قلب مفتوح

مهازل كروية بالدولار

هشام عطية
هشام عطية


من الحقائق المؤلمة التى يصعب تجاهلها أن كثيرا من الأزمات الاقتصادية التى نعانى منها ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدولار، تلك العملة الخضراء التى تجبرت حتى أصبحت تفاصيل الحياة اليومية للمصريين رهينة لتحركاتها صعودا وهبوطا.

وفى بلد ترتبط فيه تكلفة الغذاء والدواء والإنتاج بسعر صرف الدولار، يصبح من العبث أن نهدر عشرات، بل أحيانا مئات الملايين من الدولارات سنويا فى غرامات وتعويضات.
ما يحدث فى كرة القدم المصرية مهزلة لا يمكن السكوت عليها.

إنه نزيف حقيقى للعملة الصعبة فى صورة غرامات ورواتب فلكية لمدربين ولاعبين أجانب، بعضهم لم تلمس قدماه النجيل الأخضر بقدر ما لمست يداه وحملت جيوبه العملة الخضراء التى حصل عليها دون أن يبذل حبة عرق واحدة.

لا أملك إحصائيات دقيقة للملايين التى أهدرت نظرا لسرية العقود، ولكن يكفى أن نعلم أن مدربا رحل مؤخرا من أحد أعرق أنديتنا وأكثرها جماهيرية، بعد موسم مظلم ورصيد صفر من البطولات، ولكن رصيده فى البنك تجاوز مليونا ونصف المليون دولار كغرامة لفك الارتباط فقط!

ناد آخر مكبل بغرامات تزيد على 6 ملايين دولار ومرشحة للارتفاع، بعض هذه الغرامات حصل عليها لاعبون أجانب لم يمروا حتى بجانب «سور النادي» أليس هذا ممرا شرعيا لتهريب العملة الصعبة خارج البلاد دون رقيب؟ أليست هذه هى المهزلة فى أبهى صورها؟

إن هذه الأموال المهدرة ليست مجرد أرقام فى دفاتر حسابات الأندية، بل هى دم ينزف من اقتصادنا الوطني، أنهار من دولارات كان من الممكن أن توجه لاستيراد مواد خام للصناعة، أو سلع غذائية أساسية.

بينما يتدافع المصريون على أرغفة الخبز، تتسابق الأندية على التعاقد مع لاعبين ومدربين، وغالبا ما يكونون دون المستوى المطلوب، لتتحول الصفقة إلى فخ مالى محكم، ينتهى بدفع الغرامات الضخمة بالعملة الصعبة.

الحل يبدأ من تدخل الدولة العاجل بإصدار تشريع صارم وملزم، وليس مجرد توصيات. يجب إنشاء «هيئة عليا للتعاقدات الرياضية» تتبع جهة سيادية، تكون مهمتها الأساسية فحص ومراجعة كل عقد احتراف أجنبى قبل التوقيع عليه، للتأكد من جدواه الفنية والمالية. هذه الهيئة ستضع حدا أقصى للرواتب والغرامات بالدولار، وتمنع البنود الجزافية التى تجعل من فسخ العقد كارثة مالية.

أما الحل الجذري، فهو إلزام الأندية بأن تكون عقود الأجانب بالجنيه المصرى فقط، فمن يأكل من خير مصر ويتنفس هواءها، يجب أن يتقاضى أجرا بعملتها الوطنية، دون أن يرهق اقتصادها بعملة صعبة تذهب إلى جيوب من لا يستحقون. بهذه الإجراءات فقط، يمكن أن نوقف هذه المهزلة ونحمى لقمة عيش المصريين من نزيف لا يرحم.