الشرقية: إسلام عبد الخالق
«ما لحقتش تفرح».. عبارة مقتضبة تصف لسان حال الجميع وهم يشيعون جنازة فتاة كانت قبل ساعات في أوج تألقها، تبتسم وتلتقط الصور التذكارية رفقة عريسها وهي ترتدي فستان الزفاف داخل قاعة الاحتفال هناك وسط مركز أولاد صقر شمال محافظة الشرقية، قبل أن تسقط فجأة وقد داهمتها أزمة قلبية مفاجئة توقف على إثرها قلبها دون مقدمات صحية، ليتحول الفرح إلى مآتم، والزغاريد إلى دموع، قبل أن تصعد روحها إلى بارئها، وسط حوقلة كل من عرف النبأ أو سمع به، لتكتب «فرح»، وهو اسمها الذي لم تنل منه نصيبًا في تمام زيجتها، إلى أيقونة جديدة على صدمات ليالي الزفاف وموت الفجأة في ريعان الشباب.
في منطقة هادئة تتبع مركز أولاد صقر في الشمال الشرقي لمحافظة الشرقية، وداخل الحي المعروف باسم المستشفى، كانت قصة «فرح سلطان إبراهيم سلامة» تُروى كحكاية عادية من حكايات الحب الريفي البسيط، الذي يبدأ بخطوبة تقليدية، وينمو مع الأيام ليصبح مشروع حياة كاملة، يتشارك فيه طرفان تفاصيل صغيرة وكبيرة، حتى يأتي اليوم المنتظر الذي يُتوَّج فيه كل شيء بزفاف يجمع بين قلبين طال انتظارهما.
«فرح»، الفتاة التي كانت في بداية العقد الثالث من عمرها، لم تكن تختلف كثيرًا عن فتيات جيلها في القرى المجاورة، لكنها كانت تحمل في داخلها مزيجًا من الحلم والهدوء، كانت تُعرف بين من حولها بابتسامتها الهادئة وحرصها على بيتها المستقبلي حتى قبل أن تدخله، وقد حباها الله جمال الهيئة ودماثة الخُلق، وحين تقدم لخطبتها الشاب «إبراهيم عبدالله إبراهيم عزب»، لم تكن تلك مجرد خطوة عادية، بل بداية رحلة امتدت لأكثر من عام، تشكلت خلالها ملامح حياة كاملة.
في ليل الجمعة الموافق 21 فبراير 2025، تمت الخطوبة وسط فرحة عائلية بسيطة، كعادة أبناء الأصول الريفية، حيث يلتف الأقارب والجيران، وتُعلن بداية ارتباط جديد يحمل في طياته الكثير من التمنيات، وحينها تألقت الفتاة بفستانها ذي اللون الأبيض على خلاف عادات حفلات الخطوبة، وكأنها أرادت أن تفرح بارتداء اللون الأبيض كأنما قدرها يعلمها ويربت على حالها، فيما كان عريسها كذلك يرتدي بدلته ذات اللون المقارب لها، وبصور بسيطة وابتسامة تُفصح عن مكنون القلوب، وثقت بضع صور فرحة الفتاة وخطيبها، ومنذ تلك اللحظة بدأ الاثنان في رسم ملامح حياتهما القادمة، وكأن كل يوم يمر كان يقربهما خطوة من تحقيق حلمهما.
لم تكن الخطوبة مجرد فترة انتظار، بل كانت زمنًا حقيقيًا للبناء، ليس فقط بناء المنزل، بل بناء العلاقة نفسها؛ فكان كل منهما يسعى لأن يجعل من هذا البيت المرتقب مكانًا يليق بما يحملانه من مشاعر، وكل قطعة أثاث، وكل تفصيلة صغيرة، كانت تُختار بعناية، وكأنها تحمل رسالة حب صامتة، تعبر عن الرغبة في الاستقرار والدفء.
امتدت الخطوبة لمدة عام وشهرين إلا يوم واحد، في فترة وصل عدد أيامها 423 يومًا بالتمام والكمال، كانت كافية لأن تتشابك فيها التفاصيل اليومية، وأن يصبح كل منهما جزءًا من حياة الآخر بشكل عميق، وكان جميع من في المنطقة ينتظر يوم الزفاف، الذي تقرر أن يكون في ليلة الاثنين 20 ابريل 2026، يوم بدا وكأنه تتويجا لكل ما مضى.
في ذلك اليوم بدأت الاستعدادات مبكرًا؛ ارتدت «فرح» فستانها الأبيض الذي لطالما تخيلت نفسها به، وبدت كما لو كانت تجسد كل أحلامها في لحظة واحدة، أما «إبراهيم» فكان يقف بجانبها، يحمل مزيجًا من الفرح والتوتر، كأي عريس ينتظر بداية حياة جديدة.
تم عقد القران قبل ليلة الزفاف بنحو أربعة أيام، ووثق العروسان قرانهما بتاريخه على منديل أبيض (16 أبريل 2026)، وكأن تلك الأرقام هي مجموع كل اللحظات التي أرادا لها أن تكون لعلاقة زواج تُبنى على المودة والرحمة.
الصدمة
داخل قاعة الفرح القريبة من مسكن الزوجية، وفي أجواء امتلأت بالفرحة والتهاني، اجتمع الأهل والأصدقاء، وارتفعت الزغاريد، وتبادل الجميع الدعوات بأن تكون هذه الليلة بداية حياة سعيدة لهما، وداخل القاعة كانت الموسيقى تعلو، والضحكات تملأ المكان، والأنظار كلها تتجه نحو العروسين، اللذين كانا يقفان في وسط المشهد، يبدوان وكأنهما في لحظة حلم طال انتظاره، وبدأت مراسم الاحتفال، ووقف العروسان يرقصان معًا وسط تشجيع الحاضرين، في مشهد يعكس الفرح الذي عمّ المكان، لكن في لحظة لم يتوقعها أحد تغيّر كل شيء.
بينما كانت «فرح» ترقص بجوار عريسها، سقطت فجأة مغشيًا عليها، في البداية ظن البعض أنها مجرد حالة إرهاق أو توتر، خاصة مع ضغط اليوم الطويل، لكن مع مرور الثواني بدأ القلق يتسلل إلى القلوب، وتبدلت الموسيقى بهمهمات تبعها صمت ثقيل، بينما هرع الحضور لمحاولة إسعافها، قبل أن تنقل على الفور إلى مستشفى أولاد صقر المركزي في سباق مع الوقت لإنقاذ حياتها.
داخل المستشفى بدأ الأطباء في إجراء الإنعاش القلبي الرئوي في محاولة لإعادة النبض وإنقاذها من الحالة الحرجة التي دخلت فيها، في جهود كبيرة تبعها إدخال العروس إلى العناية المركزة، حيث استمرت المحاولات الطبية لإنقاذها، وسط حالة من الترقب والقلق من جانب أسرتها وعريسها، الذين لم يستوعبوا بعد ما حدث؛ فقبل ساعات قليلة كانت ترتدي فستان الزفاف وتبتسم، والآن ترقد في غرفة العناية بين الحياة والموت.
مرت الساعات ببطء شديد وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة؛ خارج غرفة العناية وقف الجميع في صمت، تتردد بينهم الدعوات، ويغلب عليهم الأمل في أن تستيقظ وتعود كما كانت قبل ساعات، لكن مع حلول الساعات الأولى من صباح اليوم الجديد جاءت اللحظة التي لم يكن أحد مستعدًا لها، وفاضت روح «فرح سلطان إبراهيم سلامة» إلى بارئها.
تحولت ليلة الزفاف إلى مأتم، وتحولت الزغاريد إلى بكاء، وتبدد الحلم الذي استمر بناؤه لأكثر من عام في لحظة واحدة؛ العريس الذي كان ينتظر أن يبدأ حياته الجديدة وجد نفسه يواجه فقدًا لا يمكن وصفه، وأسرة كانت تستعد لفرح ابنتها وجدت نفسها تستقبل خبر رحيلها، ومن المستشفى إلى المنطقة إلى صفحات التواصل الاجتماعي داخل المركز وسائر أنحاء الجمهورية، انتشر الخبر بسرعة وتحول إلى حالة من الحزن العام، حيث لم يكن أحد يتوقع أن تنتهي قصة بدأت بكل هذا الأمل بهذه النهاية المفجعة.
كل من عرف «فرح» أو سمع بقصتها شعر بثقل الحدث، وكأن الحلم الذي كان يخصها وحدها أصبح حزنًا مشتركًا بين الجميع، وتحولت الصفحات إلى سواد تتوسطه صورتها مصحوبة بعبارات ما بين الدعاء والحوقلة والحديث عن موت الشباب وأن ساعات الدنيا غير مأمونة وأن الموت أقرب من أي شيء.
بين لحظة ارتدت فيها فستانها الأبيض، ولحظة وُضعت فيها على سرير المستشفى، انتهت قصة لم تكتمل، وبقيت تفاصيلها شاهدة على كيف يمكن للحياة أن تتغير في لحظة دون مقدمات، تاركة خلفها ذكريات قصيرة لكنها عميقة بما يكفي لتبقى في قلوب من عرفوا أصحابها طويلًا، حيث شيع المئات جنازة «فرح» في مشهد مهيب بدأ بالصلاة على الجثمان بعد صلاة العصر في مسجد المستشفى وسط الحي، قبل مواراتها الثرى في مقابر الأسرة، والتي عاد أفرادها يتلقون واجب العزاء هناك في دار المناسبات التي تتوسط الحي.
اقرأ أيضا: طالبة الثانوي وشقيقها خنقا جارتهما الطفلة لسرقتها وتركا جثتها في الطريق العام
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







