ممرضة الحامول خرجت تشتري احتياجات البيت.. فلقيت مصرعها تحت جرار زراعي

الضحية
الضحية


كفر‭ ‬الشيخ‭: ‬حمدين‭ ‬بدوى

فى دروب الحياة، يرحل البعض بصمت، ويترك البعض الآخر خلفهم أثرًا لا يمحوه الزمن؛ قصصًا تُكتب بدموع الفقد، وتُرسم بملامح الصبر، ومن أصعب تلك القصص، هي التي تنتهي فجأة في غمرة السعي والواجب، حين يخرج الإنسان باحثًا عن لقمة العيش أو تلبية احتياجات أحبته، فيصطدم بقضاء الله وقدره، وهو ما حدث فعلا في قصة ممرضة الحامول بكفر الشيخ، التي ضحت بصحتها في عملها، وبحياتها في سبيل أسرتها، ورحلت وهي تؤدي أسمى رسالة إنسانية وأمومية، تاركة خلفها وجعًا سكن القلوب.. تفاصيل أكثر في السطور التالية.

​في نهار هادئ، خرجت من بيتها تشتري احتياجات المنزل، لم تكن ذاهبة لأي مكان آخر، ولا خارجة للتنزه؛ أمٌّ كل ما يشغلها هو تلبية رغبات أطفالها، وشراء مطالبهم ومطالب الأسرة من السوق، فجأة، صدمها جرار «بنجر»، فوقعت إلهام على الأرض وسط صراخ الناس.

​الأهالي هرعوا إليها، ونُقلت إلى المستشفى في محاولة لإنقاذها، ولكن فجأة تغير الوضع؛ إذ جرت أحداث وجعت قلوب كل من سمعها أو عرفها من قرية «أبو بدوي» أو «النيل» بمركز بيلا خاصة، وكفر الشيخ عامة، حيث تحولت القرى إلى سرادق عزاء مفتوح، وحزن في كل بيت، ودموع لا تجف. 

منزل بسيط داخل قرية «أبو بدوي»، نشأت إلهام حمادة عبد الرحمن صادق، بين أسرتها المكونة من الأب والأم، اللذين يعملان في تجارة الألبان، وأختين هما الأكبر لها، ومتزوجتان الآن، بالإضافة إلى أخيها «علاء» الأصغر والأعزب.

اجتهدت في دراستها منذ الصغر حيث كانت متميزة، حتى التحقت بمدرسة التمريض، وتخرجت فيها لتعمل في وظيفة ممرضة بمستشفى الحامول العام، وبعد مرور الوقت، تعرفت على شاب من قرية «النيل» التابعة لمركز بيلا بكفر الشيخ، واستمرت المعرفة التي تحولت إلى ارتياح وحب، ومن ثم زواج، وأنجبت منه طفلتين «حبيبة هشام عبد الحميد»، وهي الأكبر، و»هند»، أما الزوج فيعمل سائق «توك توك»، ويُدعى هشام عبد الحميد محمد سلام، من عزبة النيل، والده متوفى منذ أربعة أشهر فقط، أما والدته فهي ربة منزل مسنة تعيش معهم في نفس البيت.

السوق الأخير

كان صباح يوم عادي في عزبة النيل مثل أي يوم مضى، لكنه لم يكن عاديًا بالنسبة لطفلتي إلهام صادق؛ كانت حبيبة وهند، تنتظران عودة والدتهما ككل يوم بعد غياب في العمل، تنتظران ابتسامتها التي لا تغيب، وحنانها الذي لا ينضب أبدًا. 

​كانت إلهام حمادة، الممرضة بمستشفى الحامول العام، تشعر بمسئوليتها تجاه أسرتها الصغيرة؛ زوجها هشام يحاول جاهدًا توفير لقمة العيش ومساعدة الأسرة ووالدته التي تحتاج للعلاج، خاصة أن والده توفي منذ أربعة أشهر فقط ليتولى هشام المسئولية كاملة، تاركًا وراءه والدته المسنة التي أصبحت تعتمد على إلهام كابنة لها، وعليه، إلهام لم تكن فقط زوجة صالحة ومجتهدة، بل كانت السند والعون للجميع بلا استثناء، فلا تمل ولا تكل.

​في ذلك الصباح الذي استيقظت فيه مبكراً وودعت أسرتها، خرجت إلهام إلى السوق الواقع على الطريق الرئيسي بالقرية، تريد شراء الخضار والطعام لأطفالها، ربما كانت تفكر: ماذا سأطبخ اليوم؟ هل سأشتري الحليب أم الخبز أولاً؟، حالها حال أي أم، لم تكن تعلم أن هذا السوق سيكون نهاية رحلتها. 

كانت تتجول بين الباعة، لتختار لطفلتيها أفضل ما يمكن، وفي تلك اللحظة التي كانت مشغولة فيها بالنظر والمفاوضة مع الباعة، كان جرار زراعي محمل بمحصول بنجر السكر يمر من الطريق المجاور للسوق، وكانت المقطورة خلفه تئن تحت ثقل المحصول، وفجأة، ودون سابق إنذار، انكسر عجل المقطورة مما أدى لحدوث خلل ميكانيكي مفاجئ، فمالت المقطورة الضخمة ثم انقلبت بالكامل على المواطنين.

بنجر الموت

​وقع الحادث بسرعة البرق في ثوانٍ معدودة؛ سقطت حمولة البنجر على إلهام وعدد من أهالي القرية المتواجدين بالسوق، وتحول المكان إلى صراخ وزحام واستغاثات لطلب النجدة، وأصيب آخرون بكدمات وكسور، لكن إلهام كانت الأكثر تضررًا، هرع الأهالي مسرعين لإنقاذها، رفعوا المقطورة عنها بأيديهم في موقف مشهود، وحملوا محصول البنجر الثقيل الذي سحق جسدها النحيل، لتخرج من تحته مصابة بكدمات وكسور خطيرة.

​على الفور، نقلت إلى مستشفى الحامول العام، المكان نفسه الذي كانت تعمل فيه ممرضة، وتنقذ أرواح الكثيرين، لكن حالتها كانت خطيرة للغاية، حاول الفريق الطبي إنقاذ زميلتهم، لكن الإصابات كانت بالغة، ولم يتمكنوا من السيطرة على النزيف الداخلي، فتقرر تحويلها إلى مستشفى كفر الشيخ العام، وعندما وصلت هناك في الساعة الثالثة عصرًا، والجسد ينزف والألم يزداد، دخلت غرفة العمليات ثم انتقلت إلى العناية المركزة في الخامسة والنصف مساءً، وهناك، في صمت العناية المركزة، كانت روح إلهام تخوض معركتها الأخيرة، وفي تمام الساعة التاسعة مساءً، توقف قلبها، توفيت الأم، وتركت خلفها حبيبة وهند تنتظران والدتهما التي لن تعود أبدًا. 

​اتخذت نيابة بيلا المختصة الإجراءات القانونية، وتحرر محضر بالواقعة، وعلى الفور حجز الجرار وصاحبه في مركز شرطة بيلا، واستُخرج تصريح الدفن، وفي الثالثة فجرًا، نُقل جثمانها الطاهر إلى قريتها، وفي ظهر اليوم التالي، ورى جسدها الثرى في مسقط رأس زوجها، تاركة خلفها قلبين صغيرين لا يفهمان لماذا لم تعد أمهما من مشوارها.

شهيدة الواجب

​قال حمادة عبد الرحمن صادق، والدها، في حديثه لـ «أخبار الحوادث»: «إلهام شهيدة الواجب الإنساني والأمومي، ذهبت لتؤدي واجبها تجاه أطفالها وبيتها وعادت جثة هامدة»، مؤكدًا: «أنا احتسبت بنتي عند ربنا، بس نفسي في زيادةالحملات المرورية على مثل هذه الجرارات التي اعتادت السيرفي الأسواق والطرق الرئيسية، ومنع أي مركبات يقودها من لا يعي سلامة الآخرين، لازم حد يتحرك قبل ما النزيف ده يكمل».

​هشام عبد الحميد، الزوج، قال في حديثه لـ»أخبار الحوادث»: «لا أعلم كيف يمكن تعويض هذا الفراغ، لكن أتذكر دائماً أنها كانت إنسانة استثنائية، كانت ممرضة تنقذ الأرواح، والقدر اختار أن تأتيها منيتها وهي تشتري الطعام لأطفالنا، إلهام الآن في مكان أفضل، ادعوا لها بالرحمة، أنا فقدت شريكة حياتي والسند الذي كنت أعتمد عليه، والآن أنا الأب والأم لحبيبة وهند، وسأحكي لهما كيف كانت أمهما نموذجا للعطاء والحب».

أما أخيها الأصغر، علاء عبد الرحمن صادق،أكد بأسىأنه فقد أختًا غالية، وأن البيت أصبح خاليًا من ضحكتها، وفي حديثه لـ»أخبار الحوادث» أوضح زميلها في العمل، هشام الحميل، أن إلهام كانت ممرضة ملتزمة جداً، وتؤدي عملها بكل إتقان، وأنه رغم رحيلها، ستظل قصتها في القلوب.

اقرأ  أيضا: مصرع طالب غرقًا بشاطئ البرلس في كفر الشيخ.. واستمرار جهود البحث عن الجثمان

;