خلال الأيام الماضية تصدرت نتائج مواد الهوية في المدارس الدولية حالة من القلق والغضب بين آلاف الأسر بعد ظهور نسب رسوب مرتفعة في مواد اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية، والحقيقة أن السؤال الأهم ليس لماذا رسب هؤلاء الطلاب بل أين كانت هذه الهوية طوال السنوات الماضية؟.
لا أحد يختلف على أهمية اللغة العربية ولا على دور التربية الدينية في بناء القيم ولا على أهمية الدراسات الاجتماعية في تعريف الأبناء بتاريخ وطنهم وهويتهم، لكن المشكلة الحقيقية أن هذه المواد ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام الحقيقي لدى كثير من الطلاب وأحيانًا لدى بعض المؤسسات التعليمية نفسها.
كبر جيل كامل وهو يدرك أن المواد الأساسية التي تحدد مستقبله هي مواد أخرى وأن مواد الهوية لا تحظى بنفس القدر من التركيز أو المتابعة أو التقييم الجاد، ثم فجأة وفي وقت قصير أصبحت هذه المواد عنصرًا حاسمًا ومؤثرًا في مستقبل الطالب الأكاديمي.
وهنا ظهرت الأزمة، فلا خلاف على أهمية مواد الهوية بل ربما يكون الإجماع عليها أكبر من أي وقت مضى لكن القضية الحقيقية ليست في أهمية هذه المواد وإنما في كيفية بناء هذه الهوية، فالانتماء لا يُصنع بالخوف من الرسوب واللغة لا تُحب بالإجبار والقيم لا تُغرس بقرار مفاجئ.
كل ذلك يحتاج إلى سنوات من الاقتناع والتفاعل والتدرج حتى تصبح الهوية جزءًا من شخصية الطالب لا مجرد مادة يخشاها في موسم الامتحانات
فالهوية ليست كتابًا دراسيًا يُفتح قبل الامتحان ويُغلق بعده وليست درجات تُضاف إلى المجموع بل هي شعور بالانتماء يتشكل عبر سنوات طويلة من التعليم والتربية والثقافة، لذلك فإن بناء الهوية الحقيقية يحتاج إلى مشروع متكامل يبدأ منذ السنوات الأولى للدراسة ويجعل الطالب فخورًا بلغته وتاريخه وثقافته لا أن يكتشف فجأة أن مستقبله أصبح مرتبطًا بمواد لم يُطلب منه يومًا أن يمنحها نفس القدر من الاهتمام.
فالهوية لا تُفرض بقرار سريع ولا تُبنى في أشهر قليلة ولا يمكن معالجة سنوات من الإهمال أو ضعف الاهتمام بقرارات مفاجئة قد تغير مصير آلاف الطلاب دفعة واحدة، فبناء الهوية مشروع طويل يحتاج إلى تطوير للمناهج وتأهيل للمعلمين وإقناع للطلاب وشراكة حقيقية مع أولياء الأمور وليس مجرد رفع درجة الصعوبة أو تشديد التقييم بشكل مفاجئ.
اليوم لا يعاني الطلاب فقط من نتائج الامتحانات بل تعاني أسر كاملة من حالة من القلق والخوف على مستقبل أبنائها، فهناك طلاب اجتهدوا لسنوات طويلة وفق منظومة تعليمية معينة ثم وجدوا أنفسهم أمام متطلبات جديدة لم يتم إعدادهم لها بالشكل الكافي.
وفي النهاية تبقى الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم واضحة، لا أحد يختلف على أهمية اللغة العربية أو التربية الدينية أو الدراسات الاجتماعية ولا على ضرورة ترسيخ الهوية الوطنية لدى أبنائنا، لكننا نأمل أن تُراعى أوضاع آلاف الطلاب الذين وجدوا أنفسهم أمام متطلبات جديدة بعد سنوات طويلة من واقع تعليمي مختلف وأن يتم البحث عن حلول داعمة تساعدهم على تجاوز هذه المرحلة دون أن يتحملوا وحدهم مسؤولية سنوات لم يكونوا أصحاب القرار فيها.
فالهوية هدف يستحق أن نسعى إليه جميعًا لكن الوصول إليه يحتاج إلى التدرج والدعم ومنح الطلاب فرصة عادلة للتأقلم، فالأبناء ليسوا طرفًا في هذه الأزمة بل هم مستقبل هذا الوطن ويستحقون أن نحافظ على هويتهم دون أن ندفعهم ثمن سنوات لم يكونوا مسؤولين عنها

ظلمت د. جيهان زكى!!
المونديال.. قراءة سياسية فى حسابات القوة الشاملة
صدق أو صدق قطر تهزم أمريكا!!





