بسبب خلافات عائلية .. حكاية عجوز انتهت حياته غدرًا

الضحية
الضحية


الغربية‭ : ‬ماجدة‭ ‬شلبى

  في قرية هادئة على أطراف مركز زفتى حيث يعرف الناس بعضهم بالاسم وتتشابك الحكايات بين البيوت الطينية القديمة لم يكن أحد يتخيل أن صباحًا عاديًا سيتحوّل إلى واحدة من أكثر القصص وجعًا وقسوة؛ قصة بدأت ببيع (جاموسة) وانتهت بجريمة هزّت القلوب قبل العقول.

كان (الحاج أحمد بكر) رجلًا في السادسة والسبعين من عمره يعيش أيامه الأخيرة في بساطة شديدة خفيرًا نظاميًا بالمعاش عرفه أهل القرية بالهدوء والالتزام لا يفتعل المشكلات ولا يدخل في خصومات. كان بيته الثاني في زمام القرية ملاذه الخاص يهرب إليه من صخب الحياة ويقضي فيه معظم وقته بين ذكرياته القديمة وأيامه التي تمضي ببطء.

قبل أيام قليلة من الحادث باع الحاج أحمد (جاموسته) التي كانت تمثل له مصدرًا للرزق ورفيقًا صامتًا لسنوات طويلة لم يكن البيع مجرد صفقة بل كان أشبه بقطع جزء من حياته لكنه اضطر لذلك  لحاجة ملحة. 

لم يكن الرجل المسن يعلم أن هذا القرار البسيط سيكون الشرارة التي ستنهي حياته بطريقة مأساوية.

في صباح اليوم المشئوم خرجت ابنته كعادتها لتطمئن عليه كانت الطرقات هادئة والهواء يحمل برودة خفيفة وكل شيء يبدو طبيعيًا لكنها عندما وصلت إلى المنزل شعرت بشيء غريب باب نصف مفتوح وصمت ثقيل يخيم على المكان. نادت عليه أكثر من مرة لكن لم يجبها أحد.

خطت خطوات مترددة إلى الداخل وقلبها يخفق بسرعة غير معتادة ومع كل خطوة كان القلق يتضخم داخلها حتى وقعت عيناها على المشهد الذي سيظل محفورًا في ذاكرتها للأبد والدها مسجى على الأرض بلا حراك والدماء تحيط برأسه.

الفاجعة

صرخة واحدة مزقت سكون القرية..،

تجمع الأهالي في لحظات وتحولت الهمسات إلى صدمة جماعية، لم يكن مجرد موت بل جريمة واضحة المعالم آثار ضربات على الرأس والوجه بعنف لا يليق برجل مسن وكأن الجاني لم يكتفِ بالقتل بل أراد أن يفرغ غضبًا دفينًا.

لم تتأخر قوات الأمن في وقت قصير وصلت قوة من مباحث مركز زفتى بقيادة العقيد محمد صقر رئيس فرع البحث الجنائي بزفتى والسنطة يرافقه المقدم حسام قطامش، والمقدم محمد سرحان انتشر رجال المباحث في المكان يلتقطون الخيوط الأولى للجريمة بينما كان الصمت يسيطر على الجميع وكأن القرية بأكملها تحبس أنفاسها.

نقل الجثمان إلى مشرحة مستشفى زفتى العام لكن الأسئلة بقيت معلقة في الهواء: من يفعل هذا برجل عجوز؟ ولماذا؟

بدأت التحريات تكشف شيئًا فشيئًا عن خيوط معقدة لم تكن مجرد سرقة عابرة بل حكاية مشحونة بالمشاعر السلبية والغضب والرغبة في الانتقام.

مفاجأة التحريات

لم تمر ساعات طويلة حتى ظهرت المفاجأة الصادمة؛ المتهمان لم يكونا غرباء بل من داخل الدائرة الأقرب.

(حنان) طليقة نجل المجني عليه، سيدة في التاسعة والثلاثين من عمرها ومعها ابنها من زيجتها السابقة(إبراهيم) شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة، أسماء كانت معروفة داخل القرية وجوه مألوفة لكن ما خفي داخل النفوس كان أخطر بكثير مما يتخيله أحد.

بمواجهتهما انهارت الحواجز سريعًا واعترفا بتفاصيل الجريمة.

لم يكن الدافع سرقة فقط رغم أن المال الذي حصل عليه المجني عليه من بيع الجاموسه كان حاضرًا في المشهد كان هناك شيء عمق الشعور بالمرارة والغضب بين الأهالي.

قالت التحقيقات: إن المجني عليه كان قد شجع ابنه على الزواج مرة أخرى بعد طلاقه من (حنان) قرار ربما رآه الرجل عاديًا لكنه في قلبها تحول إلى جرح لم يندمل وإهانة لم تُغتفر ومع مرور الوقت تحوّل هذا الشعور إلى رغبة مظلمة في الانتقام.

في ليلة الجريمة تسلل الاثنان إلى منزل الرجل المسن لم يكن يتوقع خطرًا ولم يغلق أبوابه خوفًا فالثقة كانت عنوان حياته لكنه دفع ثمنها غاليًا.

دار حديث أو ربما لم يدر أحد كيف بدأت اللحظات الأخيرة لكن ما هو مؤكد أنها انتهت بعنف شديد ضربة تلو الأخرى بجسم صلب أو آلة حادة حتى سقط الرجل أرضًا بلا حول ولا قوة.

لم يكتفيا بذلك، فبعد أن خفت أنفاسه سرقا ما بحوزته من أموال في مشهد يجمع بين القسوة والطمع وخرجا من المنزل كما دخلاه تاركين خلفهما جسدًا بلا روح وقرية ستظل تتحدث عن تلك الليلة طويلًا.

ضبط المتهمين

لكن الحقيقة لا تختبئ طويلًا؛ جهود المباحث وتحريات رجال الأمن كشفت الخيط تلو الآخر حتى تم القبض عليهما، لحظة القبض لم تكن مجرد إجراءً قانونيًا بل كانت لحظة انكشاف كاملة حيث سقط القناع عن جريمة جمعت بين الانتقام والجشع.

عاد الهدوء إلى القرية لكنه لم يكن هدوءًا طبيعيًا بل هدوءًا مثقلا بالحزن.

الناس لم تصدق أن الجريمة خرجت من بينهم من أشخاص كانوا يسيرون بينهم كل يوم، أصبح كل بيت يحكي القصة بطريقته وكل قلب يحمل جزءًا من الألم.

أما بيت الحاج أحمد فقد تحول إلى شاهد صامت على نهاية مأساوية، جدرانه التي كانت تحفظ ضحكاته صارت تحفظ آخر لحظاته وصمته الأخير.

في مشرحة المستشفى كان الجثمان ينتظر انتهاء الإجراءات بينما كانت النيابة العامة تواصل تحقيقاتها وتستمع إلى التفاصيل التي تكشف يومًا بعد يوم مدى قسوة ما حدث.

تحرر محضر بالواقعة وأمرت النيابة بحبس المتهمين أربعة أيام على ذمة التحقيقات مع ندب الطب الشرعي لتحديد السبب الدقيق للوفاة تمهيدًا لاستخراج تصريح الدفن وتسليم الجثمان لذويه.

لكن مهما كتبت التقارير ومهما قيل في التحقيقات تبقى الحقيقة الأهم: أن رجلًا عجوزًا عاش حياته في هدوء انتهت أيامه على يد من كان يفترض أن يكونوا أقرب الناس إليه.

قصة بدأت بجاموسة بيعت وانتهت بروح أُزهقت، قصة تكشف كيف يمكن للغضب حين يُترك بلا علاج أن يتحول إلى وحش، وكيف يمكن للطمع أن يعمي القلوب، وكيف أن أقسى الضربات لا تأتي من الغرباء بل من أولئك الذين نمنحهم ثقتنا دون خوف.

وفي النهاية لم يبقَ سوى سؤال واحد يتردد في أرجاء القرية:

هل كان يمكن أن تنتهي هذه الحكاية بشكل مختلف لو أن القلوب هدأت قليلًا؟!

اقرأ  أيضا: مباحث الغربية تنجح في كشف غموض العثور على جثة عامل دليفري مذبوحا

;