عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»

د. عبدالله إبراهيم
د. عبدالله إبراهيم


على حسن الفواز

باتت أطروحة المركزية الغربية من أكثر الأطروحات غموضًا والتباسًا وإثارة للأسئلة، لأنها تعنى الحديث النقدى عن الهيمنة، وعن العلاقة مع الآخر الفاعل، الذى يملك أدوات السلطة/ القوة والخطاب، والذى يملك مخابر صناعة المعلومات والأخبار، والمجال التداولى لمفاهيم الدولة والاقتصاد والجيوبوليتكا، تلك التى تُسهم فى صياغة محتوى مفهوم المركزية، ليس على وفق المرجعيات الهيجلية المتعالية فحسب، بل على أساس تكريس تمثيلها لمفاهيم الأيديولوجيا والسياسة والثقافة، بوصفها تمثيلات نظيرة لنظام السيطرة، وفاعليات المراقبة والهيمنة.

مقاربة الدكتور عبد الله إبراهيم حول مشروع «نقد المركزية الغربية» وضعتنا إزاء مجال التعرّف على الحمولات المعقدة لهذه المركزية، وعلى سياسات تداولها، وفرضيات تأطيرها، على مستوى آليات فحص مقولاتها ومفاهيمها ومصطلحاتها، وتمظهراتها، وعلى مستوى مقاربة اشتباكها مع ثنائية المماثلة والمطابقة مع الغرب السياسى والإيديولوجى والدينى، أو مع المختلف الذى يضمر رغبة بتقويض تلك المركزية ومساءلتها، من خلال تمثيل متعسف لمفاهيم التنوير والإصلاح والحداثة، والايهام بترسيم علاقتها بالبنى الحاكمة التى تخص موضوعات الدولة والمؤسسة والقانون والنظام.
● ● ●
لا شك أن المركزية الغربية استندت منذ النهضة الفنية فى إيطاليا، والثورة الصناعية فى بريطانيا، وحركة الحقوق والأنوار والإصلاح الدينى فى ألمانيا، والثورة الفرنسية، على «نظام معرفى» وعلى مؤسسات ونُظم سياسية واقتصادية وحقوقية، لكنها تحولت فى مراحل لاحقة إلى وقائع متضخمة، وإلى استعمارات وحركات تبشير واستعباد، وإلى دول سياسية تملك رساميل ضخمة، وترسانات للقوة جعلتها تتحكم بإدارة العالم، وبناء ستراتيجيات كبرى لها مؤسساتها، ولها سلطتها فى صناعة الخطاب، وفى إدامة صناعة القوة، وعبر توسيع المشاريع ذات المرجعيات العسكرية والأيديولوجية، وذات السياسات التى يتعزز فيها مفهوم الهيمنة، ومفهوم الإشباع الرمزى والمادى، عبر التوسع فى استعمالات المراقبة والقوة ونظم المعلومات والاخبار والاستهلاك..
كُتب عبد الله إبراهيم عن «المركزية الغربية: إشكالية التكوّن والتمركز حول الذات» و«الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة» تأخذنا إلى إجراءات متقابلة للنقد، وإلى علاقة هذا التقابل بتمثيل الأنموذج، والأنموذج المضاد، فإشكالية إعادة النظر بالتمركز تعنى إعادة النظر بـ«المرجعيات المستعارة» التى صنع سردياتها التمركز الغربى، بما فيها سرديات السياسة والأيديولوجيا والعولمة والثقافة، بوصف أن فعل هذه الثقافة- هنا- هو بداية الوعى، أو تمثيل شفرته بـ«الهوية»، وما تمثله من «مركزية محلية» أو عصاب قومى أو دينى، يدعو إلى النظر إلى مفهوم «الغرب» الذى صنعته السياسة والفلسفة والتاريخ، وليس إلى الغرب الذى صنعه الاستعمار، والذى تكرس من خلال تمركزات الحرب والعنف والأيديولوجيا والاستهلاك، قبالة الرثاثة فى الانفتاح على حوارات حقيقية مع الآخر ومع ثقافاته المتعددة، ليس عبر فكرة «التابع الذى يتكلم» كما طرحته غياترى سبيفاك، بل عبر وعى نقدى، وعبر مؤسسات واستعمالات تتبنى أنسنة الخطاب، وأنسنة الذات القومية/ الذات الهوياتية بعيدا متخيلها المتورط بثنائيات الهويات القاتلة والمقتولة.
● ● ●
تمثيل الآخر فى الوعى الثقافى، وفى أطر تضخم المركزيات لن يكون سهلا، فهذا التمثيل لن يكون آمنا، لأنه سيظل خاضعا إلى مشروع الهيمنة، وإلى مدى ما تصنعه من أفكار، ومن بنى صيانية، ومن تكّونات لها القدرة على مواجهة وتمركز الآخر فى التاريخ، وفى الخطاب، وفى القوة، فالمعرفة بالذات لا تكفى وحدها لتغذية فعل الإزاحة، لأن هذه المعرفة ستحتاج إلى سياقات، وإلى فاعليات، وإلى أدوات، وإلى منهجيات، وإلى إرادة ونظم اقتصادية وتعليمية وسياسية تتأطر من خلالها إجراءات التعاطى مع المركزيات الكبرى، كما أن فضح الآخر، وتحويل التابع الثقافى إلى «بطل قومى» أو إلى جعله يتكلم لن تكون بريئة، فى مواجهة أزمة «الثقافات المحلية» ومشاكلها الأنثربولوجية، وفى السياسات التى تديرها، وهوسها العصابى والأيديولوجى فى صناعة مركزيات مأزومة، تنظر للآخر بوصفه «عدوا دائما» وأن الكلام الذى سيتحدث به التابع سيكون مسكونا بأشباح التاريخ، وبوعى «شقى» له تناقضاته العميقة، وأسئلته الوجودية الحادة.
● ● ●
صحيح أن مشروع عبد الله إبراهيم حول «نقد المركزية» من أكثر المشاريع إثارة للجدل، لكنه تحول بالتواتر إلى مجال معرفى وتاريخى، يمتد إلى آليات صناعة الخطاب، أو صناعة الفاعليات المعنية بربط الخطاب بالقوة، وبتوصيف العلاقة مع الآخر المختلف، الذى وجد فى المركزية رهانا «تاريخيا» على أن القوة لا تعنى العسكرة والاستعمار فقط، بل تعنى الحضارة أيضا، بوصفها إنقاذا للتابع من هامشيته، وهذا الأمر سيظل إشكاليا، فى التوصيف، وفى تحديد المرجعيات، لأنه سيقوم على أساس تمثيلى قلق لثنائيات غير آمنة ومتناقضة، تخص المركز والهامش، القوى والضعيف، البطل والسنيد، وصولا إلى ثنائية الشرق والغرب.
الخطاب النقدى للاختلاف، هو جوهر مشغل عبد الله إبراهيم فى نقد المركزية، لأنه ينفتح على مشاغل خلافية ثقافية وأنثربولوجية، على مساءلات تخص التاريخ والسلطة والاجتماع، ورغم أن هذه المقاربات ليست بعيدة عن الأيديولوجيا، لكنها تحولت إلى إجراءات نقدية، تخص التأسيس على موضوع الاختلاف، بوصفه موضوعا ضديا، يرفض التماثل الذى جعل منه جيل دولوز أداته المعرفية والنقدية فى رفض الثبات، وتحرير الفكر من قيود «المراكز اللا واعية» والانفتاح على مجالات المعرفة الجديدة، بوصفها وعيا بالتجاوز وبتقويض المغلق والمتناهى.

الآخر وإشكالية المركزيات
إشكالية تمثيل الآخر فى الخطاب العربى، لا تعنى التعمد بالمواجهة مع المركزية الغربية، بقدر ما تعنى إمكانية فتح حوار متعدد المرجعيات، لكن ذلك لن يكون حقيقيا خارج وجود «مؤسسات» ومراكز بحوث، وقواعد نقدية للتعليم والتعلّم، مع وجود بيئة واقتصادات ثقافية مناسبة، وعلى نحوٍ تتيسَّر فيه إجراءات الفاعل الثقافى، فى إنجاز وظائف المراجعة والنقد، وفى إيجاد علائق معرفية، لا تقوم على الطرد، والطرد المقابل، بل على نحوٍ تتعزز فيه قوة النقد، وفاعليته فى الحوار، وفى تحليل خطاب الآخر، والذى سيتوازى مع التحرر من الأوهام العدائية والنكوصية، بما فيها «أوهام الهوية» و«الفحولة» و«المكان اليوتوبى» تلك التى تتحول إلى مركزيات لا وعية، ترتهن إلى عصاب السلطة والجماعة والنص/ الخطاب، وإلى تحويل الآخر إلى «عدو مقدس» حيث التكفير، وحيث تمثيله فى التابو النفسى والاجتماعى والطقوسى.
صياغة السؤال النقدى هو المحور الذى أعطى لمشروع عبدالله إبراهيم أهميته، وفاعليته، فى إعادة توصيف الآخر ومركزيته، على مستوى تمثيله فى ثقافتنا، والتى تكرست فيها «صورة التابع» وعلى مستوى البحث عن منهج نقدى، أو بالأحرى استراتيجيات نقدية، يمكنها المساهمة فى إعادة فحص خطاب الآخر، بوصفه خطابا للهيمنة، وللتعالى، والعمل على مأسسة هذا الإجراء، من خلال مؤسسات الجامعة، ومراكز البحث العلمى، وكراسى التخصص النقدى، وطبعا هذا لا يحدث دون وجود إرادة سياسية، تدرك خطورة التمثيل القاصر لمشروع الآخر.
إن فاعلية ذلك السؤال النقدى يرتبط بفاعلية تحليل مشروع الهيمنة،المشروع السياسى والطبقى، ومراجعة ما تكرّس عبره من سرديات للقوة، حيث سرديات الحروب الصليبية، وسرديات «مدافع نابليون»، وسرديات الاستعمار وسايكس بيكو، وسرديات النشوء الصهيونى، وسرديات الاستشراق، وانتهاء بسرديات «الشرق الأوسط الجديد» و«طريق براهما». 
ما بات ضاغطا فى تداول مفهوم المركزية الغربية ارتبط بالتخيل «السحرى» لهذا الآخر، المتعالى، والأبيض، و«الثابت» فى المخيال المثيولوجى، مثلما ارتبط بسلسلة من «الأوهام» التى كرسته بوصفه خزانا معرفيا، ومعسكرا صيانيا للأفكار، حيث التعالى الغربى، وحيث «الأوربة» التى جعلها هيغل مركز العالم، وحيث الفلسفات الغربية التى تحولت هى الأخرى إلى مهيمنات معرفية تجوهرت حول «الذات المفكرة الغربية» عند ديكارت، وحول «الواجب الغربى» عند كانط، و«العقل النقدى» عند ماركس، والموت اللاهوتى عن نيتشه، وليس انتهاء بأطروحات هابرماس حول «العقل التواصلى» و«المجال العام» بوصفه المجال المتعالى للبرجوازية الغربية.