د. أحمد يونس
منذ أيام أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلى سيطرة قواته على قلعة الشقيف الأثرية والمسجلة كموقع تراث عالمى فى جنوب لبنان، حيث اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، أن احتلال القلعة بمثابة تحول حاسم خلال حربه على لبنان. القلعة التى احتلتها إسرائيل فى وقت سابق من عام 1982 حتى عام 2000 تتمتع بحماية دولية إذ استنكرت بلدية أرنون القصف الإسرائيلى الذى طال القلعة معتبرة أن استهدافها يعد اعتداء على معلم أثرى وتراثى عالمى.
لم تكن قلعة الشقيف عبر تاريخها الطويل مجرد موقع عسكرى قائم فوق تلة صخرية تشرف على الجنوب اللبنانى بل كانت دائماً شاهداً حجرياً بناها الرومان ثم أضاف إليها الصليبيون بعض التحصينات والأبراج الدفاعية وأطلقوا عليها اسم قلعة «بوفور» أى «الحصن الجميل»، سقطت القلعة لاحقاً بيد صلاح الدين الأيوبى بعد حصار طويل، ثم استردها الصليبيون لفترة وسكنها «فرسان المعبد»، حتى سيطر عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268م.
تُمثل القلعة جزءاً من الذاكرة الحضارية للجنوب اللبنانى بأكمله. ويمنحها موقعها الجغرافى الاستراتيجى المطل على نهر الليطانى ومرتفعات الجنوب أهمية عسكرية استثنائية جعلتها على الدوام نقطة جذب للقوى المتصارعة عبر التاريخ، من الجيوش القديمة إلى الحروب الحديثة. وتتمتع القلعة منذ عام 2024 بصفة «الحماية المعززة» بموجب البروتوكول الثانى الملحق باتفاقية لاهاى لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
تهديد الذاكرة الجماعية
واليوم، تعود القلعة إلى واجهة الأحداث مع الحديث عن سيطرة إسرائيل عليها فى خضم التصعيد العسكرى المستمر، ما يثير مخاوف عميقة لا تتعلق فقط بالبعد الميدانى أو العسكرى بل بما قد ينتج عن أى معارك أو قصف أو اشتباكات فى محيطها من دمار يصيب أحد أهم المعالم التاريخية فى لبنان. فهذه القلعة التى نجت عبر قرون من الحروب والزلازل والتحولات السياسية الكبرى، تواجه اليوم خطراً جديداً قد يهدد ما تبقى من بنيتها التاريخية وقيمتها الحضارية، فى وقت يشهد فيه جنوب لبنان موجة واسعة من التدمير طاولت القرى والمواقع التراثية والدينية والأثرية. الخطر هنا لا يقتصر على احتمال تضرر بناء أثرى قديم، بل يمتد إلى تهديد معلم يمثل جزءاً من الذاكرة الجماعية للمنطقة، وسجلاً حياً يروى تاريخ الحضارات التى مرّت على هذه الأرض عبر مئات السنين، ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة الحالية ، لم يعد ما يشهده جنوب لبنان والبقاع الشرقى يُقرأ بوصفه مجرد عمليات عسكرية إسرائيلية مرتبطة بساحات القتال، بل بات أقرب إلى سياسة تدمير شاملة تطاول الجغرافيا والذاكرة والهوية الحضارية للمكان. فالمشهد الممتد من القرى الحدودية فى أقصى الجنوب إلى بلدات البقاع يكشف نمطاً متكرراً من القصف والتفجير والتجريف وتسوية الأحياء بالأرض، بما يشمل البيوت الحديثة والدور التراثية والمبانى الدينية والمواقع التاريخية التى تعود إلى الحقب الفينيقية والرومانية والبيزنطية والصليبية والعثمانية واللبنانية القديمة.
فى قرى مثل بنت جبيل ومارون الراس ويارون وعيتا الشعب والظهيرة والبستان ويارين وطير حرفا والطيبة والخيام والقنطرة ودير سريان وشمع، لم يقتصر الدمار على استهداف منشآت محددة، بل طال أحياء بكاملها جرى نسفها أو تجريفها بصورة منهجية، فى مشهد يتكرر أيضاً فى مناطق من البقاع الشرقى التى تحتضن بيوتاً حجرية وأبنية تراثية تشكل جزءاً من الذاكرة، العمرانية اللبنانية. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بالخسائر البشرية أو بالأضرار المادية التقليدية، بل أصبح استهدافاً مباشراً لذاكرة المكان نفسها، حيث سقطت المساجد القديمة والكنائس والمقامات التاريخية والبيوت ذات الأقواس والأسقف التقليدية تحت القصف أو الحرق أو التفخيخ، رغم أن بعضها صمد لمئات السنين فى وجه الحروب والزلازل والتحولات التاريخية. إن هذا التدمير لا يصيب الحجر وحده، بل يطال صورة القرى اللبنانية بوصفها حاضنة لتراكم حضارى طويل، ويحوّل مناطق كاملة إلى فراغات خالية من معالمها الأصلية، فى محاولة تبدو وكأنها تسعى إلى اقتلاع الإنسان من جذوره ومحو الشواهد التى تثبت عمق حضوره التاريخى على هذه الأرض.
ذاكرة ثقافية
يكتسب هذا الخطر أبعاداً أكثر حساسية حين يقترب من المدن والمواقع الأثرية الكبرى التى تشكل جزءاً من التراث الإنسانى العالمى. ففى مدينة صور، إحدى أقدم مدن المتوسط وأكثرها ارتباطاً بتاريخ الحضارات الفينيقية والرومانية والبيزنطية، تصاعدت المخاوف من تهديد الغارات للمناطق الأثرية المحيطة بالمواقع التاريخية المدرجة على لائحة التراث العالمى بما تحمله من آثار ومعابد جنائزية وفسيفساء ومدافن وميدان سباق عربات الخيل ومرافئ تعود إلى آلاف السنين. كما تواجه مناطق أثرية أخرى فى الجنوب والبقاع مخاطر متزايدة نتيجة القصف والاهتزازات العنيفة والحرائق والتجريف، وهى أخطار لا تقل تدميراً عن الاستهداف المباشر، لأنها قد تؤدى إلى تصدعات وانهيارات وخسارة عناصر معمارية بقيت صامدة عبر قرون طويلة. ففى العديد من قرى الجنوب اللبنانى تتجاور الحياة اليومية مع الكنائس البيزنطية القديمة والمعابد الرومانية والخزانات المائية التاريخية والطرقات الأثرية، ما يجعل أى اعتداء على هذه المناطق تهديداً مباشراً لذاكرة حضارية متراكمة عبر العصور. والواقع أن الجنوب اللبنانى ليس مجرد مساحة حدودية أو منطقة نزاع عابر، بل هو طبقات متداخلة من التاريخ الإنسانى تختزن آثار الحضارات التى تعاقبت على شرق المتوسط منذ آلاف السنين. لذلك فإن سقوط أى معلم أثرى أو مبنى تراثى لا يمثل خسارة عمرانية فحسب، بل يعنى ضياع صفحة من الذاكرة الثقافية للمنطقة بأكملها، لأن هذه المواقع ليست ملكاً لجيل واحد أو لشعب واحد، بل تشكل جزءاً من السجل الحضارى المشترك للبشرية.
ويؤكد القانون الدولى الإنسانى أن الممتلكات الثقافية والدينية والأثرية تحظى بحماية خاصة خلال النزاعات المسلحة، باعتبار أن التراث الثقافى يمثل إرثاً إنسانياً جامعاً لا يجوز تحويله إلى هدف عسكرى. وقد كرّست اتفاقية لاهاى لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية فى حالة النزاع المسلح، إلى جانب البروتوكولين الملحقين بها، مبدأ تحييد المواقع الأثرية والدينية ومنع استهدافها أو استخدامها أو تعريضها للتدمير أثناء الحروب، كما عزز البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف لعام 1977 هذه الحماية، فيما جاء البروتوكول الثانى لاتفاقية لاهاى لعام 1999 ليمنح آليات قانونية أكثر تشدداً لحماية المواقع الثقافية خلال النزاعات المسلحة، ويؤسس لما يعرف بـ«الحماية المعززة» للمواقع ذات القيمة الإنسانية الاستثنائية. كذلك اعتبر نظام المحكمة الجنائية الدولية أن التدميرالمتعمد للممتلكات الثقافية والمعالم التاريخية يمكن أن يندرج ضمن جرائم الحرب عندما يتم بصورة ممنهجة أو متعمدة. وفى هذا السياق، برز دور وزير الثقافة اللبنانى غسان سلامة من خلال تحركات دبلوماسية وثقافية مكثفة هدفت إلى توثيق الأضرار التى طاولت المواقع الأثرية والتراثية اللبنانية، والعمل على توسيع نطاق الحماية الدولية لها. وقد أسفرت هذه الجهود عن رفع عدد المواقع اللبنانية المشمولة بالحماية المعززة من 34 موقعاً إلى 79 موقعاً، فى خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لحجم الأخطار التى تهدد التراث اللبنانى مع استمرار التصعيد العسكرى. كما يعمل الوزير على إعداد ملفات قانونية وثقافية متكاملة للتواصل مع الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، انطلاقاً من اعتبار استهداف التراث الثقافى اعتداءً لا يطال لبنان وحده، بل يصيب الذاكرة الإنسانية المشتركة ويشكّل مساساً بإرث حضارى عالمى لا يمكن تعويضه.
صورة متراكمة
إن ما يواجهه التراث اللبنانى اليوم يتجاوز كونه قضية محلية مرتبطة بالخسائر العمرانية أو الأضرار الجانبية للحروب، لأن استهداف القرى التاريخية والمواقع الأثرية والمعالم الدينية والتراثية يحمل أبعاداً رمزية وثقافية عميقة تمس هوية المكان وذاكرة سكانه. فحين تُدمَّر قرى بكاملها وتُمحى أحياء حجرية قديمة صمدت لمئات السنين، وتُستهدف كنائس ومساجد ومقامات ومعالم تاريخية بقيت شاهدة على تعاقب الحضارات، فإن الرسالة تتجاوز البعد العسكرى لتصل إلى محاولة محو الشواهد التى تؤكد الجذور التاريخية والثقافية لهذه الأرض. وقد أثبتت الحروب الحديثة أن إعادة بناء الأبنية ممكنة فى كثير من الأحيان، لكن إعادة بناء الذاكرة التاريخية أمر يكاد يكون مستحيلاً، لأن التراث ليس مجرد حجارة أو جدران، بل هو رواية الشعوب عن نفسها، وصورتها المتراكمة عبر الزمن، وعلاقتها بالمكان الذى عاشت فيه عبر الأجيال. من هنا تبدو حماية المواقع الأثرية والتراثية فى لبنان ضرورة تتعلق بالدفاع عن التاريخ والهوية أكثر مما تتعلق بحماية الأبنية وحدها. فالمعابد القديمة والكنائس البيزنطية والمرافئ الفينيقية والبيوت الحجرية والأسواق التراثية ليست عناصر جامدة فى الماضى بل سجل حى يروى تطور الإنسان فى هذه المنطقة منذ آلاف السنين. وأى خسارة تصيب هذا الإرث لا تعنى فقدان معلم معمارى فقط، بل تعنى اختفاء جزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة. لذلك، فإن حماية التراث الثقافى اللبنانى خلال النزاعات ليست قضية ثقافية هامشية، بل معركة دفاع عن حضارة كاملة وعن حق الشعوب فى الاحتفاظ بذاكرتها التاريخية فى وجه الدمار والاقتلاع والنسيان.
عبد الله إبراهيم فى مواجهة «المركزية الغربية»
سمير عبد الباقى .. فى آخر حوار قبل الرحيل:
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء







