عشت شريفاً وناضلت من أجل الناس وحلمت بغدٍ أجمل

سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:

سمير  عبد الباقى
سمير عبد الباقى


حوار وتصوير: صلاح البيلى 

سمير عبد الباقى، ظاهرة إبداعية متكاملة، شاعر عامية مصرى فحل من جيل تال لعمنا فؤاد حداد، وكان قد زامله فى السجن لخمس سنوات بداية من سنة 1959م وتعلم منه وكتب عنه. إنه أيضاً مسرحى كبير، كتب وأخرج وصمم العروض المسرحية، خاصة لمسرح العرائس والسامر وللأطفال، وهو كذلك رائد فى العمل الثقافى فى أكثر من موقع، فى مصر، وفى بيروت، وفى موسكو. يسارى واضح فى انحيازه للفقراء والمحرومين، دخل السجن فى زمن عبد الناصر والسادت، وكتب عن ذلك روايته «زمن الزنازين». مثقف اشتراكى من العيار الثقيل، طبع أغلب دواوينه على نفقته الخاصة، وآخر ما كان يطبعه قبل ربع قرن، مجلته «شمروخ الأراجوز»، وأصدر منها 75 عددًا، وضمت أزجاله السياسية، وكان يدور بها على المؤسسات الثقافية والصحفية والجمعيات الأدبية ليوزعها بنفسه، مقابل جنيه واحد لكل عدد، وكنت أحد من اشتروها مرارًا كلما مر علينا فى «دار الهلال». 
من عشرين سنة تدهورت حالته الصحية، واعتكف فى شقته بالدور الرابع فى شارع جزيرة بدران فى حى روض الفرج، وضرب حصارًا صارمًا على نفسه، ورفض إجراء الحوارات، أو استقبال أحد، ولكننى نجحت فى اختراق الحصار، فى جلسة امتدت لأكثر من ثلاث ساعات فتح لى فيها قلبه الأخضر. 
بعد ممانعة وعزوف عن الحديث، وسيطرة شعور اليأس والعدمية عليه، تحدث، وتحدث عن كل شىء، عن جذوره، ومسيرته، وعن واقعه الراهن اليوم، كان ممددًا على فراشه، يرتدى جلباباً أزرق، تخدمه فتاة سمراء، وكان كريمًا معى، قدم لى طبقًا من الحلويات الشرقية مع الشاى، وبدأ يحكى بسعادة، وساعدنى عندما طلبت منه التقاط عدة صور للحوار، ومنحنى غالبية كتبه الضخمة، دواوينه ومسرحياته، إنه مثقف وطنى وملتزم بامتياز، مثقف كبير، صاحب مواقف واضحة، لم يتلون، ولم يغير جلده مثل كثيرين، افتقدته الحياة الثقافية، ونعاه الجميع، ولكن بقيت كلماته طازجة، حية، صادقة، مؤثرة، فإلى تفاصيل الحوار.. 

قلت له بداية: سمير عبد الباقى اسم كبير، وواحد من المثقفين المصريين الأصلاء، حدثنا عن نشأتك وبدايتك مع عالم الكتابة والفن؟ 
أجاب بحسرة: يا أستاذ أنا نايم على السرير من عشرين سنة، وعمرى اليوم أكثر من 86 سنة، وكل مَن عرفتهم وشاركتهم الأحلام، وسُجِنت معهم، ماتوا، كلهم ماتوا، من فؤاد حداد، وصلاح حافظ، وحسن فؤاد، ومحمود أمين العالم، إلى صلاح عيسى، وغيرهم، اقرأوا تاريخنا وتاريخ نضالنا، اقرأوا ما كتبه صلاح عيسى عن تجربتنا فى كتابه «مثقفون وعسكر»، وغيره من كتبه، اقرأوا ما كتبه غالى شكرى، وغيره، الماضى مشى وانتهى، وأنتم تريدون أن تقولوا للزمان ارجع يا زمان، على رأى أم كلثوم! يبدو أن العالم كله نسانا وتجاوزنا، زمانى ولى، هل قرأتم كارل ماركس؟! إننا جيل قرأ كارل ماركس، وتنيسى ويليامز، وتشيخوف، وتولستوى، ومكسيم جوركى، والأدب الانجليزى، والأدب الصينى. كله راح، (اكنس بالمقشة)!
وتابع يقول فى فضفضة ذاتية: 
أنا ابن قرية ميت سلسيل التابعة لمحافظة الدقهلية، كانت قرية، ويقولون إنها أصبحت مدينة اليوم، والناس كلها قاعدة على الفيسبوك، وعايشة عليه، ولدت فى 15 مارس، سنة 1939م، لأب كان مدرسا، ولأم مصرية أصيلة، ست بيت، وخالى إبراهيم كان أزهريا يحمل شهادة العالمية من الأزهر، تربيت على الأصول، وكله اليوم قبض الريح، حبسنى عبد الناصر خمس سنوات من سنة 1959م حتى سنة 1964م، وكنت مع العظيم فؤاد حداد فى السجن، ثم حبسنى وزير الداخلية شعراوى جمعه ثلاثة شهور بعد ذلك، ثم حبسنى حسن مصيلحى من بعده، وحبست أيام انتفاضة 18 و19 يناير سنة 1977م، لقد كنا خلف عبد الناصر وهو يبنى مصر الحديثة من مصانع الحديد والصلب، وغزل المحلة، وغزل كفر الدوار، والسد العالى، ولكنه لم يكن ديمقراطيا، فضاع كل ما بناه، ثم جاء السادات، وعمل ما أسماه ثورة التصحيح فى 15 مايو سنة 1970م، وأسميناها انقلابا على نهج عبد الناصر، ثم تظاهرنا ضده فى 18 و19 يناير سنة 77، فحبسنا، ووصف ثورتنا بثورة الحرامية! 
وبعد أن كان لدينا رجال وقمم وأقلام وقضايا، أصبح كبار كتابنا هم: موسى صبرى، وثروت أباظة، وإبراهيم الوردانى، وغيرهم، فعزلت نفسى واكتفيت بما قمت به!

ولكنك موجود بيننا اليوم، ومن زرع مثلك لا يموت، فلِمَ الحزن والحسرة يا أستاذ سمير، ألست موجودا بما قدمت؟!
لماذا نكذب على أنفسنا، أنا انسحبت من الحياة العامة، ولكن كل شىء عنى موجود فى الكتب، وعلى جوجل وغيره من المواقع الإلكترونية، وكل شخص اليوم معه تليفون، ويعيش على فيسبوك إلا أنا، حتى جامع القمامة معه تليفون حديث، لأنه يكسب بالآلاف، ومن مآسى التكنولوجيا ومخاطرها، أن من صنعها، وشغلنا بها يستطيع فى غمضة عين إيقافها عن العمل، وقطعها عن جميع العالم، ولكن دعك من ذلك، هل لو سألنا كل مَن يحمل التليفون الذكى عن غزة وصراعنا مع العدو الإسرائيلى هل سيعرف تفاصيل ما جرى؟ هل يعرف الناس اليوم عمرو موسى؟ هل يوجد حلم عربى اليوم، كما عشنا وناضلنا من أجله؟ لقد فتت الاستعمار العالم العربى، وأشعل الحروب فى السودان وليبيا والصومال وسوريا ولبنان وغيرها، واليوم تدور المعركة من أجل تفتيت المفتت، ولمزيد من الهيمنة الصهيونية والرأسمالية الأمريكية على المنطقة!
كم عدد مؤلفاتك الشعرية والمسرحية والقصصية؟ 
أصدرت أربعين ديوانا، وثلاث روايات، إحداها باسم «زمن الزنازين» عن تجربتى فى المعتقل، وغالبية كتبى طبعتها على نفقتى الشخصية، وخرجت من عملى الحكومى الرسمى كمدير عام للتفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة، وكل الأسماء الثقافية مرت علىَّ، من جابر عصفور إلى عبد الرحمن الشافعى، كلهم تعلموا منا ومن جيلى، ومع ذلك كان وظل انتمائى لأرضى وناسى، ولم أكن يوما عميلا لأحد، ولم أقبض قرشا لا من معمر القذافى، ولا حافظ الأسد، ولا صدام حسين، كما فعل غيرى، حتى أن زوجتى نجلاء رأفت وهى الخبيرة فى مسرح العرائس تأخرت ترقيتها بسبب مواقفى السياسية، لقد طفت بمسرحيتى «فى حب مصر» كل البلاد العربية، كما طفت بها ربوع مصر، فمن يعرف ذلك؟
كنت صديقا لشعراء الأرض المحتلة من محمود درويش وسميح القاسم إلى توفيق زياد، وغيرهم، أكلنا وشربنا معا، ونمنا معا، وسهرنا معا، وكنا نهتف معا ضد الكيان الصهيونى، وهتفنا ضد الاستعمار الأمريكى، (يسقط الاستعمار الأمريكي)، ولم نكن نعلم أن الهيمنة الغربية بهذه القوة، كنا نظن أن الاتحاد السوفيتى والصين قادرتان على المواجهة، واتضح أن الصين معزولة داخل حدودها ومشروعها الخاص، والسوفييت يتحكم فيه رجال الأمن الأقوياء، كل جيلى تشتتوا وشغلوا المناصب ونسوا الكفاح القديم من محمود أمين العالم إلى جابر عصفور، ومنهم من سافر وهاجر مثل صلاح حافظ وحسن فؤاد وغيرهما، وكثير ممن هاجروا للمنافى نسوا أصولهم، فمن يكتب التاريخ الحقيقي؟! 
من يكتب التاريخ؟ 
يكتبه الأقوياء، ويجعلون من أنفسهم ملائكة هبطت من السماء، ويمسحون ما سواهم، أين السادات، وأين مبارك؟ إن الكيان الصهيونى يؤدب المنطقة كلها، وقتل فى غزة وحدها للآن أكثر من سبعين ألف شهيد، وإذا قتل من اليهود ثلاثة أقاموا الدنيا صخبا وضجيجا، إن هدف إسرائيل بناء الهيكل وحكم العالم من القدس، ومن أجل ذلك الهدف، هم على استعداد لقتل آلاف اليهود، فما بالنا بقتل ملايين من العرب!
لقد كنا زمان حين أسسنا اتحاد الكتاب سنة 1975م، دخلنا فى معارك شتى من أجل أن تكون لنا نقابة تعبر عنا كأدباء، وخضنا معارك كبيرة كتيار تقدمى ضد الرجعيين، وكانت لنا أحلام كبرى، وكنت أنتمى للغيطان والفلاحين والعمال، وكنت واحدا من عمال مصانع المحلة وكفر الدوار وحلوان، أحلامهم نفس أحلامى، حتى أن الجبهة المعارضة لنا من ثروت أباظة وغيره من الأسماء كانوا أصحاب ثقافة ويعرفون ماذا يفعلون، كانت الخادمة فى البيوت تقرأ، كنا نتناقش فى الحزب الشيوعى، ومع كل التيارات، وكان أصحابى من الشيوعيين من ميت سلسيل ودكرنس حتى البحيرة ودمنهور والإسكندرية، واليوم، سل أى شخص عن تاريخ مصانع حلوان والمحلة وكفر الدوار، لن يعرف عنها شيئا، فما بالك بغزة وما تتعرض له؟! 
إننى من مصر القديمة، وتركت لكم مصر الجديدة، أنا عدو للرأسمالية، والاستعمار الأمريكى، وزمان خضنا المعارك الثقافية ضد إبراهيم الوردانى، وثروت أباظة، وغيرهما، وكان معنا صلاح عيسى وعبد الفتاح البارودى، وقد حكى صلاح عيسى ذلك فى كتابه «مثقفون وعسكر»، وحكى معاركنا الثقافية، كان عندنا حلم، وكنا نقول: «بكرة أحلى وأجمل من النهاردة»، وللأسف صحينا على بلاوى ومشاكل، وتراجعت الثقافة، قل لى: أين المسرح؟ هل تعتبر ما يقدمه أشرف عبد الباقى، وأحمد مكى من هجص مسرحا؟! إنه ليس بمسرح، والتلفزيون أين الثقافة منه؟ إن كل البرامج تتحدث عن السمنة والنحافة والتجميل أو عن الطهى والمطبخ، لقد كتبت رباعية أخيرة من يأسى قلت فيها: 
تأتى الرياح بما لا يشتهى الفنان 
وإنت ريحك مواتية فى بركة الأحزان 
يا عم كفاياك ما دمت كدرتنا 
هوانت ناوى تحسرنا على الإخوان؟ 
للأسف القنوات التلفزيونية أصبحت تمجد فى الخرافة، وفى التنجيم وقراءة الطالع، والأبراج، وغيرها مما كنا زمان نسميها الكتب الصفراء، حتى القنوات الدينية تحدثنا وكأننا قاعدين فى خيمة فى الصحراء، والقنوات المحسوبة على الإخوان أشبه بكلاب مسعورة، لقد عشت مع الإخوان فى السجن، وعرفتهم عن قرب، وأكرههم وهم يكرهوننى، لقد كان معى الشيخ على سرور، ومصطفى العالم، وغيرهما، كنا لا نطيق بعضنا البعض، إنهم أغبياء فى السياسة، وقنواتهم كلها شتيمة وسب وقذف، وطين على دماغ الكل، وفى الناحية الأخرى أشاهد برامج الخرافات والتفاهة، فتتقلب علىَّ المواجع وأحزن، أين الثقافة الجادة؟ أين هويتنا؟ هل أصبحنا بلادا بلا ثقافة، وبلا هوية، لا عربية، وبحر أبيض متوسط، ولا مفكرون، ولا كتب قيمة، ولا أحد يقرأ؟ 
إننى حزين، وأشعر بأن كل شىء قبض الريح، انظر لكتبى ومكتبتى، على أفضل تقدير سوف تلقى لباعة الروبابيكيا، إننى توقفت عن الشعر من غيظى، ومما أراه وأسمعه يدور من حولى، وتأتينى فتاة خادمة من منطقة شعبية تخدمنى، إنها تكافح من أجل لقمة العيش، أين ذهب كل ما كافحنا فى سبيله؟! أين الحياة الكريمة والناس تعيش يومها بيومها، أين الأمل فى بكرة؟ 

الأمل موجود بدليل أننى من جيل آخر تال لك وأعرف قدرك، ومثلى كثيرون، ونحاورك لتصل كلمتك لكل الناس، لقد بثثت حزنك فى الفضفضة السابقة، فحدثنا عن مشوارك من البداية، وماذا أنجزت إبداعا ووعيا بالذات والوطن؟ 
كان خالى إبراهيم يصفنى بأننى ولد لا تهدأ له حركة، وقال لأبى: «أشغلوه بالدراسة»، كان أبى مدرسا فى مدرسة الشيخة للبنات، وألحقنى بكتَّاب القرية، ولكننى هربت منه بسبب قسوة سيدنا شيخ الكتَّاب، فأخذنى أبى معه للمدرسة التى يعمل بها. أمضيت بها عامين، ثم التحقت بمدرسة الجمالية الابتدائية، وحصلت على الشهادة سنة 1950م، وتفوقت وكنت أحد أعضاء فريق التمثيل فى المدرسة، واكتشفت عالم الكتب والقراءة فى مكتبة خالى إبراهيم، فقرأت «ألف ليلة وليلة»، وقصص الأنبياء، وروايات تاريخ الإسلام، و«حياة محمد» لهيكل، وغيرها من الكتب والمجلات، كما شغفت بالمداحين فى قريتى والقرى المجاورة للجمالية والمنزلة، وحصلت على التوجيهية سنة 1955م، وهى الثانوية القديمة، ثم جئت القاهرة والتحقت بكلية الزراعة فى جامعة عين شمس، وكنت آنذاك أقاوم مع أهل قريتى أثناء العدوان الثلاثى على مصر، وشكلت لجانا لاستقبال المهجرين من أبناء بورسعيد، وأصدرنا مجلة حائط، ومثلنا بعض مسرحيات المقاومة، وبعد العدوان، نجحنا فى إجراء انتخابات بالجمعية الزراعية، وأسفرت عن نجاح أول مجلس منتخب، ثم حاولت إعادة إصدار صحيفة «صوت الفلاحين» سنة 1959م فتم اعتقالى لأول مرة. 
كان شعار الصحيفة «الأرض والديمقراطية»، فاعتقلت لخمس سنوات، وفى المعتقل عرفت فؤاد حداد واقتربت منه، وانصهرت فى التجربة، واتسع وعيى بالذات والوطن، ونشرت أولى قصائدى فى مجلة للأطفال اسمها «الكروان»، كان نعمان عاشور رئيس تحريرها. 
وبعد خروجى من السجن سنة 1964م واصلت دراستى بكلية زراعة عين شمس، وأصدرت مجلة حائط، وتخرجت فى الكلية سنة 1966م، ووصلت الكتابة فى «الكروان» ومجلة «سمير»، ثم أصدرت ملحقا للأطفال بمجلة «صباح الخير»، باسم «حكايات صباح الخير»، علاوة على تحرير «بريد صباح الخير» بإشراف حسن فؤاد، وكنت قد عرفت صلاح جاهين وتوطدت علاقتى به، وأثنى على مسرحيتى للأطفال «حكاية سقا»، وكانت أول مسرحية لى، وأخرجها صلاح السقا والد الممثل أحمد السقا. 
وبعد عدوان إسرائيل فى 5 يونيو سنة 1967م انتقلت للسويس لأكون بجوار المقاومة الشعبية، وأصدرت صحيفتين هما «المقاومة الشعبية» و«السويس الثقافية»، مع شاعر السويس كابتن غزالى، ثم شاركت فى مظاهرات سنة 1968م ضد أحكام الطيران ودفاعا عن عمال مصانع حلوان، وكان أن اعتقلت لشهرين، وأفرج عنى بعد صدور بيان 30 مارس من عبد الناصر. 
وعند تأسيس المكتب الاستشارى لثقافة الطفل انضممت للعمل به، ثم أسست الفرقة المركزية لمسرح العرائس بالثقافة الجماهيرية، وقدمت مشروعى مسرح العرائس وخيال الظل، وكنت متأثرا بفن خيال الظل، وقرأت بابات شمس الدين محمد بن دانيال الموصلى، وكتبت مسرحية مستوحاة من «ألف ليلة» عنوانها «سهرة ضاحكة لقتل السندباد الحمال»، وكانت من بابين، بدلا من الفصول، وهى دعوة لمسرح شعبى أصيل، كما فعل يوسف إدريس فى «الفرافير»، وأسست جماعة الدراما، وقدمت عروضا طفت بها مصر والعالم العربى مثل مسرحية «فى حب مصر» سنة 1973، و«كانت وعاشت مصر» سنة 1974، و«غنوة للحرب، وغنوة للسلام» فى نفس العام.
وشاركت فى مظاهرات الخبز يومى 18و19 يناير سنة 1977 ضد نظام السادات، واعتقلنى ثلاثة أشهر، ووصف مظاهرات المصريين، بـ«ثورة الحرامية»، ونشرت آنذاك عدة دواوين كان لها صدى واسع فى كل مكان مثل: «أحزان ناصرية من عام الردة»، و«رسائل إلى ليلى العامرية»، و«يكبر الأطفال فجأة». 
وفى عام 1981 انتقلت للعمل فى مجلة «أسامة» السورية، وتنقلت للعمل والإقامة بين دمشق وبيروت، وأسست صفحة للأطفال بجريدة «النداء» اللبنانية، وأثناء الحصار الإسرائيلى لبيروت حررت بابا يوميا عنوانه «تحت القصف». 
ثم عدت للقاهرة، وأشرفت على النشاط الثقافى فى المركز الثقافى السوفيتى، ومن خلاله نظمت ندوات ثقافية وفنية شارك فيها كل رموز مصر الثقافية والفنية. 

ولكنك اخترت طريق شعر العامية وليس الفصحى عن عمد، أليس كذلك؟ 
الفضل فى ذلك يرجع لنشأتى بين الفلاحين والعمال، ثم صهرتنى تجربة السجن مع عمنا فؤاد حداد، وعرفت صلاح جاهين رفيق دربه، ولاحقا كان من أصحابى عبد الرحمن الأبنودى، وسيد حجاب، ومجدى نجيب، وعبد الرحيم منصور، وفؤاد قاعود، وغيرهم، ووصفونى بأنى «شادى الفقراء والمحرومين»، وأصدرت على الترتيب «كلام من القلب» 1967، «أغنيات للإيدين السمرا» 1968، «غنوة لمصر» 1969، «فى حب مصر» 1972، «فى حب مصر» 1975، وتضمن هذا الإصدار الثانى ديوان «شطوط الحلم والحواديت» «النشيد الفقير عن بابلو نيرودا» 1978، «غنوة للحرب، وغنوة للسلام» «أناشيد الحزن اللبنانية» 1978، «نشيد الأناشيد المصرى» 1979، «نبوت الغفير» 1979، «فرحة ليست للحبر السرى» 1981، «الأولة الآخرة غرام القاهرة» 1982، «قصائد غير شخصية» 1984، «ليالى من سجن» 1977، «قصائد العشق والغربة» وصدر عن مكتبة الأسرة 2008 فى طبعة رسمية ثانية، «كلام حزين فى الفن»، «كلام بسيط فى السياسة»، «فتافيت الأيام والناس»، «عن البشر والطين»، «رحيل المدن»، «هذا زمان الفراق»، «رد فعل»، «رحيل المدن»، «أراجيز العواجيز». 
وصدرت الدواوين السابقة وغيرها فى كتاب الشعر الأول، وكتاب الشعر الثانى، علاوة على الأعمال الشعرية الكاملة، ومجموعات الأطفال مثل: «شقاوة»، «فى الغابة الجنينة»، «حواديت وتلامذة»، «شجرة الحروف» وأصدرت سلسلة باسم «دفاتر ابن عبد الباقى»، وصدر منها «آخر حدود الزجل»، و«عالم الخيال الجميل من كوكب الألفا لميت سلسيل»، قصص للأطفال، و«ملامح مصرية فى ملاحم عصرية»، و«حواديت وحكايات»، و«رؤيا الحر الفقير لله النكدى الكفران»، و«ليلة موت الحلوانى اللى بنى مصر»، و«شكاوى الفلاح الغشيم عن التمثال المحطم للزعيم السليم». 
وأصدرت أيضا «بروستوريكا» بالعامية، و«مواويل البال الطويل»، و«أحزان الجميز الباط» و«من مية المحياة لمية العفاريت»، و«سلف ودين»، و«لماذا تركت الحمار وحيداً».  

لماذا لم تذكر نشرتك الماستر الشهيرة «شمروخ الأراجوز»، والتى كنت توزعها بنفسك، وفيها عنوانك الحالى للمراسلة، ورقم تليفون بيتك الأرضى الحالى أيضا؟!
تجربة إصدارى لنشرة «شمروخ الأراجوز» من آخر أعمالى ونشاطى الثقافى بين الناس، وظلت لأكثر من ست سنوات، وأصدرت منها 75 نشرة دورية، وكنت أتولى كتابتها وإخراجها ورسمها وطباعتها وتوزيعها بنفسى، كنت أمر على أصحابى فى المؤسسات الصحفية والثقافية وفى الجمعيات الأدبية، وأوزعها بنفسى نظير جنيه واحد مساهمة منهم فى طباعتها، كانت عبارة عن شكشكة شعرية سياسية واجتماعية تنتقد الأوضاع العامة، وكان لها رقم إيداع رسمى، وهى تجربة أشاد بها كثير من أصدقائى من الشعراء والنقاد أمثال جمال بخيت، ومصطفى محمود، وشيرين أبو النجا، وحلمى القاعود، ومحمد قطب، وفؤاد حجاج، وأحمد هريدى، والسيد الغضبان، ومحمد العزبى، ود. كمال نشأت، وسيد الوكيل، ورشا حسنى، وسامح قاسم، وغيرهم. وكانت عملا ثقافيا جماهيريا بامتياز، كنت أمشى على قدمى آنذاك، وكنت بصحتى، وحاليا كما ترى.. عجوز عمره 86 سنة، نايم على ظهرى على السرير ولا زلت أحلم والحمد لله!
هل ما زلت تكتب الشعر؟ 
نعم، أحيانا، وأقطع وأمزق ما أكتبه، لأننى بت أشعر أنه لا فائدة من شىء، لقد كافحنا لتأسيس اتحاد الكتاب، ليصبح لنا كيان يدافع عنا، وكنا نقرأ ونكتب، وكنا على مسافة من السلطة، واليوم، من يقرأ ومن يكتب؟ 

علاوة على شعر العامية، كنت أحد فرسان المسرح خاصة مسرح الطفل، فما أسباب شغفك بالمسرح؟ 
المسرح هو الحياة، المسرح حياتى، وكما قلت لك كنت أحد أعضاء فريق التمثيل فى مدرسة الجمالية الابتدائية، وقدمت دور الأمين فى مسرحية تحكى قصة بناء الكعبة، وفى السجن كنا نكتب المسرحيات ونمثلها بأدوات بسيطة، وبعد عدوان عام 1967 عشت مع أهل السويس سنوات، ومع كابتن غزالى وغيره من الرفاق كتبنا النصوص المسرحية، وقدمناها للجنود على الجبهة لرفع معنوياتهم، وأنا أؤمن بأن المسرح هو الأب الشرعى لكل الفنون، فالتحقت بالمعهد العالى للفنون المسرحية، قسم النقد والأدب المسرحى، وحصلت على دبلوم الدراسات العليا بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وكان من دفعتى فى المعهد: نسيم مجلى، ود. صبرى حافظ، وحسين أبو المكارم، ود. أسامة ابو طالب، وكتبت عدة مسرحيات مثل «سيرة شحاتة سى اليزل أو سعدون»، و«الليلة فنطزية»، و«اقرأ الفاتحة للسلطان»، و«سهرة ضاحكة لقتل السندباد الحمال»، و«مولد وصاحبه خايب»، و«البطاقة»، و«يوم أكلنا الخروع»، و«عشرة مجنونة»، و«حلمك يا بيه أو بيروقراطيا الكبرى»، ولى دراستان عن مسرح الأطفال فى مصر، وعن كامل الكيلانى، ودراسة ثالثة عن مسرح الستينيات وأثره فى المجتمع المصرى. 

أيضا تزوجت من فنانة مسرحية وهى نجلاء رأفت، أليس كذلك؟ 
نعم، الفنانة نجلاء رأفت كانت زوجتى وصديقتى، وأسست معها مشروع مسارح العرائس وخيال الظل، وهى مسارح سهلة الفك والتركيب وطفنا بها على كل محافظات مصر، وأعددت سيرة نجيب الريحانى مسرحيا، ومسرحية مقالب عطيات، عن نص مريض الوهم، كما كتبت مسرحية عن فؤاد حداد، وأول مسرحية لى كانت «حكاية سقا» سنة 1966، وهى للأطفال، وأشاد بها صلاح جاهين، ثم تتابعت مسرحياتى للأطفال مثل «مغامرات حسن قرن الغول»، و«مملكة القرود»، و«ثورة العرائس»، و«أرنب فوق العادة»، و«قرص عسل من غير عسل»، و«دبدوب الكسلان»، و«الطحان وملك الغابة»، و«حلم علاء الدين»، و«بقيق الحمال»، و«البلياتشو وست الحسن»، و«ملاعيب جحا»، و«معزة أبو على»، و«فطيرة الشيخ زويد»، و«أوز ساحر الأراجوز»، و«طائر الحظ السعيد».
ووضعت أشعار وأغانى مسرحيات مثل «ما تحب» لسمير سرحان عن نص لشكسبير، و«سيف الله»، و«المزرعة» و«مآذن المحروسة» لأبو العلا السلامونى، و«الصفقة للحكيم،» و«وكالة الأباصيرى» ليسرى الجندى، و«زغاريد فرقع لوز»، لسيد محمد على، و«حدث فى 56» لسمير زاهر. 
 
ولك فى عالم الرواية «زمن الزنازين» عن تجربتك فى المعتقل، هل يوجد نصوص قصصية غيرها؟ 
بخلاف «زمن الزنازين» لى روايتان هما «هكذا تكلمت الأحجار» 1979، و«ولا هم يحزنون» 2006. 
 فضلا عن قصص كثيرة للأطفال مثل «الببغاء المسحور»، و«طائر البحر»، و«صندوق الدنيا»، وكتبت برامج تلفزيونية للأطفال مثل «حكايات ماما علية»، و«عصافير الجنة»، و«مجلة الأطفال»، وكتبت السيناريو والحوار لمسلسلات مثل «قرية البركة»، و«حكايات ديك الجن العربى»، و«هدهد الحكايات»، وكتبت سيناريو عن قصة حياة فؤاد حداد باسم «ليمونة المحاياة»، وفاز بالجائزة الأولى فى مهرجان سينما الأطفال سنة 1992، إضافة لكتابة برامج إذاعية مثل: «العربى الصغير»، «أمس واليوم وغدا»، و«كتاب فى دقائق»، و«مجلة الاشتراكى»، فضلا عن تحريرى وكتابتى فى أغلبية مجلات الأطفال المصرية والعربية. 
ولى عشرات الكتب الموجهه للأطفال صدرت عن دار الهلال، ودار المعارف، ودار الشعب والمجلس الأعلى للثقافة، والمركز القومى للطفل، وعن دور نشر فى العراق والسودان، فضلا عن كتبى مع آخرين، وهى بالعشرات أيضا. 

كان للسجن فضل عليك إذ التقيت فؤاد حداد وشربت منه علما وشعرا وصنعة، وبدأت تكتب شعرك، فما أغرب شىء بقى من آثار اعتقالك لأكثر من مرة؟! 
أنى نجحت فى جمع أشعار المعتقلين الشيوعيين رفاقى فى السجون المصرية من بداية الخمسينيات حتى سنة 1965 ونشرتها فى كتابى «هديل اليمام وراء القضبان»، وصدر عن لجنة توثيق الحركة الاشتراكية. 
هل كتبت قصائد فصحى؟ 
كتبتها أول عهدى بالشعر، ونشرت بعضها فى صحيفة «المساء» فى نهاية الخمسينيات، ولكننى لم أجد نفسى فى شعر الفصحى مع أنى ابن مدرس، وخالى أزهرى، والسبب توجهى السياسى الاشتراكى، وشعورى بأنى لسان المحرومين والبسطاء من عمال وفلاحين، فتكلمت بلسانهم، وكنت واحدا منهم، وعشت وسطهم. 

أخيرا، ماذا تقول للقراء والناس ولكل من أحبوك؟ 
الحمد لله أنى عشت شريفا فلم أكن عميلا لأحد، وعشت بفكرى وقلمى، وقدمت أغلى ما عندى لبلدى وللناس، ولا زلت أتألم للضحايا من الفقراء والمحرومين فى المناطق المهمشة والقرى البعيدة، وأعتبرهم ضحايا ويجب الاهتمام بهم، وقبل أن نحاسبهم على ما هم فيه من جهل وفقر وتفشٍ للجريمة، يجب أن نحاسب أنفسنا، ونسأل روحنا: ماذا قدمنا لهم؟.. إننى لا زلت أحلم بعالم خالٍ من الفقر والظلم، عالم خالٍ من الكيان الصهيونى، عالم خالٍ من الاستعمار الأمريكى، أحلم وأنا ممدد على ظهرى على سريرى، لأننى عجزت عن الحركة، وعن النزول للشارع وللناس من سنوات، ولكن عقلى ووجدانى مع ناسى وبلدى وعروبتى.