أسامة كمال أبو زيد
مرت خمسة وأربعون عامًا على رحيل صلاح عبد الصبور (1931–1981)، وما تزال قصائده تتوهج في وجداننا كأنها كُتبت أمس عاش أقل من نصف قرن، ثم انطفأ فجأة، لكن ما تركه من الشعر جعل الغياب نفسه شكلًا من أشكال الحضور.
كأن العمر القصير كان كافيًا ليضيء زمنًا كاملًا. لم يبدأ الطريق عنده من الشعر مباشرة، بل من فضول معرفي واسع قاده إلى السرد والفلسفة والتأمل.
كانت الفنون كلها تبدو أمامه أبوابا مفتوحة، لكنه ما لبث أن اكتشف أن الباب الذي يقوده إلى أعماقه هو القصيدة هناك فقط شعر أن صوته الحقيقي يمكن أن يولد، وأن الإنسان الذي بداخله يجد لغته. منذ تلك اللحظة لم تعد الكتابة هواية، بل قدرا.
في تكوينه الأول عاد إلى ينابيع التراث العربي، يقرأ الجاهليين ويصغي إلى أصداء الحكمة القديمة توقف طويلًا عند أبو العلاء المعري، ذلك الشيخ الكفيف الذي أبصر الوجود بحدة لم يملكها المبصرون. ومن المتنبي أخذ كبرياء الشاعر الذي يخفي جرحًا داخليًا، ومن أبو تمام تعلّم صرامة الصورة وقوة البناء لكن روحه لم تبقَ في الماضي.
حين اقترب من الشعر الحديث وجد نفسه مأخوذًا برهافة إبراهيم ناجي وبذلك الحزن النبيل الذي يسكن قصائده، كما استوقفه صوت محمود حسن إسماعيل الذي جعل اللغة العربية كأنها نهر من الموسيقى والرؤى كان يشعر أن هؤلاء مهّدوا له الطريق، لكنه كان يدرك أيضًا أن عليه أن يذهب أبعد.
ثم اتسعت قراءاته لتشمل الأدب الغربي عند بودلير تعلّم كيف يمكن للشعر أن يستخرج الجمال من قلب الظلمة، وعند لوركا اكتشف كيف يمكن لصوت الشعب أن يتحول إلى غناء يقاوم الموت، أما كافكا فقد فتح له أبواب المتاهة الإنسانية حيث يقف الإنسان وحيدًا أمام قدره، بينما أضاءت تجربة اليوت أمامه فكرة القصيدة بوصفها مسرحًا للروح والجماعة في آن.
هكذا تداخلت في تجربته منابع متعددة: تراث عربي صلب، وحداثة غربية قاسية، حساسية غنائية رقيقة، ونزعة فلسفية تبحث عن معنى الوجود.
لم يكن يرى الشعر زينة لغوية ولا ترفًا ثقافيًا، بل تجربة وجودية كاملة كان يؤمن أن الكلمة فعل، وأن الشاعر لا يكتب قصيدة فحسب بل يكتب حياته نفسها. لذلك لم يكتف بالقصيدة الغنائية، بل اتجه إلى المسرح الشعري، كأنه يريد للكلمة أن تغادر الصفحة وتدخل مواجهة مباشرة مع العالم في مسرحياته (مأساة الحلاج، مسافر ليل، الأميرة تنتظر، ليلى والمجنون، وبعد أن يموت الملك) تحولت الخشبة إلى مساحة درامية تكشف علاقة الإنسان بالسلطة والخوف والحرية.
لكن الدراما الحقيقية في حياة صلاح عبد الصبور لم تكن كلها على المسرح. فقد عاش حياته في منطقة شديدة الحساسية بين الشاعر والواقع لم يكن خطيبًا سياسيًا يرفع شعارات الرفض، ولم يكن شاعر سلطة يغني للزعيم كان يؤمن بأن التنوير يمكن أن يمر عبر الكلمة العميقة لا عبر الصراخ. لذلك كان يقول إنه يتكلم بالأمثال لأن الكلمات العارية قد تكون أقسى من أن تُقال مباشرة. كان يفضّل الرمز والإيحاء، لا هروبا من الحقيقة، بل لأن الرمز — في نظره — قادر على كشفها بطريقة أبقى.
غير أن هذا الاختيار نفسه كان مصدر صراعه الداخلي. ففي أعماقه كان يدرك أن زمنه يطالب الشاعر أحيانا بأن يسمي الأشياء بأسمائها ويظهر هذا التوتر بوضوح في قصيدته الطويلة «الموت بينهما» من ديوانه الأخير الإبحار في الذاكرة هناك يقيم الشاعر حوارًا متخيّلًا بينه وبين خالقه: صوت عظيم يتكلم بآيات القرآن، وصوت واهن يجيب بصوت الشاعر المتردد. يسأل الشاعر: أين عطائي؟ ويعترف أنه يقف بين بابين، بين الرغبة في المواجهة والخوف من ثمنها.
وحين يكلَّف رمزًا بأن يسمي الأشياء بأسمائها، يتراجع صوته المرتجف: هل أدعو الشر باسمه؟ هل أدعو القهر باسمه؟ ثم يعترف في النهاية: لا أقدر يا رباه. إنها لحظة إنسانية كاشفة لشاعر يشعر أن الحقيقة أثقل من أن تُحمل كاملة على كتفي إنسان واحد.
ولعل هذا الصراع الداخلي هو ما جعل شخصية الحلاج تحتل مكانًًا مركزيًا في مسرحه الشعري. فالحلاج في مسرحيته ليس مجرد متصوف تاريخي، بل صورة للشاعر الذي يحاول أن يقول الحقيقة بالكلمات وحدها. وحين يُصلب الحلاج في بداية المسرحية تأتي جماعة الصوفية لتقول عبارتها المفجعة: نحن القتلة… أحببناه فقتلناه… قتلناه بالكلمات. كأن الشاعر كان يلمح إلى مأساة المثقف الذي يُترك وحده أمام كلماته.
وفي مساء من أمسيات عام 1981 بدا أن الدراما المكتوبة على الورق تنتقل فجأة إلى الحياة. كان صلاح عبد الصبور يجلس في سهرة ودية في بيت الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، بين عدد من أصدقائه المثقفين مثل جابر عصفور وأمل دنقل وبهجت عثمان. كانت جلسة عادية يفترض أن يسودها الدفء، لكن الحوار احتدم فجأة حول مواقفه في تلك اللحظة السياسية المضطربة. وفي لحظة توتر قيلت عبارة جارحة تتهمه بأنه باع القضية من أجل المناصب. سقطت الجملة على قلب كان يحمل أسئلته منذ زمن طويل. لم يحتمل قلبه ذلك الثقل، فأصابته أزمة قلبية حادة رحل بعدها بساعات قليلة.
هكذا بدا المشهد الأخير كأنه ذروة مأساة إنسان عاش حياته كلها في حوار متوتر مع الكلمة. شاعر رقيق الحس، يبحث عن الحرية دون أن يفقد إنسانيته، ويحاول أن يوازن بين الرمز والمواجهة من طفل مأخوذ بسحر الموسيقى، إلى شاعر كبير يحاور الله في قصيدته، إلى إنسان يسقط فجأة وسط أصدقائه في لحظة قاسية من لحظات التاريخ.
انطفأ القلب، لكن الكلمات بقيت وربما كان هذا هو العزاء الوحيد الذي تمنحه لنا الشعرية: أن حياة كاملة يمكن أن تُحرق، لتتحول في النهاية إلى قصيدة لا تموت.
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
بعد احتلال قلعة الشقيف الأثرية بجنوب لبنان: الإنسانية تفقد تراثها






