إنها مصر

البلطجة فى ثوبها الجديد!

كرم جبر
كرم جبر


عندما ترقص فتاة فى العشرينات بسيف فى أحد الشوارع، وتهدد بضرب من يقترب منها، نحن أمام تطورات حديثة للبلطجة فى ثوبها الجديد، ومشاهد أخرى تجعل أى إنسان مسالم يشعر بالقلق، وينصح أولاده وأقاربه بتوخى الحذر.

هذه المشاهد تثير فى ذهنى أسئلة لا تتوقف: هل زادت البلطجة بالفعل فى الشارع المصرى، أم تُضخمها مواقع التواصل الاجتماعى؟، وهل تراجع الخوف من القانون والعقوبات الرادعة؟، ولماذا تقترن بعض الاعتداءات بقدر كبير من التنكيل بالضحايا وإذلالهم بدنيًا ومعنويًا؟.

وتعكس هذه التساؤلات حالة من القلق يعيشها البعض، فى ظل التدفق المستمر لمقاطع العنف على منصات التواصل الاجتماعى، ومن المؤكد أنها كشفت وقائع كانت تحدث فى الماضى، بعيدًا عن الأضواء، والآن أصبح كل هاتف محمول قادرًا على توثيقها ونقلها فى لحظتها، وأصبحت مظاهر العنف أكثر جرأة، وهناك من يرتكب جريمته أمام أعين المارة وكاميرات الهواتف، دون اكتراث بأنه سيقف ذليلًا بعد ساعات، فى الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية.
وفى السنوات الأخيرة ظهرت صور متطورة للبلطجة لم تكن بهذا الفُجر، مثل فرض الإتاوات تحت ستار «سايس السيارات»، أو استعراض القوة فى الشوارع باستخدام الأسلحة البيضاء والنارية، لإرهاب المواطنين وفرض النفوذ، وتؤثر فى الشعور بالأمان، وتدفع كثيرين إلى «ابعد عن الشر»، وتجنب التدخل خشية التعرض للأذى.

هيبة القانون مبدأ لا تحيد عنه الدولة.. وكلما ترسخ لدى المواطنين أن القانون يطبق بسرعة وعدالة على الجميع، تتراجع لدى الخارجين على القانون فكرة الإفلات من العقاب، وسيادة القانون ليست مجرد نصوص تشريعية، وإنما ثقة بأن الحقوق مصونة، وأن من يعتدى عليها سيحاسب دون تمييز أو استثناء، وهو أهم عوامل الردع وحماية المجتمع.
ومن اللافت أيضًا أن بعض المعتدين لم يعودوا يكتفون بإيذاء الضحية، بل يسعون إلى إذلالها وتصوير الاعتداء ونشره عبر الإنترنت، وتحولت الجريمة إلى وسيلة للبحث عن الشهرة أو لبث الرعب بين الناس.

ولا يمكن تجاهل تأثير المخدرات، التى تزيد من السلوك العدوانى والاندفاع، إلى جانب عوامل أخرى مثل ضعف التنشئة الأسرية، والتفكك الاجتماعى والبطالة، وغياب الوعى ورفقاء السوء، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

مواجهة البلطجة لا تتحقق بتشديد العقوبات وحدها، رغم أهمية الردع القانونى، وتحتاج إلى دور متكامل يبدأ من الأسرة التى تغرس القيم، والمدرسة التى تبنى الشخصية، والإعلام الذى يقدم القدوة الإيجابية، والمؤسسات الدينية والثقافية التى تعزز احترام القانون وقبول الآخر، واستمرار جهود مكافحة المخدرات وتوفير فرص التعليم والعمل للشباب.

قوة المجتمعات لا تُقاس بعدد القوانين التى تصدرها، بل بالقدرة على تطبيقها بعدالة وحزم، وترسيخ منظومة من القيم تجعل احترام الإنسان وسيادة القانون أساسًا راسخًا، ومواجهة البلطجة لا تكون إلا بمعالجة أسبابها، والتصدى الحاسم للمجرمين بكل قوة، والإسراع فى تحقيق العدالة الناجزة، بما يعزز الأمن ويصون هيبة الدولة.