قضية ورأى

الدعاية بالليجو: كيف يستخدم الذكاء الاصطناعى فى إنتاج السلوبجندا؟

د.محمد شومان
د.محمد شومان


الليجو يحول الحرب إلى «لعب»، أو نوع من التسلية، مما يخفف من قسوة الحرب وفظاعتها ويجعلها قابلة للمشاركة!!

فى قلب الصراع الأمريكى-الإسرائيلى الإيرانى تحولت منصات التواصل الاجتماعى إلى ساحة معركة موازية، حيث لم تعد الدعاية تعتمد على الخطب الرسمية أو الأفلام والصور أو التغريدات، بل أصبحت فيديوهات قصيرة - 8 إلى 16 ثانية - بأسلوب الليجو (LEGO) البريء، تنتجها فرق صغيرة بمساعدة الذكاء الاصطناعى. 

وتظهر شخصيات ليجو كاريكاتيرية، ترامب برأس برتقالى، نتنياهو يشرب دمًا، صواريخ تدمر البيت الأبيض، حاملات طائرات، وأطفال يحتضرون وسط الأنقاض. ترافقها أغانى راب مولدة بالذكاء الاصطناعى والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا يلجأ الطرفان إلى هذا الأسلوب بالذات؟ ولماذا لا يعتمدان على اللقطات الحقيقية التى توثق الواقع مباشرة؟

فيديوهات الليجو ليست وليدة الصدفة، وإنما بدأت فى يونيو 2025 أثناء قصف المنشآت النووية الإيرانية، ثم انفجرت شعبيتها مع بدء حرب الخليج الثالثة بشاركتها حسابات إيرانية وأمريكية وإسرائيلية وروسية، ووصلت إلى مئات الملايين من المشاهدات على تيك توك وإنستجرام وإكس، رغم حظر يوتيوب لبعضها. فى المقابل، يلجأ الجانب الأمريكى إلى «سلوباجندا» مختلفة: فيديوهات تجمع لقطات حقيقية لضربات أمريكية مع مشاهد من ألعاب الفيديو والأنمى (الرسوم المتحركة)، أو صور مولدة بالذكاء الاصطناعى لترامب يقود طائرة مقاتلة.

والسلوبجندا باختصار، هى دعاية رقمية رخيصة وسريعة تعتمد على الجمع بين الدعاية التقليدية والمحتوى الضخم غير المتقن، الناتج عن الذكاء الاصطناعى بهدف التلاعب بالمعلومات والمشاعر والمعتقدات السياسية. وتستخدم السلوبجندا فى حرب الخليج الثالثة الليجو لأسباب عديدة فهو «لغة عالمية». فالشخصيات الصفراء البلاستيكية والمكعبات الملونة والإيقاع السريع وموسيقى الراب المولدة، ومشاهد العنف المجسدة بقطع مكعبية.. كل ذلك يزيل الطابع المروع للحرب ويحولها إلى لعبة!!

مما يجعل المحتوى شائقًا ومألوفًا،  خاصة بالنسبة للشباب حول العالم والذى عرف فى طفولته ألعاب الليجو واستخدمها، لكن الأهم والخطير من وجهة نظرى أن الليجو يحول الحرب إلى «لعب»، أو نوع من الترفيه والتسلية، مما يخفف من قسوة الحرب وفظاعتها ويجعلها قابلة للمشاركة!!

فبدلاً من مشاهد الدم الحقيقى التى تثير الحزن والاشمئزاز، يصبح الدم «بلاستيكيًا»، والصواريخ «مكعبات» والزعماء أو الضحايا مجرد «دمى»!! 

والمفارقة أن الليجو يخلق «ارتباطات عاطفية» غير مباشرة، يجعل الجمهور الشاب الذى لا يتابع الأخبار التقليدية، يستهلك الدعاية كترفيه. وتوظف إيران شركات صغيرة فى آسيا وأوروبا يديرها شباب لإنتاج سلوباجندا تروج لخطابها. ويقول بعض الخبراء إن الإيرانيين يتحدثون لغة الإنترنت التى يفهمها الأمريكيون، بينما الدعاية الأمريكية تبدو أحياناً «عتيقة» أو موجهة لقاعدة ماجا المؤيدة لترامب، ويخلصون إلى أن إيران تفوز فى «حرب الميمات» بفضل بساطتها وجاذبيتها. 

والمؤكد أن السرعة وانحفاض تكلفة السلوبجندا تجعل طرفى الحرب يستخدمونها على مدار الساعة، لأن المقاطع الحقيقية المصورة أكثر تكلفة وتتطلب وقتًا أطول فى إنتاجها، كما أنها تتعرض للرقابة والمنع، لأنها تنشر صورًا لدماء حقيقية ومشاهد تدميرية قد لا تناسب كثيرًا من المنصات، بينما مشاهد الليجو تمر من دون رقابة فهى مجرد دمى وألعاب!!

كما تسيطر خوارزميات «اقتصاد الاهتمام» على المحتوى، فمع ارتفاع نسبة مشاهدة الفيديوهات القصيرة (15-60 ثانية) تتناسب مع طبيعة تيك توك وريلز، حيث يقضى المستخدمون الشباب ساعات فى التمرير السريع بحثًا عن محتوى جذاب ومسلٍ، والسلوباجندا تستغل هذا الواقع عبر الجمع بين الترفيه (راب، كاريكاتير) والسياسة، مع تقديم معلومات ونشر اتهامات بدون دليل مثل  ربط ترامب بـ «ملفات إبستاين»، أو نتنياهو بالشيطان، دون الحاجة إلى دليل حقيقى. من هنا فان الإنتاج السريع يسمح بردود فعل فورية على الأحداث، وأحياناً قبل الإعلانات الرسمية.

ويرى بعض الباحثين أن الجمهور حول العالم تشبع من صور وفيديوهات القتل والتدمير التى نقلتها الميديا عن الحرب الأوكرانية وحرب غزة، وبالتالى كان لابد من تقديم مشاهد الحرب بأسلوب جديد هو الليجو، والذى يخاطب طفولة كل مشاهد أو يذكره بزمن البراءة، لذلك حقق الليجو مئات الملايين من المشاهدات، لكنه لم يعد لعبة بريئة اليوم، بل سلاح فى حرب السرديات، وأداة تعيد تشكيل مفهوم الحقيقة فى عصر الذكاء الاصطناعى.

الأمر الذى يثير إشكاليات أخلاقية ومهنية ترتبط بالدقة والمصداقية فى نقل الأحدث، وفى تجريد الحدث من أبعاده الأخلاقية، إذ أن بساطة اللوجو وجماله الشكلى قد يؤدى إلى تطبيع العنف، وتحويل الحرب إلى مجرد لعبة، وتقديم معاناة البشر فى الحرب إلى مادة ترفيهية. وإذا اعتدنا على تقديم الحروب على هيئة ميمات مسلية، فسنكون قد فقدنا جزءًا من إنسانيتنا.