعالم

شعرة معاوية

ريهاب عبدالوهاب
ريهاب عبدالوهاب


بعد أقل من شهرين على وقف إطلاق النار، شهد الأسبوع الماضى تصعيداً خطيراً بين أمريكا وإيران بدأ بغارات إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية قابلتها إيران باستهداف شمال إسرائيل، ثم إسقاط إيران لمروحية أمريكية ردت عليه واشنطن بضرب مواقع ومنشآت رادار واتصالات إيرانية، لتتوالى بعدها الردود العسكرية المتبادلة حتى إعلان الطرفين وقف الضربات صباح الجمعة.

والحقيقة أن هذا التصعيد هو أحد «الأعراض الجانبية» الطبيعية لطول أمد حالة الجمود القائمة فى ظل تعثر الجهود الدبلوماسية وعجز الطرفين عن تحقيق حسم عسكرى. وهى الحالة التى تمنح الأطراف المتحاربة «منطقة رمادية» مريحة، لكن مفخخة. فمن ناحية يجنبهم الجمود كلفة الحرب المباشرة ويتيح لكل طرف الادعاء بأنه الأقوى وحرمان خصمه من إعلان انتصاره.

لكن فى نفس الوقت حالة «اللاسلم - لاحرب» هى بيئة مثالية لسوء التقدير والأخطاء غير المحسوبة، حيث يمكن لحادث عابر أو خطأ فى الحسابات أن يتحول لمواجهة تتفاقم سريعاً ككرة الثلج، كما حدث مؤخراً فى حادثة سقوط الأباتشى الأمريكية والتى كادت أن تقطع «شعرة معاوية» التى تفصل بين تحول الجمود إلى انفراج أو انفجار.

لذلك ينظر بعض المحللين لمثل هذه التصعيدات بمنظور إيجابى، ويعتبرونها العاصفة التى تسبق الهدوء، لأنها تكسر الجمود وتحفز الأطراف على حلحلة المسار التفاوضى تجنباً لخروج الأمور عن السيطرة والانزلاق للحرب مرة أخرى. ولكن التعويل على ذلك يعّد لعبا بالنار داخل محطة وقود.

ومن هنا يجب على الأطراف استخلاص العبرة مما حدث  واستغلال النجاح السريع للجهود الدبلوماسية فى فرملة هذا التصعيد للتعجيل بإنجاز اتفاق ينهى الحرب، وتجنب الوقوع فى فخ الجمود مرة أخرى، لأن دروس التاريخ تعلمنا أن النزاعات التى تبقى معلقة لفترات طويلة غالباً ما تنفجر فى لحظة غير متوقعة وبصورة أكثر عنفاً.

وهو ما يعنى أن المماطلة وحالة اللاسلم-لاحرب ليست سوى تأجيل لانفجار حتمى جديد يقطع «شعرة معاوية» ويأخذ المنطقة لمرحلة جديدة من الصراع لا يمكن التنبؤ بنتائجها أو حدودها.