الطفل التائه من بني سويف إلى محطة رمسيس: كان نفسي أتفسح.. ودي آخر مرة

الطفل أدم
الطفل أدم


بنى‭ ‬سويف‭: ‬خالد‭ ‬عباس

في لحظة غفلة قصيرة أو شقاوة أو فضول مهما كانت المسميات، كانت كفيلة بأن تقلب عالم طفل صغير رأسًا على عقب، طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره، كانت الدنيا بالنسبة له مجرد خطوات صغيرة يمشيها خلف والده أو أحد أفراد أسرته، وضحكات عابرة مع أمه وهو ممسكًا بيدها، وأمان بسيط لا يعرف له حدود. لكنه في ذلك اليوم، خرج من دائرة الأمان دون أن يدري، فوجد نفسه في مواجهة عالم أكبر بكثير من قلبه الصغير، ما الذي حدث لآدم وجعل حكايته حديث السوشيال ميديا كلها، وقبلها كانت محل اهتمام بالغ من رجال المباحث، مهمتهم كانت واضحة منذ اللحظة الأولى؛ وهي عودة الطفل آدم إلى بيته وحضن أسرته قبل أن يصاب بمكروه.

بينما كان والده منشغلاً بجوار سيارته، تسللت قدما الطفل بخفة وبراءة، وكأن الفضول يقوده الى عالم آخر دون شك غريب عنه، خطوة تلو الأخرى، حتى وصل إلى محطة القطار، حيث الضجيج والوجوه الغريبة والأصوات المرتفعة، لم يفهم شيئًا، لكنه اندفع وراء حركة الناس، فصعد الصغير إلى أحد القطارات، ظنًا منه أنها مجرد مغامرة قصيرة، لكنه لم يكن يعلم أنها بداية رحلة خوف.

داخل القطار، بدأ الارتباك يتسلل إلى عينيه الصغيرتين، الوجوه لا يعرفها، الأصوات تزداد غربة، والمسافات تكبر، بحث بعينيه عن أبيه، عن أي وجه مألوف، لكن دون جدوى، ومع مرور الوقت، تحول الفضول إلى قلق، والقلق إلى خوف، ثم إلى بكاء مكتوم سرعان ما انفجر في دموع لا تتوقف، طفل صغير، تائه بين مقاعد القطار، لا يدرك إلى أين يذهب، ولا كيف يعود.

وعندما وصل إلى محطة بعيدة، كان قد استنزف كل ما بداخله من طمأنينة، وقف حائرًا، يبكي بصوت مرتجف، يطلب شيئًا واحدًا فقط، «عايز أروح لبابا وماما»، لحظات قاسية عاشها، شعر فيها بوحدة لم يعرفها من قبل، وكأن العالم كله اتسع فجأة، وهو أصبح أصغر من أن يحتمله، هل توقفت الأمور عند هذا الحد، أبدًا..، 

حازت واقعة اختفاء الطفل آدم شعبان والذي يبلغ من العمر 4 سنوات، على اهتمام كبير من أهالي محافظة بني سويف محل إقامته، وتفاعل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تلتقطه يد الرحمة كانت أسرع من خوفه، حيث انتبه له الجميع، وبدأت رحلة عودته، ومع كل خطوة تطمئنه بعودته إلى أسرته، كان قلبه الصغير يستعيد نبضه الطبيعي، حتى جاءت اللحظة التي انتهى فيها الكابوس، وعاد الطفل إلى حضن أسرته، حيث الدفء الحقيقي، والأمان الذي لا يُعوض، عندها فقط، هدأت دموعه، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة، لحظة العودة، حيث نجحت الاجهزة الامنية بمحافظة بني سويف في تحديد مكان تواجده والعثور عليه بمحطة سكة حديد رمسيس بالقاهرة، لكن لا تزال في الحكاية بقية وتفاصيل مثيرة.

رحلة البحث

ترجع تفاصيل الواقعة، عندما تلقى المقدم أحمد حسين طرفاية رئيس وحدة مباحث ببا جنوب بني سويف بلاغًا من والد الطفل شعبان أحمد، سائق والذي يبلغ من العمر 48 عامًا، باختفاء نجله آدم من امام المنزل وعدم عودته، تم إخطار اللواء أسامة جمعة مدير أمن بني سويف، وعلى الفور أصدر تعليماته بسرعة تشكيل فريق بحث، بإشراف اللواء محمد الخولي مدير إدارة البحث الجنائي، لكشف ملابسات الواقعة للوقوف على أسباب اختفاء الطفل وتحديد مكانه وسرعة عودته إلى أسرته سالمًا.

فريق البحث ضم المقدم أحمد طرفاية رئيس مباحث ببا، ومعه الرواد: محمد جمال، وأحمد ربيع، معاونا المباحث، في لحظات قليلة وضعت خطة بحث بمعرفة ومتابعة خط سير الطفل من خلال تفريغ كاميرات المراقبة ومراجعة تحركاته في محيط سكنه حيث يقيم مع أسرتة بجوار محطة سكة حديد مدينة ببا.

كشفت تحريات فريق البحث؛ أن الطفل توجه بمفرده إلى داخل محطة السكه الحديد، بعدما ذهب الى والده في مقهى مجاور لمحطة السكة الحديد ولم يجده، ظن الصغير أنه يستطيع العثور عليه قادته قدماه إلى طرق لم يألفها من قبل، استقل أحد القطارات المتجهة إلى القاهرة أثناء توقف القطار في محطة ببا في تصرف عفوي وأظهرت المتابعة وصول القطار والطفل بداخله إلى محطة رمسيس، حيث ظل متواجدًا هناك داخل المحطة، واصل فريق البحث جهوده بالتنسيق مع المباحث الجنائية بالقاهرة، وتم تحديد مكان الطفل داخل محطة رمسيس، قبل أن يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمينه وإعادته لأسرته، تحركت مأمورية رسمية من مديرية أمن بني سويف بالسفر الى القاهرة ومعهم والد الطفل آدم بعد أن طمأنه ضباط المباحث أن الطفل الآن في يد أمينة، وتوجه الجميع إلى محطة رمسيس لاستلام الطفل بعد العثور عليه داخل المحطة، وفي لحظة يغلب عليها الفرحة تختلط بدموع الطفل عند رؤيته لوالده، بعدها يتبدد خوف الصغير إلى أمان في حضن الأب.

وكانت مواقع التواصل الاجتماعي بمحافظة بني سويف، قد شهدت تفاعلا كبيرا منذ اختفاء الطفل آدم، حيث نشرت صورته وبياناته على نطاق واسع، حتى عثر عليه وأعيد لأسرته، ثم احتفلت الصفحات بعودة الطفل آدم سالمًا، ووجهت الشكر لرجال الشرطة والمباحث على جهودهم في عودة الطفل لأسرته.

في بيت الطفل

«أخبار الحوادث» كانت في منزل الطفل آدم في مدينة ببا جنوب محافظة بني سويف، تحدثت مع والده عن تفاصيل الواقعة في البداية يقول الأب شعبان احمد 48 عاما سائق،: فوجئنا مساء الأثنين الماضي باختفاء نجلي الطفل آدم عن المنزل، وعلى الفور نشرنا صورة له على صفحات الفيسبوك بمحافظة بني سويف لسرعة الوصول اليه، ثم أحضرت سيارة ووضعنا عليها ميكروفون وطافت شوارع المدينة تبحث عن نجلي الطفل آدم، كنت أظن أنني سأجده تائها بأحد شوارع المدينة، ولكن بعد فشلي في العثور عليه، لم أتردد في الذهاب إلى مركز شرطة الفشن، وهناك التقيت الرائدين محمد جمال، وأحمد ربيع معاونا مباحث مركز شرطة ببا، اللذان اهتما وتعاطفا معي وخرجا يبحثان عن نجلي وأنا معهما في شوارع المدينة، ثم لجأ رجال المباحث إلى الكاميرات في الشوارع وتمكنا من تحديد خط سيره، منذ لحظة دخوله محطة سكة حديد مدينة ببا ثم ركوبة القطار، الذي تحرك حتى مكان تواجده في محطة سكة حديد رمسيس، لا أنكر أنني شعرت بالقلق، ولكن رجال الشرطة فورًا بمديرية امن بني سويف كانوا يتواصلون مع مباحث محطة سكة حديد رمسيس، وتم تحديد مكان نجلي آدم، وفي لحظات قليلة كان رجال الشرطة بمحطة قطار رمسيس أبلغونا أن الطفل صار بحوزتهم ولم يمسسه سوء، بعدها تم إرسال مأمورية من مديرية أمن بني سويف إلى محطة سكة حديد رمسيس بالقاهرة، وعندما شاهدت نجلي في محطة سكة حديد رمسيس، بكيت وسجدت لله شاكرًا على العثور على ابني آدم سالمًا، واصطحبته انا ووالدته مع مأمورية مديرية أمن بني سويف وعدنا به إلى منزلنا في مدينة ببا ببني سويف.

مع آدم

ما الذي ممكن أن نتخيله لطفل لا يتعدى عمره 4 سنوات أن يقول عن هذه المغامرة التي لم يقصدها بكل تأكيد؟!، بلاشك لا نطلب منه أن يدافع عن نفسه فقط أن نسمع صوته، ابتسمت في وجه آدم وداعبته قائلا: «كنت رايح القاهرة تعمل أيه يا آدم»؟، نظر الطفل إلينا مبتسمًا ثم أسرع يرتمي في حضن أبيه وببراءة قال لنا بكلمات وعبارات متقطعة كان نفسى اتفسح بالقطار.. وأنا كنت بدوّر على بابا وبعدين مشيت لوحدي، كنت فاكر إني هرجع  له تاني بسرعة، بس لقيت ناس كتير، وصوت عالي قوي، دخلت القطر عشان كنت عايز أركب زي الناس اللي بتركب، بس القطر مشي بيا وأنا مش عارف أنزل».

«وقعدت أعيط مفيش حد أعرفه، وكل الناس غريبة أنا كنت عايز ماما وبابا، كنت عايز أروح البيت».

«القطر وقف في مكان كبير أوي وأنا كنت مرعوب، كنت ماسك في هدومي وبعيط، وبقول أنا عايز بابا، عايز ماما، واحد جه كلمني وقال لي متخافش ياحبيبي، بس أنا كنت خايف برضه».

«ولما نزلت معاه وهو ماسك ايدي خدني وسلمني لعمو الضابط، اللي طبطب عليا وقالي ماتخفش يا آدم بابا وماما جايين ياخدوك دلوقتي».

«أنا خلاص مش همشي لوحدي تاني، لأني كنت خايف أوي». 

وفي النهاية وجه والد الطفل الشكر لقيادات مديرية أمن بني سويف على سرعة التحرك لتحديد مكان نجلي آدم، كما وجه الشكر للرائدين محمد جمال، واحمد ربيع معاونا المباحث على سرعة التعامل مع بلاغي ونزولهم معي للشارع للبحث عن نجلي آدم، كما وجه الأب شكره إلى رجال مباحث محطة سكة حديد رمسيس على حسن رعايتهم لنجلي أثناء تواجده في المحطة قبل أن نعثر عليه ونعود به إلى المنزل.

اقرأ  أيضا: القبض على المتهم بالتعدي على «مسن» في بني سويف| فيديو 

;