حاتم نعام يكتب: ضجيج «التكاتك» يزاحم هيبة الصحافة

الكاتب الصحفي حاتم نعام
الكاتب الصحفي حاتم نعام


في قلب القاهرة، هنا شارع الصحافة الذي لا يشبه غيره، تمشي فيه فتشعر أن للكلمات وزنا، وللخبر قيمة، وللمهنة وقارا، ينعكس ذلك على الوجوه والمباني والحركة اليومية.

شارع الصحافة أكثر من مجرد طريق يمر به الناس؛ هو حالة كاملة من الانضباط والرهبة المحببة، وكأنك تدخل إلى مساحة تُصنع فيها ذاكرة الوطن كل صباح.

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: الكلاب الضالة وإدارة الأزمة


هنا مبنى أخبار اليوم  يقف شامخا كأنه حارس للمكان، تراه من بعيد فتشعر أن وراء هذه الجدران ماكينة لا تهدأ، تطبع الأخبار، وتلاحق الأحداث ، وتكتب تاريخ الأيام.. مؤسسة تصنع الرأي العام،  الصحفيون والموظفون والعمال يدخلون ويخرجون بخطوات سريعة، سيارات التوزيع تتحرك في انتظام، الشارع نفسه يبدو وكأنه يعرف قيمة من يعملون فيه. حتى المرور كان أكثر انضباطا، والضجيج أقل فوضى، وكأن الجميع يراعي قدسية غير معلنة للمكان.


لم يكن الشارع جميلا فقط بحجارته وأرصفته، بل بما يحمله من معنى. هناك فرق كبير بين شارع مزدحم وشارع له روح، وشارع الصحافة كان يملك روحا حقيقية؛ روح الثقافة والمهنة والالتزام. لذلك بقي في ذاكرة من عرفوه مرتبطا بزمن كانت فيه المدينة أكثر هدوءا، وأكثر احتراما لفكرة النظام العام.

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: الدبلوماسية والقوة.. معادلة التأثير في السياسة الدولية


الذاكرة تستحضر تلك الصورة الذهنية العالقة لأبناء جيلي والأجيال السابقة من أبناء أخبار اليوم في ذكرى اليوم العالمي للصحافة الذين يزالون  يشعرون بالفخر وهم في هذا المكان الذي يحمل وقارا ،  لكن هناك  شعورا الآن محمل بالأسى أمام ما وصل إليه الشارع اليوم، فالمشهد تغيّر كثيرا. الباعة الجائلون يملأون الأرصفة، والتكاتك تتسلل إلى أماكن لم تكن تعرفها من قبل، والزحام يبتلع ملامح المكان القديمة. لم تعد الهيبة نفسها حاضرة وسط ذلك الضجيج، ولا ذلك الإحساس الذي كان ينتاب المار حين يشعر أنه يعبر شارعا له مكانة خاصة. وكأن الفوضى اليومية تحاول أن تطمس ملامح شارع كان يوما عنوانا للرقي والانضباط.


المؤلم في الأمر أن الشوارع لا تفقد مبانيها فقط، بل تفقد ذاكرتها أيضا. وعندما تتغير الأماكن التي ارتبطت بوجدان الناس، يشعر الإنسان وكأنه فقد جزءا من عمره الشخصي. لذلك فإن الحنين إلى العصرالذهبي لانضباط شارع الصحافة من ناحية النظافة العامة وانضباط المرور  ليس حنينا إلى شارع فحسب، بل إلى زمن كامل كان فيه الشارع له شخصيته وهيبته.. كان أكثر أناقة، وأكثر احتراما لتفاصيله الجميلة.

في النهاية  يجدر القول أنني لم أكن أول من يضع يده على هذا الجرح الغائر والذي سبقني إليه زملاء أفاضل ناشدوا مرارا وتكرارا بعودة الهيبة والانضباط  والمرور لشارع الصحافة لكن لا حياة لمن تنادي، ورغم ما تبدل تبقى أخبار اليوم شامخة، وتبقى الصحافة المصرية قادرة على الدفاع عن تاريخها وذاكرتها مهما زاحم الضجيج صوت الكلمة.