قبل أربع سنوات كان العالم يضحك.. كيف يمكن لدولة صحراوية أن تستضيف كأس العالم؟ وكيف يمكن لكرة القدم أن تُلعب وسط هذه الحرارة؟ وكيف يمكن تكييف ملاعب مفتوحة؟ كانت الأسئلة أكثر من الإجابات.. وكانت السخرية أكثر من التصديق، لكن قطر لم تدخل في جدال، لم ترد على أحد ؛ فعلت شيئاً أكثر إزعاجاً للمشككين، نجحت، مرت البطولة، ولعبت المباريات، وركض اللاعبون، ولم تصبح الحرارة قصة المونديال؛ لأن القطريين قرروا أن يلعبوا المباراة ضد الشمس قبل أن تبدأ البطولة؛ فانتصروا.
ثم جاء مونديال 2026؛ وجاءت معه المفارقة التي لا تخطر على بال كاتب روايات، الدولة التي قيل إنها لا تستطيع هزيمة الحر، هزمته، والدولة التي تقود العالم في التكنولوجيا، أصبحت تتلقى شكاوى اللاعبين من الحرارة وهي عاجزة عن الحلول فقد دارت عجلة مونديال الشمس التي لا ترحم!
نعم عادت الشمس إلى الواجهة، عادت بطلة للمشهد، يتحدث عنها المدربون، ويشكو منها اللاعبون، وتناقشها الصحف؛ كأن كأس العالم تحول أحياناً إلى مباراة بين البشر والمناخ.
ولم يكن ذلك انتصاراً لقطر على أمريكا في كرة القدم، ولا في الاقتصاد، ولا في السياسة؛ بل في فكرة واحدة فقط: أن المستحيل ليس هو ما لا يمكن فعله، بل ما لا يجرؤ أحد على التفكير فيه.. قطر فكرت، والعالم سخر، ثم نفذت؛ فأبهرت العالم وشرفت العرب في مونديال تاريخي.
ولهذا عندما يسألك أحد عن أغرب نتيجة في مونديال 2026، لا تبحث في جدول المباريات، ولا في عدد الأهداف، ولا في مفاجآت المنتخبات، قل له إن النتيجة الأكثر إثارة كانت خارج الملعب، قطر هزمت الشمس بهدف تاريخي؛ ثم بعد أربع سنوات الشمس عادت وانتصرت علي الأمريكان بنفس النتيجة؛ واسألوا مونديال الشمس المحتدم الآن بما يضمه من ٤٨ منتخبا جاءوا من كل الدنيا في أكبر تجمع وأكبر مباريات وأكبر تجهيزات.. ولهذا فإن الدرس المبكر والحقيقي الذي خرج به مونديال 2026 لا يتعلق بالكرة ولا بالجماهير ولا بالملاعب، إنه يتعلق بالتواضع، التواضع أمام الطبيعة.
لقد تعلم الإنسان كيف يشق الجبال، ويعبر المحيطات، ويغزو الفضاء، لكنه لم يتعلم بعد كيف يتجاهل الشمس؛ ولذلك فإن بعد مونديال 2026 يجب أن يتغير أحد أهم شروط استضافة كأس العالم.
فالدولة التي تتقدم بطلب التنظيم لا ينبغي أن تسأل فقط: كم ملعباً تملك؟ بل يجب أن تُسأل أولاً: كيف ستتعامل مع الشمس؟ لأن ما رأيناه هذا الصيف أكد حقيقة قديمة نسيها البشر وسط ضجيج التكنولوجيا: أن الطبيعة ليست ضيفاً في كأس العالم، بل هي صاحبة الأرض، وكل من ينسى ذلك، سيدفع الثمن؛ في المدرجات، وفي الملاعب، وفي تاريخ البطولة.
فالشمس لا تقرأ ملفات الفيفا، ولا تحترم قوة الدول.
ولا تفرق بين دولة عظمى وأخرى صغيرة، إنها تمنح العالم الدرس نفسه كل مرة: يمكنكم تنظيم كأس العالم، لكنكم لا تنظمون الطبيعة.

ظلمت د. جيهان زكى!!
دينا الصاوي تكتب: مواد الهوية.. هل يدفع الطلاب ثمن سنوات من الغياب؟
المونديال.. قراءة سياسية فى حسابات القوة الشاملة





