الشرقية: إسلام عبدالخالق
أعنف ما في سلوك الجناة ذاك ما يُصدره الصغار حين تُسول لهم أنفسهم هلاك النسل ويقفون موقف الجلاد ليُزهقوا الروح وكأنهم يمارسون طقوسًا سمعوا بها يومًا، إلا أن ما جرى هناك وسط إحدى القرى في مركز الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية فاق حدود وصفه تلك الكلمات بمراحل؛ بعدما أقدمت طالبة في الصف الثاني بالمرحلة الثانوية العامة على إقناع شقيقها الذي يصغرها بنحو عامين بأن هناك مالًا في صورة هاتف محمول وقِرط ذهبي ترتديه إحدى صديقاتها في البلدة، وهيأت له أن يشاركها سبيل استدراج جارتهما الصغيرة لأجل أن يسلباها ما تمتلكه، قبل أن يعدلا عن الاكتفاء بالسرقة ويسلكان مسلك القتلة حين أقدما على إنهاء حياة ضحيتهما خنقًا وتركاها على قارعة الطريق ظنًا منهما بأن هذا هو السبيل الأمثل لإبعاد الشبهات عن كلٍ منهما.
وسط البلدة الهادئة قرية «مشتول القاضي» التي تبعُد نحو دقائق عن حياة المدن وسط مركز الزقازيق في محافظة الشرقية، كانت الطفلة «مريم صابر»، الجميلة ذات الأربعة عشر عامًا، تعيش حياة أقرب إلى البراءة المطلقة، فهي البنت الوحيدة لأم بسيطة تكافح يوميًا في شوارع القرية، تبيع الفاكهة لتؤمن لقمة العيش لها ولابنتها، وتبني حلمًا صغيرًا بأن ترى ابنتها تكبر وتتعلم وتعيش حياة أفضل مما عاشت هي؛ إذ كانت الأم ترى في «مريم» كل مستقبلها وكل ما تبقى لها في الحياة، وكانت الطفلة بدورها ملتصقة بوالدتها، تساعدها أحيانًا، وتعود سريعًا إلى بيتها بعد المدرسة أو اللعب مع صديقاتها.
كانت «مريم» طالبة في الصف الثاني الإعدادي، معروفة بين زميلاتها بهدوئها وابتسامتها الخجولة، وبأنها لا تدخل في مشكلات مع أحد، كانت طفلة عادية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تحمل هاتفًا محمولًا بسيطًا كأي طفلة في سنها، وترتدي قرطًا ذهبيًا صغيرًا كانت أمها قد اشترته لها بفرحة كبيرة، وكأنه قطعة من قلبها أهدتها لابنتها الوحيدة، لكن ما لم تكن تعلمه الأم ولا الطفلة أن الخطر لم يكن بعيدًا عنها، بل كان يسكن في الجوار، ويجلس معها أحيانًا في نفس اللحظات، ويتبادل معها الحديث والضحك في صورة جارتها وصديقتها المقربة «سلمى»، تلك الفتاة ذات السابعة عشر عامًا، الطالبة في الصف الثاني الثانوي، والتي تعيش في نفس الدائرة الضيقة من الحياة اليومية، حيث تتكرر اللقاءات العابرة، والكلمات البسيطة، والضحكات التي لا تحمل أي شبهة، وبين هذا وذاك جيرة تحمها البيوت وصلة الود بينها وبين الصغيرة صاحبة البراءة.
كانت العلاقة بين الطفلتين تبدو طبيعية تمامًا، علاقة جيرة وصداقة عادية لا توحي بأي خطر، لكن خلف هذا المشهد الهادئ كانت هناك أفكار بدأت تتشكل في عقل الفتاة الأكبر سنًا، أفكار تحركها الرغبة في امتلاك ما لدى الآخرين، خاصة ما يلمع من هواتف ومصوغات بسيطة تبدو في نظرها هدفًا سهلًا يمكن الحصول عليه دون عناء.
التخطيط للجريمة
في ذلك اليوم المشئوم، لم يكن هناك ما يوحي بأن الحياة ستنقلب إلى جريمة، حين خرجت «مريم» من منزلها كعادتها، ومرت على صديقتها وجارتها «سلمى»، التي استقبلتها بابتسامة هادئة وكلمات عادية لا تثير الشك، عرضت عليها أن ترافقها إلى داخل المنزل بحجة الحديث أو قضاء بعض الوقت معًا، لم تتردد الطفلة البريئة، فهي لا ترى في صديقتها إلا شخصًا مألوفًا وآمنًا.
دخلت «مريم» المنزل دون خوف، تحمل في جيبها هاتفها المحمول، وفي أذنها قرطها الذهبي الصغير الذي لم تفارقه منذ أن أهدته لها والدتها، وفي تلك اللحظات، كان الطمع قد بدأ يسيطر على عقل الفتاة الأكبر، وتحول التفكير البسيط إلى نية خبيثة كانت قد بدأتها قبل ذلك بساعاتٍ طويلة حين أقنعت شقيقها الأصغر «عبدالله» بأن يشاركها مآربها ويحوذان معًا بما لدى جارتهما البريئة من مال في صورة هاتف وذهب، إذ أرادت الاستيلاء على الهاتف والقرط، دون أن تدرك أن هذه اللحظة ستنقلب إلى نهاية مأساوية لا يمكن الرجوع عنها.
داخل جدران المنزل، لم يكن هناك شهود سوى اثنان، ولا صدى إلا صوت لحظة التحول من صداقة طفولية إلى جريمة مكتملة المعالم؛ إذ حاولت المتهمة وشقيقها الذي كان حاضرًا تنفيذ مخطط السرقة، لكن الأمور خرجت عن السيطرة سريعًا، حين بدأت الطفلة في المقاومة أو محاولة فهم ما يحدث، فكان القرار الأكثر قسوة قد اتُخذ في لحظة غياب للعقل وسيطرة للذنب والخوف من انكشاف الجريمة.
وبحسب ما كشفت عنه التحريات لاحقًا، فقد أقدم المتهمان على خنق الطفلة داخل المنزل، وكأن الشيطان قد زين لهما الطريق للخلاص من لحظة السرقة عبر إنهاء حياتها، بدلًا من تركها تخرج وتكشف ما حدث، فلم يكن هناك وعيا حقيقيا بعواقب الفعل، بل كانت لحظة انحدار كامل نحو جريمة لم يكن لها مبرر سوى الطمع والخوف من الفضيحة.
جثة
سقطت «مريم» في صمت داخل المنزل، بلا صراخ طويل أو فرصة للنجاة، وانتهت حياتها في لحظة واحدة قلبت مصير أسرتها بالكامل، لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ أن المتهمين، بعد أن أدركا فداحة ما حدث، لم يملكا إلا تصرفًا طفوليًا مرتبكًا، تمثل في ترك الجثمان، في محاولة يائسة لإبعاد الشبهات عنهما، وكأن الجريمة يمكن أن تختفي بمجرد الهروب من المشهد، فلم يفكرا في إخفاء الأدلة بطريقة احترافية، ولم يخططا للهروب، بل تركا كل شيء خلفهما على أمل أن تمر الواقعة دون اكتشاف، لكن الحقيقة كانت أسرع من محاولاتهما المرتبكة؛ إذ بدأت خيوط الجريمة تنكشف مع بلاغ اختفاء الطفلة، ثم تضييق دائرة البحث داخل محيط الجيران، حتى تم الوصول إلى المنزل الذي شهد النهاية المأساوية.
الأم، التي كانت تبيع الفاكهة في شوارع القرية لتوفر حياة بسيطة لابنتها الوحيدة، لم تكن تتخيل أن رحلتها اليومية ستنتهي بهذا الشكل، وأن عودتها إلى منزلها ستقودها إلى فاجعة لا يمكن للعقل استيعابها، هناك على بُعد بضعة أمتار من منزلها البسيط، إذ كانت تحمل في قلبها أملاً بسيطًا بأن تجد ابنتها عائدة، لكنها وجدت أن حياتها كلها قد انتهت داخل جثة صغيرة كانت تمثل كل ما تملك في الدنيا.
عند وصول الأجهزة الأمنية، بدأت خيوط الحقيقة تتكشف سريعًا، ومع الفحص والتحريات، تبين أن وراء الجريمة صديقة الطفلة وجارتها، التي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، ومعها شقيقها الأصغر، وأن الدافع كان سرقة قرط ذهبي وهاتف محمول لا يساويان شيئًا أمام حياة إنسان.
وبعد ضبط المتهمين، لم يحتج التحقيق إلى وقت طويل حتى اعترفا بتفاصيل ما حدث، وكيف تحولت لحظة طمع إلى جريمة قتل مكتملة، وكيف أن الخوف من الفضيحة كان السبب في إنهاء حياة طفلة بريئة لم تدرك أن صديقتها ستصبح جلادتها في لحظة.
وبين جدران المنزل الذي كان يومًا مكانًا للعب والحديث البسيط، انتهت حكاية «مريم»، وبدأت حكاية أخرى في ساحات التحقيق، حيث تقف العدالة في مواجهة جريمة ولدت من الطمع، ونضجت في صمت، وانتهت بخنق طفلة لم يكن لها ذنب سوى أنها وثقت فيمن حولها، حيث قررت النيابة العامة حبس المتهمين على ذمة التحقيق، وطلبت تحريات المباحث حول الواقعة وملابساتها وكيفية حدوثها، وقبل ذلك صرحت بدفن جثمان المجني عليها بعد تسليمه إلى ذويها لموارته الثرى عقب الانتهاء من الإجراءات القانونية اللازمة.
اقرأ أيضا: بلاغ اختفاء يكشف جريمة قتل زوجة
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه







