حين نتحدث عن «الثوابت المصرية» نستند إلى قاعدة راسخة مفادها أن مصر لا تتحرك فى محيطها العربى وفق حسابات ظرفية، بل وفق التزام تاريخى يرقى إلى مرتبة الواجب.
مصر هى المبتدأ الذى لا تستقيم بدونه جملة العروبة.
ومع قراءة سطور التاريخ، يتضح أن المسألة بالنسبة لمصر لم تكن يوماً حسابات «توازنات سياسية» فحسب، إن أى تصدع فى جدار أى عاصمة عربية هو بالضرورة شرخ فى جدران البيت المصرى ذاته، هذا الوعى هو الذى جعل من «القضية الفلسطينية» همّاً مصرياً وجودياً منذ اليوم الأول، انطلاقاً من يقين تاريخى بأن أمن سيناء يبدأ من أسوار القدس، وأن أمن القاهرة لا ينفصل عن أمن دمشق وعمان والرياض.
فمنذ العصور الإسلامية الأولى، كانت مصر هى الحارس الأمين للمقدسات، فالقاهرة كانت ومازالت هى «البيت الكبير» لكل نبض عربي، ومع بزوغ فجر الدولة الحديثة، تحولت مصر إلى «المطبعة» التى تغذى العقل العربي، والمنارة التى صاغت هوية الأمة عبر الأزهر الشريف والفن والسينما.
وفى منتصف القرن العشرين، وتحديداً مع ثورة يوليو 1952، تحولت القاهرة إلى «قبلة الثوار» ومنطلق حركات التحرر الوطني؛ فكان الدعم المصرى لاستقلال الجزائر وتونس والمغرب، ودعم ثورات اليمن والعراق، مع رفض الاستعمار فى أى شبر من الأرض العربية، وفى تلك المرحلة، وقبل أن تكتمل هياكل المؤسسات فى بعض دول الخليج الشقيقة، سافر آلاف المعلمين والأطباء المصريين ليس كمغتربين، بل كشركاء فى التأسيس، حيث كانت المناهج المصرية هى النواة الأولى للمدارس، والعقل المصرى هو المستشار القانونى لبناء أنظمة الدولة الحديثة، فى تحالف عقول أراد لمحيطه ما أراده لنفسه من رفعة وسيادة.
لقد صهرت الحروب العربية الإسرائيلية المتتالية هذا الترابط فى بوتقة الدم؛ فمنذ حرب 1948، مروراً بـ 1956 و1967، كانت مصر تقدم التضحيات الكبرى دفاعاً عن «الحق العربي» المهدد، مؤمنة بأن أمن المنطقة وحدة لا تتجزأ، هذا التراكم النضالى هو الذى مهد الطريق للحظة الفارقة فى أكتوبر 1973، حين توحد «السيف» المصرى مع «الدرع» الخليجي، فى مشهد جسد «التكامل العضوي» بأبهى صوره.
وفى ظل البيئة الإقليمية المعقدة لعامى 2025 و2026، تبرز مصر مجدداً كبوابة للأمل وممر للنجاة، معتمدة على عقلانية القرار التى لا تهادن فى الثوابت، وشجاعة الموقف التى ترفض تصفية القضايا القومية.
إن الدفاع عن «الثوابت المصرية - ليس مجرد دور تؤديه الدولة، بل هو أمانة تاريخية يحملها كل مؤمن بعروبته، فالتاريخ يقول إنه كلما ضعفت مصر انكشف ظهر العرب، وكلما قويت مصر استقام جسد الأمة، فهى القلب الذى إذا توقف، ضاع الجسد كله.
ثوابت مصر تجاه القضايا العربية ليست مواقف تُعلن، بل مسار يُمارس، هى ليست قرارات تُتخذ، بل وعى تاريخى يتحرك فى كل قرار، ولهذا، فإن محاولة اختزالها فى ردود أفعال آنية تُفقدها معناها الحقيقي؛ لأنها ببساطة تعبير عن حقيقة أكبر: أن مصر، بحكم تاريخها وموقعها، لا تملك ترف الانفصال عن محيطها العربي، ولا تملك إلا أن تبقى فى قلبه، حيث كانت دائمًا

ظلمت د. جيهان زكى!!
دينا الصاوي تكتب: مواد الهوية.. هل يدفع الطلاب ثمن سنوات من الغياب؟
المونديال.. قراءة سياسية فى حسابات القوة الشاملة





