زهراء حسن
تعودت كل صباح أن تمر بوالدها فى شقته القريبة من شقتها، تضع له الشاى على الطباخ، تذكره بحبوب الضغط، تجلس معه ليفطرا صباحاً ويتحدثا، فى المساء تزور والدتها لتعد لها العشاء وكوب الشاى، وتظل عندها من السادسة مساءً حتى الثامنة.
مع والدها صباحاً تتحدث عن السياسة ومنصبها الكبير الذى وصلت إليه فى قائمة حزبها «حزب النمر» فى مواجهة «حزب الغضنفر»، أكبر حزب فى البلاد، فى المساء تحدث والدتها عن أخبار الفنانين وآخر أخبار الحب والزواج والانفصال عارضت والدتها وبشدة عملها فى السياسة، حيث قالت لها ذات مساء:
«كلهم كذابون، ستضيعين وسطهم».
لكنها غرقت فى السياسة، فى البحوث والتحليلات والنقاش، تلك كانت متعتها وشغفها، وحلمها فى إلقاء خطبة أمام الجمهور تعدهم فيها بتحقيق أحلامهم التى خاب فيها حزب الغضنفر.
انفصل والداها مذ كانت فى التاسعة، لكنهما قررا العيش متجاورين من أجل وحيدتهما كان قرار والدتها ألا تسمع أى خبر من هذا العالم عدا ما يتعلق بالفنانين وأخبارهم الخاصة، فقد قررت أن تعيش التفاهة كلها وتستمتع بها، لذا كانت الابنة تتابع أخبار الفنانين على وسائل التواصل وتبعث لأمها الروابط على الواتساب خوفاً من أن تكون الأم قد نسيت خبراً واحداً عنهم. أدمنت الأم وسائل التواصل الاجتماعى، بينما بقى الأب يستخدم الماسنجر والفيسبوك ويدخل فى مشاحنات سياسية غاضبة، يغلق حسابه أياماً يقول فيها: «لن أعود لمكب النفايات هذا»، ثم يتراجع بعدها ويعود إلى صفحته مرة أخرى.
أكملت كاثرين اجتماعها المبكر، كانت قد أعدت نفسها للذهاب إلى والدها. وصلت المعلومات لحزب الغضنفر عن اجتماع كاثرين المبكر ذلك الصباح، فقد ارتفعت شعبيتها عند الجميع، وهيأت فوزها بالانتخابات التى ستحصل بعد شهر. حزب الغضنفر، الحزب الأكبر فى البلاد وصاحب الهيبة، له صلات عميقة بالشرطة، بل إن الشعب كان يروى نكاتاً تتحدث عن اختراق حزب الغضنفر للشرطة والمخابرات فى بلاد (الواق واق)، حيث يتندر الشعب عليه قائلاً:
«محلات أحذية الشرطة والمخابرات لصاحبها حزب الغضنفر».
خرجت كاثرين من شقتها القريبة من شقة والدها، أغلقت الباب وذهبت سيراً على الأقدام. فى الطريق شاهدت ابن جارهم الصغير، ذا التسع سنوات، أدار ظهره لها وبصق فى الأرض بصقتين! أعادتها البصقة إلى ذاكرة قديمة ذاكرة توجعها كلما تذكرت الرسالة النصية التى وصلت لوالدها، فقد طلب منها أن تخرج من البيت وتنتظر، جارتهم، ثم تدير ظهرها وتبصق على الأرض.
فتحت الباب بالمفتاح، فقد منحها الوالدان أقفال بيتيهما لتأتى وقتما تشاء. أعدت الشاى وفطور الصباح من الجبن والزيتون الأسود، وجلسا على الطاولة. سألت والدها:
أبى، هل تذكر المرة التى قلت لى فيها:
اذهبى وابصقى على الأرض إذا مرت جارتنا زعيمة حزب النمر؟
صمت الوالد قليلاً وتذكر تلك الحادثة، ثم أجابها وهو يرتجف:
-نعم
أراد إكمال فطوره وإبعاد هذه الذكرى عن مخيلة ابنته، فلم يكن يحبها، لكن الابنة أصرت أن تعرف، قالت له:
-لماذا بعثتنى لأبصق على الأرض عند مرور تلك المرأة؟
صمت الأب وشعر بضيق يعترى صدره، ثم أجابها:
-لم أكن أنا!
قالت له غاضبة:
-من كان إذن؟
أجابها وهو يعرف أن هذا الصباح لن يكون كأى صباح، فقد ابتدأ بسؤال أزعجه، وهو يعرف ابنته حين تريد معرفة شىء فستعرفه حتما، قال لها:
-الشرطة والمخابرات أرادت ذلك
صرخت بأعلى صوتها:
-البوليس والمخابرات يستخدمون بنت التاسعة؟! يعملون ضد القانون
قال لها:
-اهدئى يا ابنتى، سأحدثك بالقصة كاملة. جارتنا كانت زعيمة حزب النمر، ثانى أكبر حزب فى بلاد الواق واق، حزب الغضنفر وزعيمته جروا البلاد إلى حرب طويلة مع الجوار. اتفقت زعيمة ذلك الحزب مع الشرطة ورشتهم، وكانوا يتقاسمون الغنائم فيما بينهم، والكل يعرف أنها صارت أشهر تاجرة حرب. زعيمة حزب النمر وعدت أنها ستنهى الحرب ما إن تستلم السلطة، لكن حزب الغضنفر الحزب الأكبر، حيث تسيطر الزعيمة على الشرطة بكل قراراتها، أرادوا الإطاحة بها. كانت جارة لطيفة، نتحدث كل يوم فى السياسة وكنت سأنتخبها. بعد اجتماعها الأول تبين أن الشعب سينتخب حزب النمر، وحزب الغضنفر يريد الفوز وزعيمته لا تطيقها
وتابع الأب:
طلب حزب الغضنفر من الشرطة وضع هذه المرأة تحت المراقبة، بعد وشايات مرتبة من أعضاء فى حزب النمر تمت رشوتهم، اتهمتها زعيمة حزب الغضنفر بشتى الاتهامات، من مجنونة إلى لا ندرى ماذا ستفعل، وقالوا للناس: عليكم بإشغالها طوال الوقت لتلهى عن بلاد الواق واق ولا تدس أنفها فى الحرب! بعثت الشرطة صورتها إلى كل البلاد وحذرت الجميع منها. صار لدينا مجموعة كبيرة على (الرسائل النصية) نبلغ بعضنا بعضاً بوقت خروجها ودخولها، أين تذهب وبمن تلتقى؟ حتى حين تدخل بيتها وتقفل بابها نكتب للجميع أنها فى البيت وأغلقت بابها!
وإذا خرجت من بيتها ليلاً، نضع مسجلاً يصرخ بأعلى صوته لتلتفت ونفزعها ونخيفها، وإذا فتحت شباك مطبخها نبعث جارتها لتطرق الباب عليها وتشغلها. بلَّغنا كل شباب وشابات البلاد، صغارها ومسنيها، بالسير خلفها على شكل جماعات، خصوصاً صاحب المحل القريب من بيتنا الذى لم تعد له مشكلة فى العالم سواه
فزعت كاثرين وارتعدت فرائصها وهى تنظر إلى أبيها فقال:
-لا تنظرى لى هكذا، البوليس مخترق للنخاع من قبل حزب الغضنفر. طلب منا أن نبعث بالصغار ليبصقوا فى الأرض كلما مرت، فالصغار لن يحاسبوا والقانون حبر على ورق. فعلنا كل هذا بها دون دليل، حين تخرج كان الجميع يخرج معها، لم تكن يوماً وحدها فى الشارع. كنا نكتب: (خرجت من البيت)، فيخرج أحد يسير وراءها وآخر أمامها، وفى الشقق العالية يراقبون ما يجرى ويكتبون لنا.
كنا نبعث من يوقفها فى الطريق إذا كان لديها اجتماع هام لنؤخرها، لتبدو مهملة فى نظر الجميع. وإذا ذهبت إلى السوق نبعث من يقف أمامها ليلهيها عن المعجبين كى يكرهها الجميع، ونبعث من يقف خلفها قريباً جداً ليصطدم بها كى تلتفت وتتكلم معه، كان الهدف إشغالها بأمور أخرى كى تسقط فى الانتخابات وتبدو مجنونة، وإذا ردت على أحدهم نبلغ الشرطة فتأتى بسياراتها لتفزعها. بثثنا الكراهية ونشرنا عن جنونها الكاذب.. لكن الأدهى ما جرى بعد ذلك.
اغرورقت عينا كاثرين بالدموع وسألت والدها:
-كنت تعلم أن كل هذا كان كذباً مرتبا
تنهد الوالد وشعر بتعب فى صدره:
-الجميع يعرف حقد زعيمة حزب الغضنفر عليها وغيرتها منها لا تنام الزعيمة قبل أن نكتب لها إن جارتنا فى بيتها. الجميع يعرف شراسة تلك المرأة السامة، لُقبت ذات يوم بالمفترسة، حتى إن أسطورة تروى عنها بأنها قبل أن تكون إنسانة كانت وحشاً يفترس كل من يقول لا أو ينافسها. الكل يعرف أن هذا كان كذباً كبيراً، لم تكن زعيمة حزب النمر شريرة أبدا، كانت تريد أن تبنى وتوقف الحرب
أجابت والدها بغضب:
-الكل يعرف أن هذا كذب، والكل سار خلف الشرطة وحزب الغضنفر؟!
أجاب الأب وعيناه تفيضان بالدمع:
-كان الأمر ثقيلاً يا ابنتى، لكنى لم أستطع أن أقول (لا) أبداً
سألت كاثرين:
-ما الذى جرى لها بعد ذلك؟
كانت تخرج للتسوق ليلاً، وكنا نبعث الرسائل: (خرجت ليلاً). كانت خطة الشرطة أن يمر شخص بالقرب منها دون أن تشعر حتى تفزع ولا تخرج ليلاً، لكنها لم تأبه وظلت تخرج
صمت الأب واختنق صوته، فنظرت إليه كاثرين وقد بدا عليها التعب: -أكمل يا أبي
ذات ليلة خرجت، وكان من الواضح أنها مخنوقة وعيناها دامعتان، رأيتها من خلف النافذة المطلة على الحديقة، رأتنى ورفعت يدها بالسلام فلم أرد، كانت النوافذ كلها مفتوحة يراقبون قربها من نافذتى، ورجال المخابرات يراقبوننى ويهددوننى بأعينهم، أرادت أن تأتى وتتحدث معى لكننى أغلقت الستائر، طرقت الباب فتعمدت إغلاقه بالمفتاح كى لا تعود مرة أخرى، بلغنا الجميع، فجاءت خطة الشرطة بأن يسير خلفها أحدهم بعربة تسوق.
قاطعته كاثرين:
-تُم فعل كل هذا دون دليل؟!
أجابها:
-كانوا يريدون إيقاعها وجلب دليل لتسقط فى الانتخابات! أكملى يا ابنتى.. (اصفر وجه الأب وهو يكمل): كانت تسير ولم تدرِ أن أحداً يسير بعربة تسوق خلفها، الشارع فارغ، مر بمحاذاتها فصرخت فزعة، وقعت على الأرض.. وماتت
أجهش الأب بالبكاء:
-لو كنت فتحت لها الباب فى تلك الليلة لربما لم تمت، لكنى لم أجرؤ، خفت عليكِ.
صرخت كاثرين:
-ماتت؟! قتلتموها؟!
ظل الأب يبكى:
-لم نكن نحن.. حزب الغضنفر وزعيمته والشرطة اتفقوا عليها، عزلها الجميع
أجابت كاثرين بحدة:
-أنتم من شاركتم ونفذتم الجريمة
ازدادت نبضات قلبها وسألت:
-ماذا جرى بعد ذلك؟
-عملنا لها جنازة مهيبة، سرنا خلفها جميعاً
قاطعته بغضب شديد:
-قتلتموها وسرتم خلف جنازتها؟
أحنى الأب رأسه وأكمل:
-الشرطة أغلقت الموضوع واعتبرته قضاءً وقدراً، لكن أحدهم عرف الحقيقة ولم يستطع السكوت، فتح ملف حزب الزعيمة. وصل الأمر لجهات عليا، فاختلفت الشرطة فيما بينها، انتحر أحدهم بعد كشف الأوراق والرسائل. أما زعيمة حزب الغضنفر فقد هربت من البلاد حاملة حقائب الذهب والمال، ولا أحد يعرف أين هى، لكن يقال إنهم رأوها فى المقبرة تقف عند قبر زعيمة حزب النمر تقرأ اسمها لتتأكد أنها ماتت فعلاً!
قاطعت كاثرين والدها:
-هذه مريضة ومختلة عقلياً
لم تستطع البقاء فى البيت، لم تستطع النظر إليه وهو يروى كيف أغلق نافذته فى وجهها. خرجت باكية وقاطعت والدها لأيام، فى اليوم الخامس رق قلبها له، خافت أن يمرض قلبه، ذهبت إليه صباحاً وأعدت الفطور. جلسا يتحدثان عن حزبها وفوزها الساحق، لكن الأب عاد وسألها:
-ما الذى ذكركِ بتلك البصقة التى طلبت منكِ تنفيذها؟
أجابته وهى تضع كوب الشاى على الطاولة:
-بصقة الصغير ابن جارنا وأنا أخطو بقدمى إليك
شَرِق أبوها فى لقمة الخبز التى وضعها فى فمه.
زاد
الحبُ
ناظم حكمت







